مقالات والابداع

كوريا الجنوبية تنتهج سياسة التخلص التدريجى من المحطات النووية

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

اهتمت كوريا الجنوبية بالعنصر البشرى والاستثمار فى الموارد البشرية. ومن خلال تطوير التعليم استطاعت كوريا توفير أيدى عاملة مدربة ليتواكب ذلك مع التكنولوجيات الحديثة. والشعب الكورى مقتنع تماما بأهمية دوره فى نهضة بلاده وتطورها وتقدمها، وهذا سبب كافٍ لتحول كوريا الجنوبية إلى دولة صناعية من الطراز الأول.

يؤمن الشعب الكوري بالصناعة ويؤمن بقدرته على تصنيع أى شيء. ففى فترة زمنية أقل من 25 عاماً، تحول الاقتصاد الكورى من اقتصاد زراعى تقليدى إلى اقتصاد صناعى متطور، يقوم على المعرفة التكنولوجية.

بدأ نشاط كوريا الجنوبية النووى بعد الحرب الكورية، أى بعد عام 1953. ووضعت كوريا خطة ثلاثية المراحل لتوطين الكنولوجيا النووية لتوليد الكهرباء فى بلادها، المرحلة الأولى تسمى “الاعتماد على الغير”، والمرحلة الثانية تسمى “نهج المكونات”، والمرحلة الثالثة تسمى “الاعتماد على الذات”. ولتنفيذ خططها النووية، فى مجال تكنولوجيا الطاقة النووية، فقد عقدت كوريا تحالفات مع دول عديدة، وعلى رأس القائمة تتربع الولايات المتحدة الأمريكية، ونخص بالذكر بعض الشركات العالمية، مثل شركة “سيرجنت آند لاندى” الأمريكية فى مجال التدريب ونقل المعرفة النووية، وشركة “كومبسشن إنجنيرنج” الأمريكية، وشركة “وستنجهاوس” الأمريكية، وهيئة كهرباء فرنسا، وهيئة الطاقة الذرية الكندية.

أصبحت كوريا الجنوبية الآن من الدول الرائدة فى صناعة المحطات النووية، وأصبحت صناعة المحطات النووية تمثل أولوية استراتيجية لكوريا الجنوبية، سواء كان ذلك على مستوى سوق الصناعات المحلية، أو على مستوى سوق الصناعة العالمى.

فى إطار المرحلة الثالثة والتى تسمى “الاعتماد على الذات”، بدأ تطوير أول مفاعل كوري وهو مشابه لمفاعل شركة “كومبسشن إنجنيرنج” الأمريكية، وهو من مفاعلات الجيل الثانى المتطور وذات الـ 1000 ميجاوات، وتحت مسمى OPR-1000 (وكان مفاعلاً مرجعياً)، بواسطة شركة الطاقة الكهربائية الكورية   (KEPCO)وشركة كوريا للطاقة المائية والنووية (KHNP). وبدأ إنشاء أول مفاعل من هذا النوع وهو “هانبت-3” فى 23 ديسمبر 1989، ودخل خدمة التشغيل التجارى فى 31 مارس 1995. وآخر مفاعل من هذا النوع دخل خدمة التشغيل التجارى هو “شين وولسونج-2″، وكان ذلك فى 24 يوليو 2015. وحاليا تمتلك كوريا الجنوبية 12 مفاعلاً نووياً لإنتاج الكهرباء من موديل OPR-1000 فى الخدمة.

واستناداً إلى تصميم المفاعل الكورى OPR-1000، فقد قامت شركة KEPCO بتطوير مفاعل نووي لتوليد الكهرباء من الجيل الثالث المتطور “+”، بقدرة 1400 ميجاوات، وتحت مسمى APR-1400. وخططت كوريا لبناء 8 مفاعلات من هذا النوع. فالمفاعل “شين كورى-3” بدأ إنشاؤه فى 16 أكتوبر 2008، ودخل خدمة التشغيل التجارى فى 12 ديسمبر 2016. والمفاعل “شين كورى-4″، بدأ إنشاؤه فى 19 أغسطس 2009، وهو الآن فى اختبارات التشغيل. وهناك مفاعلان تحت الإنشاء وهما المفاعل “شين كورى-5” ، والمفاعل “شين كورى-6”. وكذلك هناك المفاعل “شين هنول-1” بدأ إنشاؤه فى 10 يوليو 2012، وهو فى مرحلة الاختبارات، والمفاعل “شين هول-2” والذى ما يزال تحت الإنشاء. أما المفاعل “شين هول-3” والمفاعل “شين هول-4” فقد بدأت عملية الإنشاء فيهما فى عام 2018، ولكن تم تعليق عمليات الإنشاء نتيجة السياسات الجديدة للحكومة الكورية.

وقد كان لتوطين تكنولوجيا المحطات النووية فى المصانع الكورية أثره الإيجابى على ازدهار الصناعة فى كوريا، فقد تطورت الصناعات الكورية وانطلقت إلى العالمية، وأصبحت كوريا من الدول الصناعية الكبرى. تقدمت كوريا تقدماً كبيراً فى صناعة المحطات النووية، ونلاحظ ذلك من مؤشرات الأداء والكفاءة للمحطات النووية الكورية، فقد بلغ متوسط معامل السعة للمفاعلات الكورية ما يصل إلى 96.5 ٪، وهذا أعلى رقم تم تحقيقه على مستوى العالم.

أكبر استثمار لكوريا فى مجال المحطات النووية على المستوى العالمى، كان الاستثمار فى بناء 4 مفاعلات نووية من نوع APR-1400، فى دولة الإمارات العربية المتحدة، وكان باستثمارات تزيد على 20 مليار دولار. بدأ إنشاء أول مفاعل فى موقع “براكة” النووى الإماراتى فى 18 يوليو 2012، وهو الآن فى مرحلة الاختبارات، وباقى المفاعلات الثلاثة فى المراحل الأخيرة من الإنشاءات.

وخلال هذا الشهر وفى يوم 24 يونيو 2019، وقعت شركة “نواه” للطاقة الإماراتية – التي ستدير أول محطة للطاقة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة – اتفاقية خدمات صيانة طويلة الأجل مع الشركات الكورية. وبموجب العقد، تقوم شركة الطاقة المائية والنووية الكورية وشركة الكهرباء الكورية وشركة دوسان للصناعات الثقيلة بخدمات الصيانة لأربعة مفاعلات نووية فى محطات براكة للطاقة النووية. وبتوقيع هذا العقد يكون قد تم تحقيق التعاون الكامل بين كوريا ودولة الإمارات فى جميع المراحل، من مرحلة التصميم إلى مرحلة الإنشاء والإدارة والوقود والصيانة.

هناك بعض الروايات ومزاعم من أحزاب المعارضة الكورية تتحدث عن وجود تجاوزات فى اتفاقية بناء محطة “براكة” النووية الإماراتية بين كوريا والإمارات، والتى وقعها الرئيس الكورى الأسبق “لي ميونج باك”، مما أدى إلى غضب الجانب الإماراتي، وهدد بقطع العلاقات الدبلوماسية مع كوريا.

يوم تنصيب الرئيس الكورى “مون جيه إن” في 10 مايو 2017، يعتبر ضربة قاضية لصناعة المحطات النووية فى دولة كوريا الجنوبية، وكذا يعتبر ضربة قاضية للصناعة النووية العالمية. فازدهار الصناعة النووية يأتى من خلال التنافس بين الدول المصنعة للمحطات النووية ، ولا يأتى من سياسة التفرد والاستحواذ. وبنهج “التخلص التدريجى” من المحطات النووية، والذى سيتبعه الرئيس “مون جيه إن “، سوف تخسر الصناعة النووية العالمية منافساً قوياً.

خلال الحملة الانتخابية ، تعهد الرئيس “مون جيه إن” بزيادة الطاقة المتجددة من 7%  إلى 20% من إجمالي مصادر الطاقة بحلول عام 2030. ومع بداية رئاسته لكوريا، ظهرت سياسة التخلص التدريجي من المحطات النووية على السطح. وقد نقل عن الرئيس “مون” قوله: إن الحكومة ستراجع السياسة بشأن محطات الطاقة النووية بالكامل، وأن البلاد ستتخلى عن سياسة التنمية المتمركزة على محطات الطاقة النووية والخروج من عصر الطاقة النووية، وسنوقف نهائياً كل خطط بناء مفاعلات نووية جديدة، ولن يتم تمديد فترات تشغيل الوحدات الحالية إلى ما بعد عمرها التشغيلى طبقاً للتصميم. وإن الحكومة ستعمل بنشاط على رعاية صناعات الطاقة الآمنة والنظيفة، كما ستعزز الحكومة استخدام الغاز الطبيعي المسال، ومصادر الطاقة المتجددة، مع إغلاق جميع المحطات التي تعمل بالفحم. وذلك التزاماً بموقف الحكومة من التخلص التدريجي من استخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء.

وطبقا لسياسة كوريا فمن المتوقع أن تنخفض نسبة مشاركة الطاقة النووية فى توليد الكهرباء من 31 ٪ إلى 22 ٪ بحلول عام 2030. فالحكومة الكورية تهدف إلى التخلص التدريجي من المحطات النووية وإغلاق المفاعلات القديمة على مدار 45 عاماً تقريباً. وتبدأ خطة الحكومة بإغلاق 10 مفاعلات نووية من الـ 23 مفاعل التى فى الخدمة حالياً، وذلك بحلول عام 2029. وبناء على ذلك فقد أوقفت الحكومة الكورية العمل فى تنفيذ مفاعلين من الجيل الثالث المتطور APR1400، وهما المفاعلان “شين هانول 3 و4”. وكجزء من الخطة، فقد ألغت الحكومة خطة بناء ستة مفاعلات نووية جديدة، كان قد تم الموافقة عليها من قبل. كما أغلقت الحكومة المحطة النووية “وول سونج-1″، وهى محطة تعمل بالماء الثقيل من نوع “كاندو-6” الكندى، وذلك قبل الوقت المحدد لإحالتها إلى التقاعد، والمحدد له عام 2023.

سوف تستعيض الحكومة الكورية عن المحطات النووية بالطاقة المتجددة، فمن المخطط أن تشارك الطاقة المتجددة بنسبة 40% من مصادر الطاقة بحلول عام 2040، بما يتماشى مع التوقعات العالمية. هذه الخطة تتشابه مع خطة “تايوان” للتخلص التدريجى من المحطات النووية.

هناك معارضة شديدة من أحزاب المعارضة وقطاع الصناعة، وخاصة المصانع التى تعمل فى مجال تصنيع معدات وأجهزة المحطات النووية، فالصادرات لهذه المصانع تبلغ ما قيمته 5 مليارات دولار سنوياً. أحزاب المعارضة تطالب الحكومة بإلغاء سياستها الخاصة بالتخلص التدريجى من المفاعلات النووية، وتحث الحكومة على البدء فوراً في بناء المفاعلين “شين هانول 3 و 4”. كما عبر بعض خبراء الصناعة عن حاجة كوريا إلى إبطاء سرعة التخلص التدريجي، مشيرين إلى افتقار البلاد إلى طاقة الرياح والطاقة المائية والطاقة الشمسية لتلبية الطلب على الكهرباء.

كما أن هناك معارضة شديدة لسياسات الحكومة الكورية بالتخلص التدريجى من المحطات النووية، سواء كانت من داخل كوريا أو من خارجها. فهناك علماء على مستوى العالم قد أرسلوا رسالة مفتوحة إلى الحكومة الكورية موقعة من عدد من علماء البيئة – بمن فيهم عالم المناخ جيمس هانسن – تطالبها بإعادة النظر في سياستها. وقالوا فى رسالتهم: “إذا انسحبت كوريا الجنوبية من المحطات النووية، فإن العالم يخاطر بفقدان مورِّد كبير من الطاقة الرخيصة والوفرة اللازمة لانتشال الجنس البشري من الفقر وحل أزمة المناخ”. كما دعا أساتذة وعلماء من الجامعات الكورية الحكومة إلى التخلي عن خططها للتخلص التدريجي من المحطات النووية، وإلى الكف فوراً عن الضغط لإطفاء صناعة الطاقة النووية والتي توفر الكهرباء الرخيصة لعامة الناس.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق