Exclusiveدنيا ودين

الدكتورة سهير صفوت تكتب عن سلوك النبي صلى الله عليه وسلم مع المجتمع من حوله

الهدي النبوي كقدوة في التعامل مع الآخر
بقلم/ د. سهير صفوت

أستاذ علم الاجتماع المساعد، كلية التربية، جامعة عين شمس

إن وجود القدوة الحسنة في الحياة ضرورة لابد منها ليحتذي بها الإنسان ، ويكتسب منها المعالم الإيجابية لحركته في الحياة سواء مع الله تعالي في آداء العبادات والفرائض ، أو مع النفس وتزكيتها وتدريبها علي الأخلاق الفاضلة ، أو مع الاهل والأبناء داخل الأسرة من أجل بناء أسرة متماسكة ، أو مع المجتمع من حوله في أمور الدنيا والدين .
ومن أجل ذلك جعل الله تعالي الرسول صلي الله عليه وسلم قدوةً ونموذجاً يجسد الدين الذي أرسل به حتي نعيش مع هذا الدين ورسوله واقعاً حقيقياً بعيداً عن الأفكار المجردة ، فكان رسول الله صلي الله عليه وسلم خير قدوة في ممارسة الدين قال تبارك وتعالي ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) سورة الأحزاب . آية 21 .
والدين في جوهره معاملةً ، وحينما نبحث عن منهج في إدارة التعامل مع الآخر لا نجد أفضل من منهج رسول الله صلي الله عليه وسلم خير قدوة ، فهو مخلص البشرية وناقلها نقلة حضارية من فوضي أخلاقية إلى نظام اجتماعي رفيع المستوي ، ومن غلظة في السلوك إلى أدب جم يؤسس فيه للإعتراف بالآخر وإحترامه سواء كان اختلف معه او اتفق .
ويتسع مفهوم الآخر ليضم كل الآخرين سواء اتفقوا أو اختلفوا في الجنس ، أو اللون ، أو الدين ، أو الثقافة . فللآخر أهمية في إدراك الذات حيث يتأثر مفهومنا لذواتنا بمفهومنا عن الآخر ، ويلعب سلوكنا دوراً في قبول الآخر وقبوله لنا كما يلعب سلوك الآخر دوراً في تحديد مواقفنا منهم سلباً أو إيجاباً .
وللتعامل مع الآخر آليات خاصة وفوائد منها تأكيد الذات ، والتفرد والإستقلالية ، كما ان وجود الآخر يدربنا علي الحوار والمشاركة ، كما يعلمنا وجوده في حياتنا وسائل حسم النزاع واحترام الإختلاف ، ويبعدنا عن التعصب الفكري ويرسخ لقيم التسامح .
ويؤسس الهدى النبوي منهجاً للتــعامل مع الآخر طرفاه اللين والتسـامح فيقول صلي الله عليه وسـلم ( المؤمن يألف ، ويؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ، وخير الناس انفعهم للناس ) . فالاصل في العلاقات الإجتماعية والإنسانية أن تقوم علي المحبة والمودة والألفة حتي لو تباينت الأفكار والمواقف .
ولما كانت الأخلاق تتجلي رقة وحناناً ، واستيعاباً للآخر فإننا نلاحظ أن الله – تعالي- يذكر نبية مخاطباً ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) سورة آل عمران . آية 159 .
وبهذا الجو المفعم بالأخلاق وطيب القلب والعفو تتحدد علاقتنا بالآخر ، لذلك يقول رسول الله صلي الله عليه وسلم: ( الرفق رأس الحكمة )، فالعفو واللين في التعامل له أثره الطيب في تنمية السلوك الإيجابي، والنبي صلي الله عليه وسلم بمنهجه الواضح في التعامل مع الآخر وضع لنا قواعد الحوار ومنهجية الاختلاف مع الآخر ، وضرب لنا أروع الأمثلة علي التعايش مع الآخر حتي لو كان مختلفا معه في الدين ، أو العرف ، أو التقاليد .
فالنبي قد تعايش مع ثقافات مختلفة ، ومع نوعيات وعقائد مختلفة بصدر رحب ودون المساس بدياناتهم فقد تعايش مع اليهود منذ قدومه إلى المدينة المنورة ، وكان يعاملهم بأخلاقيات الإسلام ، فيزور المريض منهم ، ويتحمل إساءة الجار ويقوم لجنازة رجل يهودي ، وقد روى الإمام البخاري أن رسول الله صلي الله عليه وسلم مرت عليه جنازة يهودي فقام النبي صلي الله عليه وسلم لها ، فقالوا له إنها جنازة يهودي فقال : ” أليست نفساً ؟ ” . ومنذ بداية قدومه إلي المدينة قد أسس ميثاقاً للتعايش مع اليهود بسلام .
ويؤسس النبي صلي الله عليه وسلم مبدأ للتعايش مع الآخر وقبول أعرافه ما دامت لا تتعارض مع الدين، جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : رأيت النبي صلي الله عليه وسلم يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد ، فزجرهم عمر رضي الله عنه ، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم ” دعهم أمناً بني أرفده ” . فالرسول يعلمنا إحترام تقاليد وأعراف البيئات الأخري والتعايش مع ثقافات مختلفه فقد ترك الأحباش يلعبون وفقاً لأعرافهم ويمارسون ما اعتادوا عليه بمنتهي الحريه .
ولقد كان من طبيعة النبي الانفتاح علي الأمم الأخري ، والأخذ منها بما لا يتعارض مع أحكام الشريعة، فقد وافق علي رأي سلمان الفارسي بحفر الخندق في غزوة الخندق رغم أنها خطة فارسية لم يعتدها العرب ولم يسمعوا عنها .
ونلمح القدوة وهو يتعامل مع أعدائه ويضرب الأمثله في التسامح ، رغم ما كان يلاقيه منهم من الأذي والعذاب ، فعندما فتحت مكة ودانت للدين وسار جميع الأعداء تحت يده نادى فيهم رسول الله صلي الله عليه وسلم ( يا معشر قريش ما ترون أني فاعلٌ بكم ؟ قالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ).
وعندما ذهب إلى الطائف لعله يجد من ينصره هناك استقبله بنو ثقيف بالطرد ولحقه صبيانهم بالحجارة حتي أُدميت قدماه الشريفتين وجاءه ملك الموت قائلا: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ، فقال صلي الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً .
إنه التسامح.. ذلك السلوك الذي يحتاجه عالمنا بشدة، فعالمنا يحتاج إلى التسامح الفعال والتعايش الإيجابي مع الآخر في وقت زادت فيه الوحشية والعنف والتعصب مع الآخر، فالتسامح ركيزه أساسية لبناء المجتمع الصالح، والتسامح من وجهة نظر السنة النبوية هو التيسير في كل جوانب الحياة. قال صلي الله عليه وسلم: ( رحم الله امرءاً سمحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضي ).
فالتسامح فضيلة أخلاقية وضرورة اجتماعية وسبيل لضبط الاختلافات، وإدارتها خاصة فيما يتعلق بالتسامح الديني الذي يقتضي الإقرار بالاختلاف والقبول بالتنوع؛ فقيمة التسامح الديني تتمثل في كونه يقتضي التسليم المطلق – اعتقاداً وسلوكاً وممارسةً – بأنه إذا كان لهؤلاء وجود ، فلأولئك وجود ، وإذا كان لهؤلاء دين فلأولئك دين له الحرمة نفسها.
فالتسامح هو احترام كرامة الإنسان، وهو كسلوك ليس منةً أو دليل ضعف أو ميوعة في الالتزام بالقيم، بل هو من مقتضيات القيم العليا؛ فالغلظة والشدة والعنف في العلاقات الاجتماعية الإنسانية هي المناقضة للقيم ودليل ضعف لا دليل قوة.
فأخلاق الرسول كلها تميل إلى قيم السماحة والسلام ونبذ العنف في التعامل مع كافة البشر، فقد كان صلي الله عليه وسلم يجسد صور الملاطفه والمداعبة لزوجاته، وكان من فنون صناعة الحب عند رسول الله التزين والتجمل والتطيب للزوجة ، بل جعل معيار خيرية الرجال يكمن في حسن عِشرة الزوجات فقال : ( خيركم ، خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) رواه الترمذي .
كان صلي الله عليه وسلم مثالياً في معاشرته لأهله من محبةً ، وملاعبة ، وعدل ، ورحمةً ، ومن حسن عشرتة وكريم خُلقه ما أفادته السيدة عائشة رضي الله عنها بقولها: ( كنت أشرب وأنا حائض ثم أُناوله النبي صلي الله عليه وسلم فيضع فاه علي موضع في فيشرب ، وأتعرق العرق وأنا حائض ثم أناوله النبي صلي الله عليه وسلم فيضع فاه علي موضع في ) رواه مسلم . فما أحوجنا إلى تلك السماحه التي تنبذ العنف وتعزز العلاقة الإيجابية بين الزوج وزوجته .
وعلي مستوي التعامل المجتمعي، كان صلي الله عليه وسلم نموذج القدوة في التعامل مع الآخر والتودد له ، فهو يدعو إلى الإبتسام ويجعل البسمة تعدل صدقة فيقول صلى الله عليه وسلم: ( تبسمك في وجه أخيك صدقة ). وكأن هذه البسمة تزرع الأمل وتنشر التفاؤل في النفوس.
ويعلمنا صلى الله عليه وسلم أدب التعامل مع الآخر حين يدعونا إلى شكره ، فإذا كان الأصل في المسلم ان يعمل ابتغاء رضى الله فلا ينتظر شكر الناس ، ولكن ذلك طبع في البشر ، ولا بأس منه فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يشكر الناس لا يشكر الله ) ، وهو على وجه آخر خير قدوة في إثارة الهمة ، وتنمية السلوك الإيجابي فقد كان صلى الله عليه وسلم يشوق الناس لما يأمرهم به، ولما أراد أن يسير جيشاً قال: لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله فسار كل فرد يتمنى ذلك .
والرسول في تعامله مع الآخر لا ينسى الصغير فتروي لنا السنة النبوية نماذج من أخلاقه مع الصغار والأطفال فكان صلى الله عليه وسلم يلاعبهم ويمازحهم ، وكان لا يغضب عليهم ولا يضربهم ، قالت عائشة رضي الله عنها كان الني صلى الله عليه وسلم يأتي بالصبيان فيدعو لهم ، فأتى بصبي فبال علي ثوبه فدعا بماءٍ فأتبعه إياه ولم يغسله ، وكان صلى الله عليه وسلم يداعب زينب بنت أم سلمة وهو يقول يا زوينب ، وإذا أصاب أحد هؤلاء الصغار مكروها تجده يحزن ، فقد رآه سعد بن عبادة رضى الله عنه وعيناه تفيض دموعاً فقال رضي الله عنه يا رسول الله ما هذا ، فيقول عليه أفضل الصلاة والتسليم ( هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ) .
فما أحوج سلوكياتنا اليوم إلى هذا التطبيق العملي للدين ، وتفعيل الرحمه واللين والتسامح في تعاملتنا مع الآخر أياً كانت صفته ، إنه أدباً ينبغي أن نتعلمه ، ونعلمه فهو من الأصول التي تُحل بها مشاكلنا .

احصائيات كورونا في مصر اليوم
18

الوفيات الجديدة

الحالات السلبية

112

الحالات الجديدة

5853

اجمالي اعداد الوفيات

93531

عدد حالات الشفاء

102625

اجمالي اعداد المصابين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى