الأسرة

د. نجلاء الورداني تكتب عن العنف الثقافي والعنف الرمزي

العنف الرمزي ينطلق من نظرية إنتاج المعتقدات وإنتاج الخطاب الثقافي

العنف الثقافي

د. نجلاء الورداني

حينما نقف أمام العنف بوصفه ظاهرة اجتماعية وفي الوقت نفسه مكتسبًا ثقافيًا؛ إذ إنه لا يظهر لدى الفرد إلا منذ اللحظة التي يتخطى فيها طبيعته البيولوجية البحتة وينتقل نحو إدراكه للعالم المحيط به، وبالتالي فالثقافة التي يعيش في كنفها الأفراد تعلمهم الكثير من صفات العنف؛ لكونها توفر القنوات التي يمكن من خلالها تمرير العنف في الدين، والتربية، واللغة، ووسائل الاتصال، وجميعها مكونات ثقافية تعمل على إعداد الفرد لكي يتطابق مع القيم والمعايير والمهمات الاجتماعية التي تعدها له مسبقا، كما تعمل في الوقت ذاته ومن خلال الأساليب القسرية التي تستند إليها على استثارة عدوانية وتكوين مشاعر ضدية تنطلق تجاه الآخر، وبالتالي وجود قيم ومعايير اجتماعية فسرت بطريقة خاطئة من قبل أفراد المجتمع وبها تم تدعيم العنف وسلوكياته.
ووفقًا لهذا التصور فنحن نجد أنفسنا نواجه أشد أنواع العنف الثقافي وأخطرها، هو ذلك العنف الذي يبدو بديهيًا ويفرض نفسه على الضحية والجلاد والقاضي في آن واحد، ويقول عن نفسه إنه ليس عنفًا. أنه شكل من أشكال العنف الذكي، وصيغة سوسيولوجية متقدمة من تجلياته العلمية بحيث يمارس دوره وفاعليته الثقافية في مختلف ميادين الحياة الاجتماعية، إنه نوع من العنف الذي يعيش في خفايا الحياة وثناياها متواريا عن الأنظار ينزع إلى توليد حالة من الإذعان والخضوع عند الآخر بفرضه لنظام من الأفكار والمعتقدات التي غالبًا ما تصدر عن قوى اجتماعية وطبقية متمركزة في موقع الهيمنة والسيادة، كما يسعى إلى توليد معتقدات وأيديولوجيات محددة بهدف ترسيخها في عقول وأذهان الذين يتعرضون له. ذلك هو العنف الرمزي الذي ينطلق من نظرية إنتاج المعتقدات، وإنتاج الخطاب الثقافي، وإنتاج القيم، ومن ثم إنتاج هيئة من المؤهلين الذين يمتازون على ممارسة التقييم والتطبيع الثقافي في وضعيات الخطاب التي تمكنهم من السيطرة ثقافيًا وايديولوجيًا على الآخر وتطبيعه. وبالتالي تتولد أهم المشكلات الثقافية التي يعانيها الإنسان لاسيما حينما يحاول مواجهتها أملًا في اقتحام مستقبل أكثر وعورة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق