شعبة المبدعين العرب

شعرية القصة الشاعرة.. دراسة نقدية للدكتور بسام قطوس

لكل جنس أدبي جمالياته النابعة من تقاليده الخاصة في التعبير

 

شعرية القصة الشاعرة

 أ.د بسام قطوس

 أستاذ النقد الحديث – جامعة اليرموك -الأردن

لم أشأ أن أناقش في هذا البحث شرعية القصة الشاعرة، أو ألتأصيل لها؛ فهي موجودة بالفعل مثلما هي موجود بالقوة، ولها أصولها عند الإغريق؛ في الملحمة التي تعد “محاكاة عن طريق القصص شعرا”، مع إدراك جوهر الاختلاف. ولها جذورها الراسخة في الشعر وفي القصة، وبخاصة القصة القصيرة؛ وهي من ثم ابنة شرعية للشعر والقصة القصيرة جداً، تستمد من  الشعر كثافته ورمزيته، وإيقاعه الوزني، مثلما تستمد من القصة حكائيتها وسردها، وتمّاز بكثير من المميزات الأسلوبية والجمالية التي ستقف على بعضها هذه الورقة.

قلت: لن أناقش شرعية القصة الشاعرة؛ لأن ذلك لن يفيد الدرس النقدي لدارس يؤمن بالتجريب؛ لأن كل أشكال الفن ما هي إلا أشكال ذاتية تجريبية في مبدئها، مع عدم إنكار أهمية اندغام هذه الذات المبدعة بموضوعها، إلى درجة يصعب فيها التفريق بين “الذات والموضوع” أو بين “الذاتي والموضوعي” في العمل الفني الأصيل، أو في النماذج الفنية الخالدة التي أثبتت جمالها عبر السنين.

وإذا كان أصحاب المناهج النقدية الخارجية أو السياقية قد ذهبوا إلى مرجعيات خارجية كالتاريخ أو الاجتماع في تحليل الأدب، وإذا كان أصحاب المناهج الداخلية قد ذهبوا مذهباً آخر في تقديس النص الأدبي وعده تحفة أدبية يجب مقاربتها مقاربة محايثة بغض النظر عن مرجعياتها، فإن الدارس هنا يستفيد من كل هؤلاء في طروحاتهم، ولكنه يذهب مذهباً آخر في مقاربة  الإبداع بعامة ومقاربة القصة الشاعرة بخاصة، وهي موضوع هذا البحث. وخلاصة هذه النظرة التساؤل عن الحد الفاصل بين هذه المرجعيات التي نظّر لها أصحاب المناهج الخارجية ، وبين النص نفسه الذي أراد أصحاب المناهج الداخلية أن يقدّسوه (ولهم بعض الحق في ذلك)، وأن يجعلوه محور دراساتهم، ومركز اهتمامهم النقدي، مغفلين ما عداه من مرجعيات تتصل بحياة المؤلف وبيئته وسيرته، ساعين إلى خلق علم أدبي مستقل انطلاقاً من الخصائص الجوهرية للأدب.(انظر:قطوس،دليل النظرية النقدية المعاصرة، الكويت، دار العروبة،ص77).

ولعل إجابة هذا التساؤل تحدد بدقة منهج هذه المقاربة، فمع اعتقاد صاحبها بأهمية دراسة النص بوصفه بنية فنية وجمالية في المقام الأول، إلا أنه لا ينكر أهمية المرجعيات المحيطة بالنص، سواء أكانت تاريخية أم نفسية، أم اجتماعية؛ أي لا يمكن تجاهل غايات النص ومرجعياته الخارجية تماماً، على أن تعيدني بنية النص نفسه إلى تلك المرجعيات، فيكون النص هو المركز أو هو نقطة البدء والمعاد،الذي ينطلق منه الدارس، ثم يعيده النص نفسه إلى تلك المرجعيات التي تضيء عتمة النص.

من هنا يصح الاستنتاج أن اللغة في داخل النص لا تستمد جمالياتها من تكوينها الذاتي باعتبارها أصواتاً وتراكيب ومجازات ذات طاقات تعبيرية وتأثيرية وحسب، على أهمية تكوينها الذاتي، ولكن وبالقدر المماثل من علاقتها بالجنس الأدبي الذي تمثله وتستمد منه صوغ أبنيتها؛ إذ تقع اللغة بناء على تلك العلاقة، في أفق جمالي جديد، وتتحدد جمالية اللغة وأسلوبيتها بوظائفها التصويرية في سياق جنس أدبي محدد. (انظر: محمد مشبال، البلاغة ومقولة الجنس الأدبي، عالم الفكر ص51-52، الكويت، مج30، يوليو-سبتمبر2001).

ومهما يكن من أمر فإن تداخل الأجناس أو اقتراضها من بعضها لا يعني افتقاد الجنس المعين لبعض سماته الأسلوبية الخاصة التي قد ينفرد بها عن غيره ويمّاز، ولكنه يؤكد على أن لكل جنس أدبي جمالياته النابعة من تقاليده الخاصة في التعبير، وهذه التقاليد هي مكوناته الفنية التي تفرض نفسها بعد أن تحفر في مجراها، وتفرض قسماتها على المتلقي فيذعن لها في ممارسته النقدية و/أو التأويلية، ليصير هذا الجنس المستحدث معياراً لآخر يأتي بعده. وهذا ما حصل بالضبط في سياق تطور الشعر العربي بدءا من العصر العباسي ومروراً بحركة الإحياء فشعر النهضة، فشعر المهجر فشعر جماعة أبولو..إلخ وانتهاء بقصيدة التفعيلة وليس انتهاء بقصيدة النثر..(راجع قطوس، قصيدة النثر:قراءة في اتساق النص وانسجام الخطاب مجلة مؤتة للبحوث والدراسات ، م12 ، ع1 ، 1997م).

لقد وقف الكثيرون في بداية ظهور “قصيدة التفعيلة” ضدها مثلما وقف آخرون ضد “قصيدة النثر” إلا أن هذين الجنسين قد أثبتا وجودهما وحفرا مجراهما واستقرا.

وما يقال عن “القصة الشاعرة” اليوم قد يصبح عابراً في المستقبل.. ولكن المهم لدارس الأدب أن يقر بالاختلاف ويعترف بحق الاختلاف في الأدوات التعبيرية بين الأجناس الأدبية بدءا، وهو اعتراف بأحقية وجود أي نوع أدبي ما دام لا يخرق القواعد العامة، وما دام له جذر أو أو أصل يقاس عليه. وفي مثل حالة القصة الشاعرة فإن أصلها موجود في الشعر /شعر التفعيلة خاصة، وفي القصة وبخاصة القصة القصيرة جداً، وهي لم تجاف الأصل ولكنها فرضت على نفسها تقييداً آخر، وربما ألزمت نفسها (لزوم ما لا يلزم) حيث جمعت بين الشعر والقص أو السرد، وأخذت من صفات هذا وذاك بما يقوي الاثنين معاً. ونجاحها أو فشلها مرهون بتقبل المتلقين أو رفضهم لها.

فاختلاف أداة التعبير حق لكل مبدع هذا أولاً, ولكنها في المحصلة النهائية يجب أن تخضع لبيئتها الجديدة، وأن يتم التعامل معها وفقاً لبيئتها الجديدة دون تزمت أو رفض لوجودها؛ وإذّاك يمكن الحكم على شعريتها وجمالها أو انعدام جمالها بكل موضوعية، مع الأخذ بعين الاعتبار مدى تأثيرها في الوسط الأدبي والاجتماعي والثقافي؛ بما تمتلكه من أدوات فنية ، ومن ثم يتم استقراء تلك الاشتراطات والقوانين الداخلية لتشكل نوعاً أدبياً جديداً.

في مفهوم الشعرية:

الشعرية، في مفهومها الأرسطي، تشير إلى قوانين الخطاب داخل الأدب نفسه، والشعرية، وفق جون كوهين، علم موضوعه الشعر، ولكن مصطلح “شعرية” استعمل توسعاً في كل موضوع من شأنه أن يثير نوعاً من الإحساس الجمالي، ولم تعد الشعرية قيمة خاصة بالعمل الأدبي ذاته، ولكنها صفة نطلقها على قدرة ذلك العمل على إيقاظ المشاعر الجمالية في المتلقي، وإثارة دهشته، وقدرته على خلق الحس بالمفارقة، وإحداث الفجوة مسافة التوتر، أو كسر بنية التوقع..إلخ من الملامح الأسلوبية.(جان كوهين، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، المغرب، دار توبقال للنشر، 1986،ص9).

من هنا يتضح أنه ليس العمل الأدبي ذاته هو موضوع الشعرية، وإنما الخصائص النوعية لهذا الخطاب ؛ آية ذلك أن كل عمل أدبي ما هو إلا تجل لبنية محددة وعامة، ليس العمل إلا إنجازاً من إنجازاتها الممكنة.(تودوروف، الشعرية، ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، المغرب، دار توبقال،1990،ص23). وذلك يعني، ببساطة، أن محتوى مفهوم الشعر غير ثابت، وهو يتغير مع الزمن،بينما الوظيفة ؛ أي “الوظيفة الشعرية” هي عنصر فريد لا يمكن اختزاله بشكل ميكانيكي إلى عناصر أخرى.(انظر: ياكبسون،قضايا الشعرية، ترجمة محمد الولي ومبارك حنوز، المغرب،دار توبقال للنشر،1988، ص19).

ولكن كيف تتجلى الشعرية؟ وما الذي يميز نصًّا من نص؟ وما الذي يجعل من نص ما يستحق أن يوصف بالشعرية؟

والجواب يكمن فيما أسميناه “إشكالية المعنى ولعبة العلامات، أو لعبة الدلالات والإحالات التناصية الممتدة”؛ وملخصها أن النص الأدبي يتشكل من دوال تنتج مدلولات، فينتج عن التأليف بين الدوال ومدلولاتها دلالات جديدة يحددها السياق التواصلي أو الاستخدام، فتنتج (كلاماً) بتعبير دو سوسير، وبعده رولان بارت، فيؤسس هذا الكلام الذي خرج من المعجم ودخل في عالم الكتابة أو الإبداع، لفهم آخر للوجود يقضي على مبدأ السكونية الأصلي للكلمة يوم كانت في المعجم، لتكتسب معنى جديداً في وجودها الجديد، ومن ثم تكتسب شعريتها في علاقاتها الجديدة.(انظر: بسام قطوس، أفخاخ النص،عمان، دار فضاءات للنشر والتوزيع،2013،ص16).

ولعل دارس نماذج “القصة الشاعرة” يجد فيها العديد من ملامح الشعرية، التي تصح أن يكون معياراً أسلوبياً أو جمالياً، في الحكم على شعريتها، ونذكر منها: موافقة الأسلوب لسياقه التجنيسي، وارتباط اللغة بسياقها التعبيري، وخاصية التدوير في القصة الشاعرة.

والتدوير ظاهرة عروضية وموسيقية عرفها الشعر العربي ذي الشطرين، ومارسها الشعراء العرب المحدثون من أصحاب تيار”وحدة التفعيلة”، ولها نماذج متميزة عند حسب الشيخ جعفر، ومحمود درويش وأدونيس وسواهم، حيث يمتد التدوير لعدة أسطر شعرية ، حتى بتنا نجد قصائد كاملة مدوّرة، يتم استثمار طاقتها التدويرية استثمارًا بارعًا.

(انظر:محمد المحفلي، القصة الشاعرة..تحدي الأجناس، بحث مرقون على الآلة الكاتبة).، وسنقف على نماذج متخيرة للتمثيل على تلك الشعرية الملذّة، للتدليل بعض ملامح الشعرية :

نموذج (1) (مصر)

أشرقت/ محمد الشحات محمد رائد القصة الشاعرة

“فتحت طفولتها على عين تواريها براويز الأشعة في جنوب اليتم..،

ذات محبة راحت تراود نفسها عن نفسها..،تنساب في المرآة، تبدو سدرةً حيناً، وحيناً تشتهي جسد التمني عارياً..، دقت محطات الأنوثة في السياسة..، أشرقت”.

 

نموذج(2)

حضن الزمان/ ليانا الرفاعي (الأردن)

“بباب المخاوف كبلها الحزن، معزولة تستغيث العيون الكليلة، تسأل حضن الزمان طيوف الأمان، وتركب في الفجر أشلاء نور، يعيث بها الصبر بين جبال الذهول وبين سهول الهوان، ودون سؤال أطاح بها الليل مشلولة، وهوت”.

نموذج(3)

حنين/ مصطفى مطر(فلسطين)

“قبيل الفجر عادت في دخان يقرأ”الفنجان” دقت “ساعة الشكوى” هنا بدأت تراوده – حنينا للمزامير الشريفة – عن كفوف العشق فاشتعلت مع الأغلال سرا، بينما اشتغل الصبي على حروف الشجب والأعذار، هاجت، قاطعته “الآن عد”، سقطت قناديل الخليل فقرر الأقصى مناهج سدرة الذكرى”.

نموذج(4)

أنا أمه/ محمد طكو (سوريا)

“راحت تفتش في حقيبتها القديمة عن بقايا وردة ..كانت على منديل طفل ذات يوم ..،حينما قال المجند عند أشواك اللجوء:تكلمي …

فتلعثمت يوم انتصار الوهم في زمن الردى. واساقطت درراً على هذا الثرى..،حتى يمر العابرون بجفنها..، والليل كحل الأمهات الفاقدات جميع من كالزهر مروا من هنا ..،

كالسوسن البري إذ حمل الربيع إلى الديار وصار يبكي وحده،أو راح ينزف بعضه كالياسمين يمر من شفق الصباح …،يزيدنا فرحا ونجهل حزنه ..، والأرض هذي الأرض أم..،

عندما ترك الجنود قميص طفل قد تلطخ بالدماء وكان صدقا ما رأت .

وأعاد جندي الحدود سؤاله بـ:تكلمي

رفعت له المنديل دون تردد :أنا أمه ..أنا أمه..أنا أمه”.

نموذج(5)

بيان/ د. أحلام عبد الله الحسن (البحرين)

“في ليلة ظلماء حالكة خلت من نور بدر يزهر الأملَ الذي تاقت إليه بيان .. تلك الطفلة المسدولة الشعر الذي ملأ الغبار شقاره و كأنه ما مسّه مشط ولا ماء عليه تساقطت قطراته .. صرخت بيان على ضجيج القاذفات برعشة فتملكت جسماً بدت كل الجوارح فيه ذابلة و في ذعر و دمع سارعت مرعوبة من خوف ماض لم يزل، كم مزقت أنيابه أحبابها الماضين في حرب عقير مضغة للجائعين دماً هنا .

وإلى ذراع الجدة العجفاء لاذت علها تجد الأمان عليهما ، مسحت دموع الخوف عن أجفانها ، و على شفاه الجدة المنشقة الأطراف كم غصت حروف لم تزل في حيرة ، فتمالكت أعصابها

قالت : بيان بنيتي فلتهدئي ..

صمتت قليلاً عن هنا يا جدتي ؟

وببسمة تخفي المزيد من الأسى

نطقتْ :

قريباً يا بيان صغيرتي

في لوعة محزونة

قالت :

لماذا هذه الحرب التي أخذت أبي ، وأخي ولم تترك سوى (جثثا) ترامت ها هنا ؟

في زفرة هي كل أجوبة العجوز ، و لم تقل شيئاً يفي !

كانت هناك إضاءة خلف النوافذ لم تزل ..”

نموذج(6)

معراج/ د.ربيحة الرفاعي (الأردن)

” تقدم رغم سدود الظلام فسدوا المنافذ، قاوم، شق سبيلا إلى زهرة المجد، ضجوا، استشاطوا، أثاروا الزوابع، ظنوا بأن يستقيل المقاتل، لكنه اشتد، ما رده ما تحيك العناكب، فاندك سد الركود المعربد، وامتد من جانب الطور للأفق معراج نور، وغنت نشيد العبور الدوالي”.

 

إن تعدد هذه النماذج لشعراء مختلفي الجغرافيا العربية يدل عل اتساع الرقعة الزمانية والمكانية.

وهذه النماذج كلها تتوافر لها الشعرية بدرجات، وتعتمد على إيقاع التفعيلة دون تحديد لعددها، وتتخذ من التدوير طريقة في  الأداء، ومن القص أو السرد منهجا في الحكي، وتحوز كل قصة شاعرة على نوع من التماسك أو التساق والانسجام. كما تلجأ إلى تقنية التكثيف، وتفعيل الرموز، وحسن الاختيار، ومهارة التوزيع، وترك فراغات أو بياضات تدعو المتلقي المثقف إلى ملئها لكشف النص الغائب فيها الذي يوحي به النص الحاضر.(انظر: قطوس، علائق الحضور والغياب في شتاء ريتا الطويل، ومحمد عجور،القصة الشاعرة.. الأصول والجذور، المؤتمر العربي الثامن للقصة الشاعرة، ص106).

ولعل الجامع المشترك بين هذه النماذج من حيث المضامين هو بحث  أصحابها أو أبطالها ، إن شئت عن الخلاص ، كل حسب طريقته. فالطفلة “أشرقت” في النموذج الأول تفتح عينيها على طفولة بائسة، ورمزها “جنوب اليتم”، ثم هي تكتشف أنوثتها في المرآة، فتراود نفسها عن نفسها، وتحتار أتكون لأنوثتها وجسدها، أم لأهلها الذين يعانون من أهوال السياسة، ولكنها تنحاز للنموذج النضالي المشرق، لتخيب ظن الطامعين بها، وتكون مع ذاتها وأهلها.

وفي النموذج الثاني “حضن الزمان” نلتقي بنموذج أنثوي إنساني آخر : تسقط مشلولة وهي تبحث عن  طيوف الأمان (متمثلة في أشلاء النور) في عالم يسكنه الرعب، ورغم كدها ودأبها تهوي مشلولة وعاجزة عن الفعل.

وفي النموذج الثالث “حنين”نجد بطلتها أنثى تبحث عن مصير حر، وهي رمز ربما للأرض المحتلة السليبة التي تبحث عن خلاصها، ولكنها لا تجد من الصبي مرموزاً به إلى من يجهض حلم تلك الفتاة، إلا عبارات الشجب والأعذار غير المقنعة، فتناديه للعودة إلى صوابه ورشده لنصرتها، وقبل أن يجيب، وهو لن يستجيب، تكون قد “سقطت قناديل الخليل”، و”قرر الأقصى مناهج سدرة الذكرى” كناية عن استحالة تحقيق حلمها الإنساني والواقعي البسيط في استعادة حقها في الخليل والقدس.

وفي النموذج الرابع “أنا أمه” يجسد الشاعر تلك المفارقة المؤلمة لنضال الأم اللاجئة التي ترك الجنود قميص ابنها ملطخاً بدمائه، فعادت تفتش في الحلم في حقيبتها عن صورة الطفل الذي كان، يوم طلب منها المجند ذاته أن تتكلم، ولكن الواقع أخرسها، وبعد أن تيقنت في المرة الثانية أن ابنها قد قتل، رفعت له المنديل صائحة:”أنا أمه..أنا أمه..أنا أمه”. والمنديل هنا إشارة سيميائية لذلك الجندي الذي ربما تلطخت يداه بدم ذلك الطفل الذي فقدته أمه في اللجوء.

وفي النموذج الخامس”بيان” تجسد الشاعرة رعب تلك الطفلة البريئة التي لم تفسدها مظاهر التصنع، فهي مسدولة الشعر، طبيعية قد ملأ الغبار شقار شعرها…، وقد استعادت في الحلم لحظة استفاقتها على صوت القذائف مرعوبة، لتتساءل عن سر تلك الحرب التي خطفت منها أباها وأخاها، ولكنها لم تجد إجابة شافية سوى تلك الزفرات الحزينة التي أطلقتها جدتها لأنها لا تملك الإجابة! ولكن الطفلة لمحت إضاءة تبشر بساعة فرج قادمة أو تؤذن بفجر قادم ينهي حزنها.

وفي النموذج السادس “معراج” تقدم لنا بطلاً ثابتاً على مبادئه السامية وقيمه النبيلة يواجه من يحاولون حرفه عن هدفه، ولكنه يأبى إلا الثبات والصعود في معراج السمو؛ حتى تغني له الدوالي “أنشودة العبور” لتحقيق أحلامه.

فكلها نماذج إنسانية لم تفقد أهدافها تسعى نحو الحرية والاستقلال والتغيير في عالم يسكنه الظلم، ويغرق في العتمة. ولعل الجامع المشترك بين هذه النماذج المتخيرة عشوائياً، هو البحث عن الخلاص الإنساني في زمن اليأس العربي، وتنتصر للقيم الإيتيقية، والخير والجمال.

وعلى المستوى الفني والجمالي يجد الباحث كثيراً من علائم الشعرية بدءا بظاهرة التدوير العروضي والموسيقي ، حيث لم تتوقف القصة الشاعرة، وإنما بدت كأنها جملة واحدة متصلة، لا انقطاع فيها.كما يدرك القارئ ملامح الشعرية في التكثيف والاقتصاد في العبارة، فكل كلمة تحتاج إلى تحليل وتفكيك،لإحضار المسكوت عنه في كل نموذج، مما لم يشأ الشاعر أن يكشفه، وإنما اكتفى باللمح والترميز ليكنّي عن حالة تلك التي “أشرقت في جنوب اليتم” عند الشحات مثلاً.(انظر: ربيحة الرفاعي، القصة الشاعرة ومعادلة تجديد الإبداع، في كتاب المؤتمر العربي الثامن للقصة الشاعرة، دار النسر الأدبية،اتحاد كتاب مصر،2017،ص233 ).

ومن مظاهر الشعرية أيضاً إثارة الحس بالمفارقة، حيث ثورة أشرقت انبلجت في فضاء من القمع والكبت ومصادرة الحريات، وهي مفارقة عجيبة لفتاة مثل أشرقت التي تقتحم عالم السياسة، وهي لا تمتلك من الخبرة إلا القليل، ولكنها تمتلك صدقها وعفويتها وبراءتها في عالم مسكون بالخبث والدهاء، ومع ذلك كانت النتيجة أنها نجحت في مسعاها وأشرقت إشراقاً لا حد له.

أما الانزياح الأسلوبي فهو من علائم شعرية هذه النماذج من القصة الشاعرة؛ حيث يجعل الشحات “لليتم جنوباً” ليزيد من فقره وألمه وضعفه، ويجعل محطات الأنوثة تتفتح على السياسة عوضاً عن أن تتفتح على الحب. وقد انزاحت القصة الشاعرة في أسلبتها الراقية، وكل أولئك من علائم الشعرية الحقة.

كما نجد ملمح المفارقة والانزياح الأسلوبي في جل هذه النماذج، باستثناء بعض النماذج التي تطيل الوصف إطالة قد تبعث بعض الملل في نفس القارئ؛ ومرد ذلك عندي صعوبة الجمع بين المحافظة على السرد والمحافظة على الوزن الشعري في آن معاً، فالسرد يعني وجود حدث وحركة، والشعر يعني وجود وزن وإيقاع. وكأن شعراء القصة الشاعرة قد قيدوا أنفسهم بأكثر من تقييد، أو ألزموا أنفسهم ما لا يلزم، مما يكبل مبدع القصة الشاعرة، ويحد من انطلاق تكويناته الشعرية؛ فمخيلته تشتغل على شيئين في وقت واحد، وهي إكراهات تحد من تدفق الشعرية أحياناً. وقد يقلل من تدفق الشعرية وسيولتها الإفراط في استخدام النعوت وتراكيب الإضافة ، مما يشوّش أريحية التلقي، ويجعل الدلالة ملغزة أحياناً، تحتاج معه إلى تلطف ونباهة في التلقي!

لهذا يحتاج مبدع “القصة الشاعرة” إلى التمكن من أدواته الفنية في السرد والشعر، ومزيد من الاجتهاد، وعمق الرؤية، لتجاوز تلك المثالب التي تسم البدايات عادة، وإلا أصبح مكرهاً على “إعادة إنتاج لإبداعات أخرى” .(انظر:مصطفى عطية جمعة،جماليات القصة الشاعرة الرؤية الطرح، البنية،الأسلوب، مرجع سابق،ص93).

أما سؤال هل تقدم القصة الشاعرة “البديل” للشعر السابق عليها، فلا أعتقد أن أحداً يدّعي ذلك، ولكن نجاحها وثباتها واستمرارها إلى جانب الأشكال الأخرى مرهون بما تحققه في المستقبل، وما تجريه على بنيتها من تطوير! وحسبها أنها تقدم الدليل على وجودها

 

مصادر البحث ومراجعه:

تودوروف، الشعريـة، ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، المغرب، دار توبقال،1990.

جمعة، مصطفى عطية، جماليات القصة الشاعرة الرؤية الطرح،البنية،الأسلوب،كتاب المؤتمر الثامن للقصة الشاعرة المنعقد في عمان،نشرته دار يافا العلمية للنشر والتوزيع،2017.( ومنه أخذت كل النماذج المدروسة للقصة الشاعرة).

الرفاعي، ربيحة،القصة الشاعرة ومعادلة تجديد الإبداع، في كتاب المؤتمر العربي الثامن للقصة الشاعرة،دار النسر الأدبية،اتحاد كتاب مصر،2017.

عجور،محمد، القصة الشاعرة.. الأصول والجذور،المؤتمر العربي الثامن للقصة الشاعرة،عمان،دار يافا العلمية للنشر والتوزيع،2017.

قطوس، بسام، أفخاخ النص،عمان، دار فضاءات للنشر والتوزيع،2013.

قطوس،بسام، دليل النظرية النقدية المعاصرة تيارات ومناهج، الكويت، دار العروبة،2004.

قطوس، بسام، علائق الحضور والغياب في شتاء ريتا الطويل، مجلة دراسات الجامعة الأردنية، م23،ع، آب، 1996م.

قطوس، قصيدة النثر:قراءة في اتساق النص وانسجام الخطاب ، مجلة مؤتة للبحوث والدراسات ، م12 ، ع1 ، 1997م.

كوهين، جان، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، المغرب، دار توبقال للنشر، 1986.

المحفلي، محمد، القصة الشاعرة..تحدي الأجناس، بحث مشارك في المؤتمر الرابع للقصة الشاعرة المنعقد بالقاهرة،2013).

مشبال،محمد، البلاغة ومقولة الجنس الأدبي،عالم الفكرصص51-52،الكويت،مج30،يوليو-سبتمبر2001.

ياكبسون، قضايا الشعرية،ترجمة محمد الولي ومبارك حنوز، المغرب،دار توبقال للنشر،198

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق