الأسرة

د. نجلاء الورداني تجيب عن سؤال: أتكون التنشئة الاجتماعية حاضنة مقاومة للإنتحار؟

ليس كل انتحار تكون دوافعه اجتماعية بحته فهناك دوافع نفسية أيضًا

التنشئة الاجتماعية كحاضن ثقافي مقاوم لانتحار الشباب

بقلم/ د. نجلاء الورداني

تتشكل هوية الإنسان وفقًا لمنظومة القيم والمعايير الاجتماعية لثقافة المجتمع الذي يحيا بداخله، فإذا كان تكيف الكائنات الحية يجرى وفق أنظمة غريزية مسجلة في فطرتها، فإن الإنسان هو الكائن الوحيد في مملكة هذه الكائنات الذي يتكيف ويتواصل طبقًا لمعايير ثقافية شعورية أو لا شعورية مسجلة في تاريخه الثقافي وسجله العصبي، وبالتالي يغدو إنسانًا بالثقافة والتربية، وفي عمق الجدل الدائر بين الإنسان والثقافة تبرز التنشئة الاجتماعية كحاضن وإطار ثقافي يتشكل من خلاله الإنسان وينمو على صورة المعايير الثقافية والتربوية التي تحددها الثقافة عينها. ومن ثم فالتنشئة الاجتماعية “هي الأسلوب الذي يتبناه مجتمع ما في بناء الإنسان على صورة ثقافته القائمة”، كما أن أسلوب التنشئة الاجتماعية وأنماطه المختلفة يبرز واحدة من أهم القضايا الأساسية للوجود الإنساني، والتي تتعلق ببناء جوهر الإنسان الداخلي وهي شخصيته، فالشخصية هنا تشكيل ثقافي تتحدد طبيعته بطبيعة الحاضن الثقافي الذي نشأ في رعايته، كما أن طبيعة ومستوى تطور الحاضن الثقافي مرهون إلى حد كبير بمستوى تطور الثقافة التي تشكل الإطار العام للتنشئة الاجتماعية.

ويعني هذا أن مرونة الحاضن الثقافي ومدى قدرته على التكيف طبقًا لمعطيات الطبيعة الإنسانية الفردية ومتطلباتها يشكل الشرط الموضوعي لنشأة الشخصية الإنسانية وتطورها، ومنطلق قدرتها على الحضور والتماسك، وأيضًا العوامل الأيكولوجية والاقتصادية، والسياسية، والدينية وغيرها من العوامل التي تؤثر وبوضوح في عملية التنشئة الاجتماعية للفرد، كما يتجلى التباين في أنماط التنشئة الاجتماعية من مجتمع إلى آخر داخل القطاعات المختلفة في نفس البناء الاجتماعي الواحد بواسطة التغيرات التي تحدث في القيم الاجتماعية أو التربوية، أو الاقتصادية، بل حتى القيم التي تبث بواسطة أجهزة الاتصال. لذا تعتبر التنشئة الاجتماعية من أخطر العمليات شأنًا فى حياة الفرد لأنها تلعب دورًا رئيسًا فى تكوين شخصيته الاجتماعية، فالتنشئة الاجتماعية فى معناها العام “هى العمليات التى يصبح بواسطتها الفرد واعيًا ومستجيبًا للمؤئرات الاجتماعية بكل ما تشتمل عليه هذه المؤثرات من ضغوط وما تفرضه من واجبات”.

ويوجد العديد من الجماعات والمؤسسات التي تلعب دورًا أساسيًا في عملية التنشئة كالأسرة والمدرسة، وجماعة الرفاق، وأماكن العبادة، والنوادي، ووسائل الإعلام، والوسائط الثقافية بأنماطها كافة، وكلها وسائط حتمية ومفروضة لعملية التنشئة حيث تتداخل لتشكل الطفل وتوجه سلوكياته وحياته في مراحلها المبكرة، وعلى الرغم من اختلاف تلك المؤسسات في أدوارها ألا أنها تشترك جميعًا في تشكيل قيم الطفل ومعتقداته بحيث ينحو نحو النمط المرغوب فيه مجتمعيًا، كما أن دورها لا يقتصر على المراحل المبكرة من عمر الطفل فقط بل تستمر في ممارسة تدخلها فترة طويلة من الزمن، وأهم هذه المؤسسات بالطبع الأسرة. وبالتالي يتضح لنا العلاقات الوثيقة ما بين اقبال الشباب على الانتحار وتنشئتهم الاجتماعية، صحيح أن ليس كل انتحار تكون دوافعه اجتماعية بحته فهناك دوافع نفسية أيضًا، ولكنه حين يتوافر لدى المجتمع بأفراده ومؤسساته وعي كامل بخطورة وأهمية تنشئة أفراده سيعلم جيدًا دوره الحقيقي من وقايتهم حتى من أمراضهم النفسية والعقلية، بل وقايتهم من انحرافاتهم عن ما هو مفروض وسائد.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق