فن وثقافة

مجنون القريض ” قصة قصيرة “

بقلم –  صالح هشام” قصة قصيرة”:

فلتة من فلتات الزمن أنت ! شمسك غيرالشمس ، سماؤك غير السماء :
مضطرب النفس ،متقطع النفس ، حالك غير الحال ،حالك -أبد الدهر – لا يستقر على حال ، فما همك يا سيدي؟
متى انساب من دياجي العصور إلهامك :
يقعقع رعد في سريرتك ٠٠٠ يلمع برق في طويتك!
تجتاحك غيمة إحساس ،لك منها تلوح عيون مسخ غريبة :
تخترقك بالنظرات ، تكاد تثقب قلبك ، وحدك تراها ، و بعينك السحرية الثالثة ٠
عيونا تحسبها ،تقذفك بكويرات برد باردة ، تتكسر وتذوب شظاياها في متاهات ذاكرتك ٠
ثم تتحول كتل نور و نار، تفتلها أنامل سحرية ، تدحوها في نفسك ، فتوقظ من سبات عميق ، شياطين قريحتك ، وتدفعك لتمارس شغبك الشعري !
يراودك وجع ، عذبا يسري في دماغك ، يجوب خزان أفكارك فتتراءى لك ، تلك الكويرات دررا مصقولة الحواشي شفافة ، لكنك تحسها كوخز الإبر في مخيلتك ،تومض فيك ، فتتوهج نورا في بواطنك !
عندئذ تهجرك لذة النوم ،يجثم عليك توتر ثقيل ويحضنك أرق طويل٠
مناقير الطير،خفيفة تنقر على أم رأسك ، فتحار في أمر سرها ومستو رها، تلملم شتات أفكارك و تتساءل :
– أ هو البرد فوق قصدير سطح بيتي يتكسر ؟
-أ هو ارتطام شئ غريب بدواخلي يتشظى؟
هو بالفعل ارتطام يكتم فيك الصراخ والصمت -يا سيدي – لكنه يفتح منك البصر والبصيرة!
فيتسرب عبر شقوق الأزمنة الغابرة إلى تشققات نفسك : نفسك الحبلى بالألم ، بالأمل ، بالموت ، بالحياة ، بندوب القهر في كل أزمنة القهر و العهر البشري ٠
حملك -يا سيدي – ثقيل ٠٠ثقيل !
ليلك منذ الأزل طويل ٠٠طويل !
وأنت ثور- على قرنيك – تحمل كل هموم هذه الكرة الثقيلة !
يتفجر منك العرق عيونا، ويغمرك البلل باردا،من الناصية إلى قاع المداس:
فترتاب في حقيقة أمرك ، تمسح بلورات ، تحسبها رذاذ موج بحر ، أو زخات راعدة تفرغ حمولتها على سقف بيتك !
و على مسامعك تربت إيقاعات غريبة ، مسربلة بوحشة الروح و قلق الجوارح ٠٠ فتنفث كالتنين من روحك شعلة من نور تضئ نفوسا ، و لهيبا من ناريحرق أخرى ٠
فتتحد بأطياف كل الشعراء، وهم بمطارقهم على نتوءات جدار ذاكرتك -عبر الزمن – يطرقون :
من هراس إلى هوميروس٠
من شكسبير إلى أدو نيس !
وقتئذ ،تشبك قبضتيك خلفك ،يهما تعصر الفراغ في أعماقك ، وبقلق لا تطيقه تطرطق أصابعك ، و بتوتر زائد تدور حول نفسك دورة الخذروف في الخواء ٠٠ في الهواء … في السماء …فوق صفحة الماء :
طائر فنيق أنت ،كائن خرافي أنت ؟ لا يستقر حاله على حال ،خارج حدود الزمان والمكان ، يستوطن الأدمغة !
وفي ثورة بركان صراعك، تهيم باحثا عن فعل يجسد ثورة صراعك، ويمنحك مسكنك حرا، بعيدا عن كل سلطة أو سيادة فكان أرقى فعل, فكان شعرا !
تنكمش عضلاتك ،و تشعر بانقباض لا يحتمل ، فتستلقي على قفاك تطلب قليلا من طمأنينة نفسك :
تزيغ عيناك ٠٠تهيمان في تعرجات شقوق سقف بيتك ٠٠ شقوقا تراها نذوب الأيام ، و جروح الزمن في أعماقك ٠تثقل عليك نفسك ، فتعجز عن حملها ٠٠ تعجز عن تحملها متعبة كسيرة الجناح ٠
فمن تكون يا سيدي ، من أنت ؟
كم قسمتك من هذا العالم الأغبر ؟
كم نصيبك من هذا العالم الذي يهتز لهز الأرداف ولا يحترم الفلسفة ؟
ارحم نفسك يا سيدي !
فقوانين الأرض هم شرعوها ، و أنماط العيش هم فصلوها على مقاساتهم ،وحتى لا تسألهم أو تسائلهم -يوما -عاثوا في التاريخ فسادا وتزويرا !
– فهل اهتموا لأمر صخرة ، تأكل من لحم كتفيك ،منذ أبد هم الشعر ؟
-هل دغدغ صراخك يوما منهم الطوايا والسرائر؟
– أنا أفكر ٠٠ أنا عاقل٠٠ ما أنا مجنون يا عالم !
-ما سمعوك يوما يا سيدي !
-وخير لهم أن لا يسمعوك ؟
فما أنت إلا كائن مخصي, مقصي في جغرافية الكون، يمارس عليك عنف الروح والجسد، في كل زمان ضمر فيه ضمير الإنسان، وماتت فيه الإنسانية !
تعمدوا ألا يسمعوك يا سيدي!
ولما أقلقت راحتهم بصراخك، سنوا قوانينهم الجائرة لإقصائك من ممارسة وجود ك كباقي الخلق:
وإذا كنت لا تذكر ، سأذكرك :
ذات صباح باريسي أسود، زجوا بك في (المعتقل الكبير) مع كل المأزومين والمقهورين والمضطهدين : من مجانين و حمقى و متسكعين وسكارى باسم الجنون !
فحاربوك ،حاربوكم جميعا بقوة القهر٠٠ قوة تنفد فيكم أحكاما جائرة، خارج قاعات العدالة :
– حجروا عليكم : أنتم مرضى الجنون ٠٠٠ مرضى الجذام ، مرضى الإبداع ، وأنت- في نظرهم -من طينة مرضى الجذام ٠٠ وهم من طينتك يخافون العدوى!
شمعتك كئيبة يا سيدي ! دوما نائحة باكية شاحبة ،يعز عليك احتراق فتيلها، مسجونة في مصباح كئيب متعفن كبير ، بمسمار فولاذي مشنوق – منذ الأزل -على دعامات أشعار ك !
نورها ساطع في أعماق كائنات تعشق نورك : تحسب أليافه ذهبا ، وأنت تمدها بالحكمة ، تستمدها من فوضى البشر في عالم تحكمه الفوضى ، وتتصيدها من مصائب و مصائر غيرك ٠
تنصت إلى دواخلك ،تستمع لتكتكات قلبك :
فتختلط عليك أمور الحياة بكل تناقضاتها ٠٠ فتنتابك نوبة هذيان إبداعية ، ترعش رعشة مذبوح ٠٠ تشطح شطحة صوفية فتسد أذنيك ، تغمض عينيك ، وتفتح مسام ذاكرتك :
فتمارس لعبة الامتصاص : تغرف من ترسبات ماض حافل، يأتيك بفيض معرفة ، موشومة بحكم التاريخ وتجارب السلف :
و قتها تسري فيك حكمة العصور٠٠٠ يسري فيك جنون العصور ، و ما أنت إلا وارث حكمة وجنون ، هكذا نعتك حكيم زرادشت يا سيدي!
من صحراء العرب ، تأتيك ريح العزة بهمهمات الأبجر تستنهض همتك ، لتفك أسر أسرى العرب في معتقلات التسلط :
– يا هذا العبد / الحر ،الغريب في أرضه بين أهله وذ ويه : صل ٠٠٠ جل ٠٠٠ كر٠٠٠كر !
و من الآن فأنت، حر وحر وحر !
فأنت مجنون حرية ،مفطور على عشق القريض:
وقريضك أسلاك شائكة – في كل سطر – تسحبها دامية من صدور طغاة شرعوا في حقك الإقصاء ، ليدفعوك دفعا لتمارس تغريبة الروح وغربة الذات !
تغمض عينيك ،وتدس أنفك في منامة بنت مالك ، تبحث عن بعض من روائح العرب والعروبة٠٠ لكنك تنتشي بعطر بلا رائحة، فيراودك شعور بنخوة عرب من أجلها ماتوا ، وعرب باعوها بالقليل ، فضاعوا :
فتحل عقدة من لسانك ٠
وتسرح بنات أفكارك٠
وتحرر روائع قوافيك٠
وأنت تبحث عن معان في قواميس المعاني لحروف شعر يسكنك:
– شين : شين شرفي/ شهامتي /شهادتي !
– عين : عين عروبتي/ عزتي المفقودة !
– راء : راء ثرائي / ثروتي / ثورتي !
(ش ع ر) : حروف رعشة مقلوبة ٠٠سراب يروي كل ظمآن ٠٠ خمر الحناجر والأوتار٠٠ نغمة تجتاح كل الأمصار ٠
حمولة أشعاري : حلمي / إعصاري !
ثورة بركاني،تجتاح مدى كل حالم بحب إنساني ، تدمركل أبواق حروب الكراسي المهترئة !
وتسري فيك نشوة ( جنين القصيدة ) يركل في أحشاء ذاكرتك ٠
نشوة مخمور بلا خمره ، لذة طروب لطرب بلا أوتار وبلا دفوف ٠
لكن صوت يعكر صفوك , فيك يغتال اللذة، فيك يخنق النشوة ، يأتيك مموسقا قادما من جمهورية أفلاطون ، فيه عتب وعتاب:
– يا رجل ، حصانك جامح مجنح :
أنت عصي ،قصي عن العقل ٠٠ ليس فيك حبة من حكمة ! ارحل من مدينتي٠٠ ارحل من مدينتي !
ارحل ٠٠ارحل ٠٠ ارحل ٠٠ لا نريدك بيننا !
أريد مدينتي حقيقية لا خيالا، أريدها بلا غواية، فلا أنت منا ولا نحن منك ٠
فأنت كائن مجنون ، لغتك مجنحة تخالف لغتنا :
– تفسد الرؤية والروية و تعمي البصر والبصيرة !
حينها تجرد سيف لسانك ، تدفع عنك تهمة كل العصور : فتركب حروفك ٠٠تزن كلامك ، وتترافع !
-جنوني حكمة : حكمتي خميرة تمتزج فيها كل الخمائر!
-جنوني حكمة : حكمتي مشكاتي ، عندما تعمى الأبصار
و تتعتم البصائر٠
جنوني حكمة : حكمتي حكمة حكيم الحكماء :
– لما رأيت الجهل في الناس فاشيا / تجاهلت حتى قيل إني جاهل !
ويبحثون لك عن أسباب تقصيك من وجودك:
-لكنك يا رجل ! تتنكر ليديك ٠٠ تتنكر لجسدك ٠٠ دوما مصاب بكآبة صفراوية٠٠تفلسف البديهيات ٠٠حربائي النظرة ،ترى ما لا يراه باقي الخلق على كوكبنا ، فأنت أبد الدهر :
حاضر/ غائب !
صاح /سكران!
نائم / يقظان !
فتخوض غمار معركة التحدي وإتباث ذاتك :
تركب مطية (مجاز اللغة) ٠٠٠ تمتطي صهوة (لغة المجاز) تتخلص من كل وصاية ، وتحمل سجنك كبيرا ، بكل أثقاله وتناقضاته فوق ظهر قملة واهنة ٠
تلملم شظايا حلمك ، تجمع رموزك مبعثرة في فضاء اللغة، تنتقي حروفا ،تراها باهتة في بطون القواميس والمعاجم وتخمرها في تجويف قلب ذاكرتك :
يوما٠٠شهرا٠٠ سنة ٠٠ ربما سنوات طوال . مع مر الزمن ،تفيض خميرتك، فتسيل ريقا و تلمع بريقا ، ومن عدم تكون ٠
فتجتاح المدى ،اجتياح موج بحر هادر،لكنها -يا سيدي – تفتح عليك كل أبواب جهنم :
-لك ينصبون أعواد المشانق !
-نحوك يصوبون فوهات البنادق!
و لجسدك يشعلون المحارق !
وإن نجوت بقدرة قادر ، تلفظك مدينة عقلاء، تراهم بلا عقول٠٠ تنسحب وفي حلقك غصة منبوذ ٠٠مطرود .. فتخفف عنك وطأة الإهانة :
– لا تحزن يا أنا ! هذه مدينة غريبة عني ،لا أنا منها ، ولا هي مني !
فتركب راء قريضك ، و تبحر مستغورا مغارات الشعر السحرية إبحار السندباد باحثا عن معنى لوجودك :
تتلمظ رضاب معشوقة ، من رحم ذاكرتك قادمة ، معشوقة لم تولد بعد ، وأنت مسلوب الإرادة :
بقوة رمز خفية !
بطلعة حرف بهية !
في شطحة إبداع حلاجيه ٠
فتزف للكون نهاية مخاض و موعد ولادة :
-باقة من حروف رائعة ، قادمة من فراغ روحك الهائمة في متاهات البحث عن حقيقة مفقودة في مزهرية الحقيقة : حقيقة شمس -قهرا-حجبوها بعيون الغربال !
فهلا أدركت معاني حكمة نتشه يا سيدي ؟:
– ( الإيمان بالحقيقة هو الجنون بعينه )
هذه صورتك تعكسها مرآتي :
فأنت ملك الملوك ٠٠ أنت أفقر الفقراء ٠٠ تتوشح بالذهب والملابس القزحية ، وأنت أعرف الناس أنك أكثر عراة التاريخ عريا وقهرا ٠
تنسلخ من جلدك ، من واقعك :
واقعا تراه ثقيلا ٠٠آسنا ٠٠ ماؤه عكر: كثيرة عليه دمعة اليتيم إذا بكى ، و أنة الضرير إذا تألم , و آهة المكلوم إذا تأوه ،وزفرة الثكلى إذا اعتصرها وجع الوجع !
وتطل من برج خيالك، فترى كل هذا العالم بحاله وأحواله…خفيفا ٠٠خفيفا …خفيفا، أخف من جناح البعوض، واه٠٠واه٠٠ واه , أوهى من بيت العنكبوت ٠ضعيفا ٠٠ضعيفا ..ضعيفا أضعف من قشة في مهب الريح!
تلك حقيقتك -يا سيدي – تستمدها من هذيانك، حقيقة نابعة من تمزق يصيبك، وأنت ضائع في أغوار لغة الهذيان و أحلام اليقظة!
وأنت كالنحلة تمتص من رحيق رائع الروائع زادك :
تطل عليك عشتا رمن وراء سطور قصيد المسلول ، ترميك بسهم مقتل ، فتستفز منك الذوق والذائقة ،فتجن وتهيم مع مبدع سومر:
عيناك غابتا نخيل وقت السحر !
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر!
وتلتهب قريحتك ، تتأجج فيك شعلة من شعر، تلفح رأس قلمك المذهون بدم القلب والروح ٠
و تطرد كلماتك ظلام كهف أناره بروميثيوس قبلك ، بنور معرفة ، ونسور زايوس تنهش كبده المتجدد :
وكبدك ليس بمنأى عن النهش , عندما يتوهج فيك فيض من ثورة، يبحث عن ثقوب للإفلات من ظلام الذاكرة .
وتخترق متاهات الشعراء ، و تعبر سراديب أرشيفات وجودهم ، باحثا عن سر وجودك ، عن سر حقيقة عالم اعتبرك- منذ الأزل -مجنونا !
فتتصدى في كل سطر في كلمة من أشعارك :
لكل الطغاة ٠٠لكل المعتوهين ٠٠ لكل السفاحين ٠٠ لكل أورام التاريخ الخبيثة :
-من مقتل هابل٠٠ إلى مبردات بوكاسا !
-من محرقة روما ٠٠ إلى مذابح الشعوب العربية !
وأنت تعرف أنك لن تكون (المشنوق /المقتول ) العاشر لصدى القصيدة !
-فما أتعسك بحملك يا سيدي!
-همك ثقيل ٠٠٠ثقيل!
عناؤك طويل ٠٠طويل!
في لحظة توهج إبداعي – ، تنقر ربة الشعر – على أبواب ذاكرتك -نقرا ناعما ، نعومة النسيم، باردا برودة الموت ، رائعا روعة حفيف قوافيك ، خفيفة تربت على رؤوس أشجارالدفلى، تحف واديك ٠
و تروح في غيبوبة الشعر،لا تذكر شيئا ، كل ما تذكره :
موكبا من جميل العرائس تحتفي بك ٠٠تتوجك ملكا بلا مملكة ٠٠ ملكا بلا تيجان ٠٠ ملكا بلا قصور٠٠ملكا بلا جيوش ٠٠ ناسكا بلا صومعة ٠٠ متعبدا بلا سمعة ٠
في طليعة موكب عرائسك ، شيطان يرفل في دمقس اللغة ، و يختال في حرير حروف القصيدة ٠
يضع يدك في يد ربة الشعر ، ويزفك إليها عريسا مباركا ، ملكا في مملكة الشعر ٠
فهنيئا : ستمارس الغواية ،سيتبعك الغاوون، وفي كل واد ستهيم و سيهيمون ٠
– الآن، لك عروس ٠٠ لك مسكن حر..لك البجا سوس مطية بلا سرج ولا لجام !
أبحر في حلمك ٠٠اهرب من الناس جميعا ٠٠لن يفهموك ٠٠ لن يدركوا غمغمة كلامك ، فسر لغتك في صمت صمتها ٠ (فلغتك جنون عذب ،وبها ترقص فوق جميع الأشياء) !
هكذا نعتها ونعتك نتشه ، يا سيدي !
وتبصم لك كل العرائس بالعشرة :
-من الآن ،سكنك شعر٠٠مأواك قصيدة !
فتركب مركب الخليل، تحمل مجذافه ، وتبحر في أمواج بحوره ،تجوبها قافية وعروضا ،طولا وعرضا !
تجذف٠٠تجذف ٠٠٠تجذف ٠
تنتشي بإيقاع الشعر ،يهدهدك طفلا صغيرا في مهده :
فتشكو ليلك ثقيلا -كما شكوه قبلك – ذات أرق طويل :
وليل كموج البحر أرخى سدوله \\\\\\\علي بأنواع الهموم ليبتليني!
وفيه تصرخ صراخهم -ذات كرب وشدة :
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي \\\\\\\ بصبح وما الإصباح منك بأمثل !
وتهمس عروسك في أذنيك :
– اهرب ٠٠ اهرب قبل أن يهدر دمك ، بين اللحى والعمائم والبدلات المكوية والأحذية البراقة ، باسم النظام العام ، فتدوسك حوافر الصراع -ذات صراع- و توقد فتيل زيت لأكوام قصائدك :
فهذا عالم يباب :
ضباب في ضباب!
سراب في سراب !
و من رحيق الذاكرة ترشف رشفة، تتهيب عواقب الأمور، تحسب لها ألف حساب وتتساءل:
-وماذا بعد القصيدة ،يا ملهمتي ؟
-بعد القصيدة : أنت في صراع الوجود مبدع إبداع ، ذات مجنونة لغتك : صامتة ،بكماء ، تدركها سلامة ذوق وذائقة ٠
و تلح في السؤال :
-وماذا بعد القصيدة، يا ربة الشعر ؟
وتشفق عليك من مصير مجهول, ربما ينتظرك كغيرك من الشعراء:
– احرص على رقبتك ٠احرص على جسدك !
تتحجر الكلمات بين شفتيك، لكنك تصرخ فيها:
-رقبتي ؟ جسدي ؟
والله لقد أيقظت أعشاش الدبور في نفسي المتعبة يا ربة الشعر!
-رقبتك يا مجنون:ستتلمسها صوارم السفاحين ، ستطوقها حبال المشانق ، و إن أفلتت ، سيخترقها رصاص البنادق !
-وجسدي ؟
– جسدك ؟ منذ الأزل مباح للسحق .مباح للحرق !
عبر التاريخ، قاتلك سطر من قصيدة يا سيدي ٠
أبو الطيب سحقه بيته :
الليل والخيل والبيداء تعرفني / و السيف والرمح والقرطاس والقلم !
وحالك من حال أبي الطيب ٠
فأنت والعشرات من طينتك يكتوون بنار القصيدة ، فتعلق رقابهم بالمشانق ،لأنهم يعكسون بشاعة وجوه بشعة على مرآتهم ،و يعرون عورات تخدع التاريخ، بأمجاد وهمية !
لكن لا خوف عليك يا سيدي :
ستخلد في سطور القصيدة ٠٠ ستسكن في متاهات الشعر ،حتى لو وسموا برأسك صدور الجلادين ، حتى لو صلبوك أو علقوك على أبواب المدائن ٠
ينتابك ذعر شديد ، ويركل قلبك يمين أضلاعك ٠
تمسح عرقا باردا يجتاحك ، و ترتاب في أمر الشعر و تفقد البوصلة في عرض بحور الخليل ،فتصرخ :
– أ أدفع نفسي بنفسي لحبال المشانق ورصاص البنادق ؟
وترفعك ربة الشعر درجات :
– اعلم يا سيدي ! أن شعرك رعد ،يقعقع في قلوب الجبناء ،و برق ،يلمع في نفس كل باحث عن حقيقة ضائعة ، في عالم أصلا حقيقته ضائعة !
وقتها ينغرز راء شعرك كالخنجر في أعماقك ، فتتحدى مقصلة قمع تتربص بك ، وتغرد تغريده أدونيسية :
جره ، يا شرطي ٠٠
-سيدي أعرف أن المقصلة
بانتظاري ٠
غير أني شاعر أعبد ناري .
وأحب الجلجلة .
و تنتشلك براثن واقع عفن ، من نشوة هذيانك الإبداعي٠٠ فتتأفف ، تصرخ ملء الروح والجوارح :
– أف مني ، أف من الشعر ، أف من الشعراء !
هاهي قطرات المطر ، تتسرب بغزارة ،من شقوق سقف بيتي ٠٠ تتكاثر٠٠ تتحول سيلا جارفا ، يغمر كل الزوايا ٠يبحث عن منفذ للخروج ، يجرف أمامه كل متاع دنياي٠
حينها تتحول لذة الشعر في حلقك مرارة ٠٠ و تخذلك كل العرائس ، ينهد فوق رأسك سقف واقع مثخن بجراح ، تأبى أن تندمل يردد صدى المدى البعيد آهاتك :
آه، ضاع المتاع،خبا الإبداع!
آه، سقط القناع ، شذ الإيقاع !
ربة الشعر كذبة ٠ وادي عبقر كذبة ٠ أرطأة بن سهيه كذبة ٠٠
كذب ٠٠ كذب ٠٠٠ هراء ٠٠ هراء !
وفي لجج بحور الخليل ،يتهاوى مركبك ،يتشظى مجدافك ٠٠تتكسر قوافيك ٠٠ و يشذ إيقاعك عن إيقاع الشعر ٠
وبين مرارة الحقيقة ، و جموح الخيال : تتيه ، فتخبو فيك جذوة الإبداع ٠ و في أعماقك تختنق القصيدة !

احصائيات كورونا في مصر اليوم
17

الوفيات الجديدة

الحالات السلبية

128

الحالات الجديدة

5750

اجمالي اعداد الوفيات

88666

عدد حالات الشفاء

101900

اجمالي اعداد المصابين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق