فن وثقافة

الخير يأتي أولا

بقلم – عبد الله بير:

نظر رستم إلى قطعة الأرض التي ورثها عن والده ، والتي كانت عبارة عن أدغال و أحراش كبيرة ، كان يمكن لأكبر الضواري الاختباء فيها . كانت الأرض عبارة عن بقايا بستان قديم ، اشجار رمان و زيتون و توت غير مشذب جذوع حور و سنديان ، نبات عليق شوكي ، نعناع بري ، كل ذلك شكّل فوضى عارمة و غابة ضخمة من الأحراش . و كانت للأرض ساقية ماء كبيرة تروى بها لكنها متروكة ألآن . القرويون و بعد مغادرة رستم للقرية و وفاة والديه قسموا حصة ماء الري على أنفسهم . لذا لابد من تنظيف قطعة الأرض و استرداد حصة الماء لاستزراعها مرة أخرى . قال رستم في نفسه :
– كيف سأنظف كل هذه الفوضى ؟ من أين أبدأ؟
نظر رستم إلىها وهو غارقٌ في التفكير ، أخيراَ قرر بدء العمل في اليوم التالي صباحاَ ، وفي البيت جهز العدة اللازمة للعمل مردداَ مع نفسه :
– ماذا احتاج ، ماذا احتاج؟ آها ، الفأس ، المنجل ، الجرافة ، المعول ، اظن هذا يكفي ، الفأس حاد ، عصا الجرافة جيدة ، المنجل حاد ايضاَ ، و المعول جديد ، اذن كل شيء جاهز ، حسنا ، موعدنا الصبح .
بعد الآذان ، نهض رستم و صلى الفجر . حمل معداته و توجه نحو أرضه ، و بدأ العمل فيه ولكن كان كالذي يتخبط في الظلام ، يضرب معولاَ هنا ، ويقطع غصناَ هناك ، يقلع نبتةَ و يجرف قرب الساقية ، يترك المنجل و يحمل الفأس ، يترك الفأس يحمل المعول او المجرفة . اشرقت الشمس و رستم مازال في تخبطه يذهب هنا و هناك ، اخيراَ وجد نفسه غارقاَ بين الأدغال ، و لم يلحظ تقدماً يذكر و لم يبشر كل هذا التعب بشيء ، حتى أنه لم ينظف ما يكفي لأن يجلس فيه. خرج من الأدغال و نظر إليها من الخارج و شعر بإحباط كبير وقال :
– من الأحسن أخذ قسط من الراحة ، و أفطر ، ثم أعيد الكرّة .
في الجولة الثانية من محاولة تنظيف الأرض ، لم يغير رستم من خطته شيئاً ، بدا يتخبط ثانيةَ حتى الظهيرة ، وفعلاَ ظهرت علامات كدحه على الأرض ، كانت هناك شجيرة حور مقتلعة ، بعض اغصان نبات العليق الشوكي مقطوعة ، الأرض محفورة في بعض الاماكن . عاد رستم إلى البيت منهمك القوى للاستراحة في فترة الظهيرة و تناول الغداء . سألته زوجته عن كيفية سير العمل ، رد رستم :
– العمل صعب ، الأرض متروكة منذ سنين ، نمت فيه كل شيء خلقه الله ، قلع الأشجار صعبة ، هناك كثير من الأدغال ، قد يستغرق العمل اسابيع إن لم يكن اشهر ، صعب جداَ ، صعب جداَ العمل في هذه الأدغال .
قالت زوجته :
– أجر عاملاَ أو اثنين يساعدانك .
فرد رستم :
– إنه موسم العمل في القرية ، مَن يترك أرضه ليأتي و يعمل في أرضي ، لا يأتون في هذا الوقت من السنة ، انني فكرت في ذلك ، ولكن لم أفلح في إيجاد عامل واحد .
بعد استراحة الظهيرة ، عاد رستم إلى العمل ، وعمل بنفس الروح العالية و على نفس الوتيرة حتى العصر لكن لم يلحظ أي تقدم في عمله ، مع أن هذا لم يشعره هذا بالإحباط في البداية ،إلا أن اليأس بدا ينسل إلى شعوره ، بدأت بوادر فشل عمله تظهر أمامه ، أخيراَ دب فيه الملل ، جلس على حافة الطريق مهموماَ ، متعباَ و يائساَ ، فسمع عم شمس الدين وهو شيخ كبير في السن ، يحترمه كل القرويين لحكمته و رجاحة عقله ،يسلم عليه و يباركه في عمله قائلاً :
– الله يعطيك القوة ، و بارك الله في عملك ، تبدو متعباَ جداَ !
قام رستم من مكانه و استقبل عم شمس الدين:
– شكراَ يا عم شمس الدين ، أجل تعبت جداَ اليوم ، فمنذ الفجر و أنا أعمل في هذا المكان و لم أنظف ما يكفي لأجلس فيه .
كانت مع هذا الكلام ابتسامة يأس بادية على شفتيه .
فقال عم شمس الدين :
– يا بني ، ما هكذا تنظف الأرض ، تعبت كثيراً دون نتيجة لأنك لا تعرف كيف تقوم بذلك ، اي عمل يقوم به الإنسان ، لا بد أن يعرف من أين يبدا؟.
فقال رستم :
– أنا بدأت من تلك الناحية ولكن نبات عُليق الشوكي اعاق طريقي و نما بشكل مكثف هناك ، و خفت أن اضرم فيها النار لأن بساتين اخرى قريبة ، لذا جئت إلى هذه الناحية و لكن جذوع اشجار الزيتون ضخمة و يصعب قلعها ، لذا لم أعمل أي شيء اليوم .
فضحك عم شمس الدين من كل قلبه و رد :
– لا تبحث لنفسك عن الأعذار ، لكل عمل يقوم به الإنسان صعوباته ، وعليه أن يفكر دائماَ كيف يجتاز تلك الصعوبات لا أن يبحث لنفسه عن الاعذار ، اذنٍ إذا سارت الامور هكذا ، ستبقى حتى الخريف في هذا الدغل و لن تزرع شيئاَ او قد تهرب في النهاية و تترك الأرض كما قال القرويون، اليس كذلك؟
فرد رستم :
– لا يا عم شمس الدين ، لا لن اترك هذا المكان ، لقد قررت البقاء فيها مهما كانت الظروف ، حتى الخريف ، ليكن حتى الخريف و سأزرع في السنة القادمة ، ليست هناك مشكلة .
فقال عم شمس الدين :
– هل ستسمع نصيحتي ؟
فرد رستم :
– تفضل يا عم
فقال العم :
– كي يثمر عملك هذا ، ابداء بالأشياء الكبيرة ثم اصغر ثم اصغر ، اولاَ اقطع الاشجار الكبيرة ، ثم تقلع نبات العليق الشوكي ،ثم تقطع الحشائش و في النهاية تجرف الأرض و بذلك تصبح جاهزة للزراعة . هكذا ستنتهي خلال أيام أو اسبوع على الأكثر ، اليوم خذ ما بقي منها استراحة و ابدأ غداَ صباحاَ ، و وفقك الله .
بعد هذه النصيحة ، ودع عم شمس الدين رستم و تمنى له بالتوفيق. لما سمع رستم هذه النصيحة ، جلس في مكانه مرة اخرى ، وفكر فيما قاله عم شمس الدين و قال في نفسه :
– حسناَ ، سأعمل بنصيحتك يا عم ، سأذهب إلى البيت الآن و غداَ سأعمل بكلامك.
في يوم التالي ، بدأ رستم بالعمل وفق ما علمه عم شمس الدين ، و لما جاوز الظهيرة بدة بوادر عمله تظهر شيئاَ فشيئاَ ، لأن الأشجار العالية أصبحت أكواماَ من اخشاب مقطوعة ،تكوم عليق الشوكي مع نباتات أخرى في اكوام يابسة و متفرقة ، وخلال أيام استطاع رستم تنظيف أرضه تماماَ من كل شيء ، وبدأ بجرف الأرض و صارت مهيأة للزارعة . فكر رستم بزارعة بعض اشجار الفواكه كالخوخ و التفاح ، المشمش و الرمان الحلو مع زراعة بعض الخضار كالطماطم و الخيار . ثم استعادة حصة ماء الساقية من القرويين لسقي ارضه .
لم ينتهي فصل الربيع كلياَ ، حتى بدأت ما زرعه رستم بالنمو ، اورقت اشجار الفواكه ، اخضّرت قطعة الأرض التي زرعت فيها الخضراوات ، ولما حان وقت سقيها لاحظ رستم بالقرب من احدى نباتات الطماطم انتفاخ في الأرض ،و بأصبعه رفع التراب ، فوجد برعماَ صغيراَ احمراَ من نبات العليق الشوكي خرج من الأرض .

 

احصائيات كورونا في مصر اليوم
13

الوفيات الجديدة

الحالات السلبية

124

الحالات الجديدة

5914

اجمالي اعداد الوفيات

96094

عدد حالات الشفاء

103079

اجمالي اعداد المصابين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى