مقالات والابداع

محطة الضبعة النووية وحادث الصاروخ الروسى

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

صراع العمالقة، اسم فيلم قديم كنت قد شاهدته فى السينما وأنا فى المرحلة الابتدائية، وقت ما كانت تذكرة السينما بثلاثة قروش. واليوم وبعد أكثر من خمسين عاماً، أشاهده على الطبيعة وبعيداً عن شاشة السينما. فأنت الآن تشاهد وتسمع كل حدث ويحدث على كوكب الأرض، وفى غضون ثوان من حدوثه، وذلك من خلال تكنولوجيا الاتصالات الحديثة، فأنت لست محتاجاً لشاشة السينما التى أصبحت تذكرتها أعلى من ستين جنيهاً.

حقاً هو “صراع العمالقة”، صراع البقاء للأقوى، صراع على مقومات الحياة، صراع مكاسبه للدول القوية، وخسائره تتحملها الدول الضعيفة، فالدول الضعيفة هى وقود هذا الصراع. أمريكا وهى الدولة السوبر باور يهمها فى المقام الأول السيطرة على خزائن كوكب الأرض، ويهمها احتضان البشر ذوى العقول العبقرية والعقول المبدعة، فهى تريد ألا تتهاوى إمبراطوريتها. وخير وسيلة للدفاع عن “البقاء” الهجوم، فأمريكا تهاجم القوى الصاعدة، وحتى لا يأتى اليوم الذى تستطيع هذه القوى إزاحتها عن عرشها، وتسيطر هى على مقدرات كوكب الأرض، طبعا أنا أقصد هنا “الصين وروسيا”.

الصين أزاحت أمريكا عن عرش تكنولوجيا الاتصالات، وروسيا أزاحت أمريكا عن عرش سوق المحطات النووية لتوليد الكهرباء. والبقية سوف تأتى إذا لم تهاجم أمريكا بضراوة هذه الانتصارات من القوى الصاعدة.

فالبلطجة الأمريكية والتى كانت مغلفة فى ثوب الديمقراطية، ظهرت اليوم على يد “ترامب الأمريكى”، فهو يطلب الأموال من الدول علناً، ويعلنها حرباً على تكنولوجيا الاتصالات الصينية وعلناً.

ونقول أن أمريكا لن يهدأ لها بال، طالما روسيا تسيطر على سوق المحطات النووية لتوليد الكهرباء، فسوف تحاربها بشتى الطرق، وسوف تعمل على زعزعة ثقة زبائنها فى تكنولوجياتها النووية، وسوف تجيّش الميديا فى حربها هذه، وهذا ما حدث عقب حادث قاعدة الصواريخ الروسية.

يوم الثلاثاء الموافق 6 أغسطس 2019، شاهدت فيديو فى وسائل الإعلام عن حادث وقع فى مستودع للذخيرة فى روسيا، وتتبعت الحدث، وعلمت أن هذا المستودع خاص بقذائف المدفعية، ويحتوى على 40 ألف قذيفة، وهى من عيار 125 مم و 152 مم.

يوم الخميس الموافق 8 أغسطس 2019، وقع حادث أثناء اختبار صاروخ يحتوى على مصدر صغير للطاقة النووية فى موقع اختبار بحرى تابع لوزارة الدفاع الروسية فى منطقة “أرخانجيلسك” على البحر الأبيض الروسى، حيث كان يتم اختبار صاروخ ذى محرك دفع صاروخى نفاث يعمل بالوقود السائل على منصة بحرية، وأسفر الانفجار عن مصرع خمسة من كوادر معهد ساروف. وذكر مسئول فى المعهد، أن التجربة الفاشلة شملت مصدراً للطاقة النووية. كما صرح “فياتشيسلاف سولوفييف”، المدير العلمي للمعهد، أن المعهد يعمل على تطوير مصادر طاقة صغيرة الحجم تستخدم “المواد المشعة، بما في ذلك المواد الانشطارية والنظائر المشعة”. البنتاجون كان قد سبق وأعد عدداً من التقارير، ذكر فيها أن هناك احتمال وجود صواريخ كروز روسية تعمل بالطاقة النووية كنوع جديد محتمل من التهديد، وهى قادرة على نسج مسار لا يمكن التنبؤ به وعلى ارتفاعات منخفضة نسبية.

جاء الحادث فى لحظة حرجة فى المنافسة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا. ففى هذا الشهر وفى يوم الجمعة الموافق 2 أغسطس 2019، اتخذت الولايات المتحدة قراراً بإنهاء التزامتها من معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة وقصيرة المدى والتي أبرمت عام 1987، إبان الحرب الباردة، وذلك بسبب الانتهاكات الروسية التى طال أمدها. كما أن هناك شكوكاً فى مد سريان معاهدة ستارت الجديدة والتى وقعت فى 8 أبريل 2010، وهى المعاهدة الرئيسية المتبقية، والتى تنص على تخفيض الحدود القصوى للرؤوس الحربية الهجومية الاستراتيجية للبلدين بنسبة 30%، والحدود القصوى لآليات الإطلاق الاستراتيجية بنسبة 50%. لكن الروس حجتهم فى أن الصواريخ النووية الجديدة والأسرع من الصوت، ليست محظورة بموجب أى معاهدات قائمة، مما يتيح لهم حرية إجراء تجارب لهذه الصواريخ واستخدامها.

ونعود إلى موضوعنا ونقول، نتيجة الانفجار زاد معدل الإشعاع عن المعدل الطبيعي في منطقة الانفجار، واستمر لمدة قصيرة جداً حوالى 40 دقيقة، ثم عاد للمعدل الطبيعي، فقد ارتفع الإشعاع إلى 2 ميكروسيفرت فى الساعة أي بمقدار 7 أضعاف المعدل الطبيعي، لكن هذه الزيادة لم تصل إلى الحد الذي يبدأ فيه الإشعاع يسبب أضراراً للإنسان وهو 11.5 ميكروسيفرت فى الساعة.

ملحوظة: أقل جرعة إشعاع سنوية مرتبطة بوضوح بزيادة خطر الإصابة بالسرطان هى 100 مللي سيفرت.

الآن سوف أعرض عليكم أرقاماً حقيقية من حوادث سابقة، ومنها نستنتج حقيقة ما حدث فى قاعدة الصواريخ الروسية:

أولاً: فى يوم 6 أغسطس 1945، قامت الولايات المتحدة بإلقاء قنبلة نووية تسمى “الولد الصغير” على مدينة “هيروشيما” اليابانية، وهى ذات قدرة تدميرية مقدارها 13 كيلوطن من “تى إن تى”. ونتج عن ذلك أن وصلت الجرعة الإشعاعية التى تعرض لها السكان المتواجدين على بعد 500 متر من مركز انفجار القنبلة إلى 42 سيفرت. كما وصلت الجرعة الإشعاعية التى تعرض لها السكان المتواجدين على 1600 متر (نصف قطر دائرة الدمار) من مركز الانفجار إلى 360 مللى سيفرت.

ثانياً: فى 26 أبريل 1986، وقعت كارثة محطة تشرنوبيل النووية فى الاتحاد السوفييتى (أوكرانيا)، وكانت أعلى جرعة إشعاعية لوحظت بين رجال إطفاء تشرنوبيل هى 13.4 سيفرت. كما كان متوسط جرعة الإشعاع في الغدة الدرقية التي لوحظت في تشرنوبيل للذين تم إجلاؤهم من القرى المجاورة للمحطة 490 مللي سيفرت.

لم نسمع حتى الآن عن جرعات إشعاعية مرتفعة صدرت من حادث قاعدة الصواريخ الروسية، سواء من المصادر الروسية أو من المصادر الغربية، وذلك على الرغم من أن الأقمار الصناعية الأمريكية والغربية تمسح الكرة الأرضية ردارياً وضوئياً ومن عدة جهات، ومنها التصوير المقطعى، فتظهر المناطق على طبيعتها وبدقة متناهية، وكانت تستطيع نشر صور ملتقطة من الفضاء تؤكد صحة مزاعمها.

وبذلك نستنتج أن الانفجار لم يكن لقنبلة نووية، أو لمحطة نووية لتوليد الكهرباء. كما أن استنتاجنا يؤكد أن ما ذكره الجانب الروسى عن الحادث هو صحيح، فهو انفجار نتيجة اختبار صاروخ ذى محرك دفع صاروخى نفاث يعمل بالوقود السائل، وأن الصاروخ  به مصدر للطاقة النووية.

“”إذا كانت التكنولوجيا الجديدة فى مراحل التطوير والاختبار، فتوقع حدوث أى شيء.”” هذا ما تعلمناه من حياتنا الهندسية.

لكن الميديا الغربية والمعارضة المصرية تلقفت هذا الخبر ببالغ السرور، ونشرت الفيديو الخاص بحادث مستودع الذخيرة، وقالوا أنه خاص بحادث الصاروخ، وقالوا أن الانفجار الرهيب الذى وقع ناتج عن انفجار نووى، لأنه على شكل فطر عيش الغراب “المشروم”، وهو الشكل المصاحب لانفجار القنبلة النووية أو القنبلة الهيدروجينية. ولكننا نقول: إن أى انفجار شديد سواء كان من مواد نووية أو كيميائية أو نتيجة انفجار بركانى، يعطى شكل عيش الغراب “المشروم”. كما وأنهم تناسوا أن الفيديو الذى نشر، تضمن أيضاً عموداً صاعداً لأعلى من الدخان الأسود، بالإضافة إلى انفجارات وشظايا مشتعلة توضح أنها ناتجة عن انفجارات ذخيرة. فلو تتبعت فيديو لتفجير نووى، وهو موجود بكثرة على النت، فلن تشاهد شظايا مشتعلة مع تكوّن شكل عيش الغراب، أو مصاحبة له، وهو ما يؤكد أن الانفجارات كانت لقذائف المدفعية.

استجابة الحكومة الروسية البطيئة والسرية أثارت القلق، وجذبت انتباه المحللين الغربيين، والذين يعتقدون أن الانفجار قد يقدم لمحة عن نقاط الضعف فى تكنولوجيا برنامج الأسلحة الروسية الجديدة. فهناك معلومات أمريكية تفيد أن روسيا تقوم بتطوير صواريخ كروز ذات محركات دفع نووى غير محددة المدى، فهى تعمل بمفاعل نووي صغير، ويطلق عليه اسم “مفاعل الكيلو”، بمعنى أن قدرته فى حدود القياس بالكيلووات وليس بالميجاوات. ويقولون أن الرئيس الروسى قد تباهى بقدرات هذا الصاروخ، وبأنه يمكن أن يصل إلى أى ركن من أركان الأرض، لأنه مدعوم بمفاعل نووى صغير، مما يلغى القيود على مسافة طيرانه. فهو قادر على التهرب من منظومة الدفاعات الصاروخية الأمريكية.

وعلى الرغم من أن شركة “روزأتوم” الروسية هى المهيمنة على مجال الطاقة النووية العسكرية والمدنية (السلمية)، وأن الصاروخ الذى تسبب فى الحادث هو من تصميمها، كما وأن محطة الضبعة النووية من تصميمها. إلا أن المفاعل الصغير والذى يستخدم فى صواريخ كروز الروسية، والتى تحت الاختبارات والتطوير، تختلف منظومته عن مفاعلات المحطات النووية لتوليد الكهرباء، فمنظومة تبريد الوقود فى مفاعل الصاروخ لا تعمل بالماء الخفيف، ولكنها تعمل بالهواء. وبذلك فهى لا تتشابه مع مفاعلات الضبعة، لا من قريب أو من بعيد. ومن ذلك نستنتج أن منظومة الأجهزة والتحكم فى هذا المفاعل تختلف عن منظومة الأجهزة والتحكم فى مفاعلات الضبعة. كما وأن المفاعل يختلف عن مفاعلات الضبعة من حيث الحجم، فحجمه صغير لكى يتناسب مع حجم الصاروخ. وبذلك فهو يختلف عن مفاعلات الضبعة من حيث القدرة، فقدرته تقاس بالكيلووات، لكن قدرة مفاعل الضبعة تقاس بالجيجاوات، فقدرة مفاعل الضبعة 1.2 جيجاوات.

نستطيع أن نقول للسادة المهللين والمشككين، كيف استطعتم الربط بين حادث روسيا وبين مفاعلات الضبعة الأربعة ؟. هل لأن المفاعلين صناعة روسية ؟، جائز. أو هل لأن المفاعلين من تصميم شركة “روزأتوم” الروسية ؟ جائز.

المفاعل النووى لتوليد الكهرباء مجهز بمنظومة أمان تعمل تلقائيا على إيقاف تشغيله، وذلك بمجرد حدوث أى شيء غير طبيعى، مثل الكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات، ومثل حدوث أعطال فى أجهزته ومعداته، أو حدوث زيادة أو نقصان فى تردد كهرباء الشبكة المتصل بها مولد كهرباء المفاعل، و … وخلافه. هذا التوقف لا يعنى توقف طاقة الوقود النووى فى قلب المفاعل نهائياً، فالوقود النووى وبعد إيقاف المفاعل يحتفظ بطاقة مقدارها 7% من طاقة المفاعل، وهى نتيجة وجود مواد تسمى “نواتج الانشطار”، وهذه المواد يتولد منها طاقة خلال فترة زمنية للوصول إلى حالة الاستقرار، وهى فترة الاضمحلال، ويظل المفاعل فى “الحالة الساخنة” لفترة، خلال هذه الفترة يتم تبريد الوقود النووى، حتى يصل إلى “الحالة الباردة” والتى تعنى عدم وجود طاقة فى قلب المفاعل، فلابد من استمرار تبريد قلب المفاعل بعد إيقافه ولفترة.

أقصى حادثة تحدث لمفاعل نووى لتوليد الكهرباء تكون بسبب توقف تبريد قلب المفاعل، بعد إيقاف تشغيله، وعدم الوصول إلى “الحالة الباردة”. وتبريد قلب المفاعل يعتمد على وجود مياه التبريد وطلمبات التبريد الرئيسية وكذا طلمبات التبريد المساعدة فى الدائرة الابتدائية والثانوية. وحوادث فقد مياه التبريد تعتبر الأخطر، وفى هذه الحالة يتم تبريد الوقود النووى بأنظمة تبريد طوارئ.

وأقصى الحالات خطورة، نجدها عندما تتوقف طلمبات التبريد الرئيسية عن العمل، أو يحدث كسر كامل فى مواسير مياه التبريد، ويصادف معها توقف أنظمة تبريد الطوارئ نتيجة لأى سبب. وفى هذه الحالة يتوقف تبريد الوقود النووى بالكامل، ونتيجة سخونة الوقود النووى والمواد المغلفة له، تبدأ عملية الأكسدة، ويحدث الانصهار للوقود النووى والمواد المغلفة له، ويصبح كالحمم البركانية. ونتيجة الأكسدة ينتزع غاز الأكسجين من المياه، ويتولد غاز الهيدروجين. ويتراكم غاز الهيدروجين ويكوّن “فقاعة” كبيرة، هذه الفقاعة لو صادفت هواء، سوف تشتعل ويحدث انفجار. وهذا ما حدث فى كارثة “تشرنوبيل” وكارثة “فوكوشيما”، وذلك نتيجة عدم وجود وعاء احتواء لهذه المفاعلات بالمعنى الصحيح. لكن فى حادثة “ثرى مايل آيلاند”، لم يحدث ذلك، لوجود وعاء احتواء، وتم ادخال أجهزة “روبوت” داخل وعاء الاحتواء، وتم امتصاص هذه الفقاعة.

معايير الأمان النووى فى الجيل الثالث من المفاعلات، أدخلت عليها تعديلات، فنتيجة الخبرات المكتسبة من تشغيل وصيانة لمدة 60 سنة، والخبرات المكتسبة من الحوادث النووية، نجد أن مفاعلات الجيل الثالث، ومنها مفاعلات الضبعة، تتميز بمنظومة أمان نووى متطورة، ونذكر منها :

1- وجود وعاء احتواء، ونجده فى مفاعل الضبعة يتحمل ارتطام كتلة وزنها 400 طن وتسير بسرعة 150 متر فى الثانية، وتحمل زلزال قوته 8 ريختر، وتحمل الأعاصير العاتية وموجات السونامى والفيضانات الشديدة.

2- مجهزة بأجهزة أمان تعمل تلقائياً.

3- مجهزة بلاقط لقلب المفاعل، يستطيع احتضان الوقود المنصهر “الحمم البركانية”، وتبريدها حتى لا تتسرب لجوف الأرض.

4- مولدات كهرباء الطوارئ “الديازل” وضعت على ارتفاع عالٍ للبعد عن التأثر بموجات السونامى.

5- مجهزة بمنظومة آلية لإدارة تشغيل المفاعل أثناء الحوادث، فهى تعمل بواسطة الحواسب الآلية وبدون تدخل المشغلين لمدة لا تقل عن 20 دقيقة، وفى مفاعلات الضبعة تعمل لمدة 72 ساعة.

أتمنى من الله عز وجل أن أكون قد أوضحت الصورة كاملة.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق