مقالات والابداع

خواطر حول معايير الأمان النووى

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

لا يوجد نشاط صناعي خالى من المخاطر، لكن نتيجة الابتكارات في التكنولوجيا وفهم معالجة الطاقة النووية، جعلت الطاقة النووية آمنة للغاية، وأصبحت تستخدم دون أي آثار كبيرة على “الصحة العامة والسلامة والبيئة”.

كلنا نعلم أن الطاقة النووية طاقة خطرة ومدمرة، لكن الإنسان استطاع ترويضها وتسخيرها لخدمة البشرية، فتعاظمت استخداماتها السلمية فى شتى المجالات، بل وأصبحت مخاطرها تكاد لا تذكر بالمقارنة بمنافعها. فالمخاطر التى كان من الممكن أن تتعرض لها حياة البشر والبيئة التى يعيش فيها، أصبحت بفضل المحافظة والاستمرارية فى تطبيق معايير الأمان النووى تحت السيطرة وتكاد تكون قد انعدمت، وأصبحنا نطلق عليها الآن اسم الطاقة الآمنة والنظيفة.

الخطر الإشعاعي هو الآثار الصحية الضارة للإشعاع المؤين على كل من العاملين والجمهور، وكذا التلوث الإشعاعي للأراضي أو الهواء أو الماء أو المنتجات الغذائية. ولدرء هذه المخاطر فقد سعى الإنسان منذ اكتشافه للمواد المشعة لتوفير كافة الوسائل والأدوات التي تساهم في الوقاية من الإشعاع المؤين. وأصبحت الحاجة للأمان النووى تعد من الأمور الضرورية والهامة جداً، وذلك من أجل حماية الأفراد والمجتمع والبيئة من مخاطر الإشعاع المؤين.

معايير الأمان النووى نظمت لكى تصبح فوائد استخدام الطاقة النووية تفوق مخاطرها بكثير. وفي كثير من الحالات، تتخذ القرارات المتعلقة بالمنفعة والفائدة والمخاطر الناتجة عن الطاقة النووية  على أعلى مستويات فى الحكومة، مثل قرار الدولة بالشروع في برنامج للطاقة النووية. وفي حالات أخرى، قد تحدد الهيئة التنظيمية للتشريعات النووية ما إذا كانت المنشآت والأنشطة المقترحة لها ما يبررها.

لا يمكن لأحد في أي وقت من الأوقات أن يضمن نجاح الوقاية من الحوادث النووية تماماً، فلا يوجد أمان مطلق، وبالتالي، يجب السيطرة على الجرعات الإشعاعية ومخاطر الإشعاع في حدود محددة.  لذلك يفترض مصمموا المنشآت النووية أن الأعطال وفشل النظم والمكونات فى أداء عملها أمر وارد، وكذا الأخطاء البشرية أيضاً أمر وارد حدوثه، ويمكن أن يؤدي إلى حوادث غير طبيعية، فهى تتراوح من خلل بسيط، إلى أن تصل إلى الحوادث الشديدة. وبذلك هناك مداومة على تطوير وتحسين الوقاية والحد من الجرعات الإشعاعية والمخاطر لتحقيق المستوى المطلوب من الأمان.

المحافظة على الإنسان والبيئة تأتى باتخاذ إجراءات احترازية – احتياطيات وقائية – لمنع حدوث الحوادث النووية، وذلك من خلال إزالة الأسباب المباشرة للحوادث – الأسباب في مكامن الخطر وفي جوانب النقص التي يمكن تحديدها – وبناء منظومة دفاعية فعالة متعددة النطاقات – فلسفة الدفاع فى العمق- ومن هنا تأتى أهمية المحافظة على فاعلية هذه الأنظمة، لمنع الحوادث والوقاية منها ومنع تفاقمها، والتخفيف من أضرارها حين حدوثها. وكذا تطبق معايير الأمان النووى على جميع المنشآت والأنشطة النووية، وفى جميع المراحل على مدار عمر المنشأة أو مصدر الإشعاع، ومتضمنة دورة الوقود النووى، ويشمل أيضاً نقل المواد المشعة وإدارة النفايات المشعة. وبالنسبة للمحطات النووية لتوليد الكهرباء، تطبق معايير الأمان على مراحل المشروع المختلفة، مثل، التخطيط وتحديد المواقع والتصميم والتصنيع والبناء واختبارات بدء التشغيل والتشغيل والصيانة، وأخيرا إيقاف المفاعل وتفكيكه وإزالته.

“المنشآت النووية” هى الأماكن التى يتم فيها تعدين ومعالجة الخامات النووية مثل مناجم اليورانيوم، وأماكن النفايات المشعة، وأماكن أخرى التى يتم فيها إنتاج المواد المشعة أو معالجتها أو استخدامها أو تداولها أو تخزينها أو التخلص منها، وكذا أماكن التشعيع.

“الأنشطة النووية”، هى عمليات إنتاج المصادر المشعة واستخدامها واستيرادها وتصديرها للأغراض الصناعية والبحثية والطبية، ونقل المواد المشعة، وعمليات إزالة التلوث الإشعاعى، وعمليات وقف تشغيل المنشآت النووية وإزالة التلوث منها وتفكيكها وإزالتها، وكذا عمليات تصريف النفايات السائلة.

مع بداية التعامل مع المواد النووية، وضعت معايير للأمان النووى. ومع تطور التكنولوجيا النووية تطورت معها معايير الأمان النووى. ونتيجة الخبرات المكتسبة فى مجال الطاقة النووية فقد تطور الأمان النووى. وفى مجال المحطات النووية لتوليد الكهرباء اتفقت الدول النووية على توحيد معايير الأمان النووى فى الجيل الثالث. وسبب هذا الاتحاد لم يأتِ من فراغ، لكنه نتيجة ما عانته البشرية من جراء الكوارث النووية، ومنها الكارثة النووية الأولى وهى كارثة محطة “تشرنوبيل” عام 1986 فى أوكرانيا. فقد تعدت كارثة “تشرنوبيل” حدود أوكرانيا، وتأثرت كثير من الدول الأوروبية بالمواد المشعة، فهى كارثة كانت عابرة للدول وعابرة للقارات. وبذلك أيقنت الدول النووية مدى أهمية توحيد معايير الأمان النووى.

معايير الأمان النووي قابلة للتطبيق بالكامل، وهى مترابطة ويجب أخذها ككل، فهى لا تشكل قائمة يمكن الاختيار منها. ويجب أن يتحقق هدف الأمان النووى دون الحد من تشغيل المنشآة دون مبرر أو القيام بأنشطة تؤدي إلى مخاطر من الإشعاع.

هناك تدابير هامة يتم اتخاذها لتحقيق أعلى معايير الأمان النووى، منها، وضع ضوابط صارمة لمنع تعرض الأشخاص للإشعاع والتحكم فى إطلاق المواد المشعة في البيئة، وكذا الحد من احتمالية وقوع أحداث قد تؤدي إلى فقدان السيطرة على أي مصدر مشع، أو فقدان السيطرة على التفاعل النووى المتسلسل داخل قلب المفاعل النووى، وفى حالة “لاقدر الله” وحدثت حادثة فهناك آليات تتخذ للتخفيف من تبعات وأضرار الإشعاع المؤين والسيطرة الكاملة على الحادثة ومنع تفاقمها.

إذا توفرت أعلى مستويات من الأمان الذى يمكن تحقيقه بشكل معقول طوال عمر المنشأة أو النشاط، دون الحد من استخدامه دون مبرر، فبذلك تعتبر تدابير الأمان التي يتم تطبيقها على المنشآت والأنشطة التي تؤدي إلى مخاطر الإشعاع هي الأمثل.

يعتبر تقييم المخاطر من أولويات الأمان، سواء كانت ناشئة عن عمليات عادية أو من ظروف غير طبيعية أو حوادث، ويتم إعادة تقييم المخاطر دورياً طوال عمر المنشآت والأنشطة.

العمل فى المجال النووى لا يترك للأشخاص أو القطاع الخاص أو الهيئات والمؤسسات  الحكومية بدون مراقبة من الأجهزة الحكومية المختصة، فلابد من التأكد من اتخاذ الترتيبات اللازمة لإعداد برامج عمل للحد من مخاطر الإشعاع. وكذا لمراقبة ومتابعة وتنظيم عمل المنشآت والأنشطة النووية وتحديد مسؤولياتها بوضوح. الحكومة تقوم بوضع إطار قانوني فعال للأمان النووى، يشمل التشريعات واللوائح والمعايير النووية، وكذا الإجراءات والتدابير الأخرى التي قد تكون ضرورية للوفاء بجميع مسؤولياتها الوطنية والدولية، بما في ذلك الإجراءات التى تتم في حالات الطوارئ، وكذا رصد إطلاق المواد المشعة إلى البيئة، والتخلص من النفايات المشعة.

هيئة التنظيمات النووية، من الهيئات الهامة للغاية والحاكمة فى مجال الطاقة النووية، وتضم هذه الهيئة كوادر فنية ذات خبرات متخصصة متراكمة عالية المستوى. والهيئة تتمتع بالسلطة القانونية المستقلة والكافية لتنفيذ أعمالها، وذلك بعيدا عن الضغوط سواء كانت من الحكومة أو من الجهات التى تتعامل معها أيا كانت جنسيتها محلية أو دولية. “واجبات ومسؤوليات هيئة التنظيمات النووية سوف يفرد لها مقالة خاصة”.

إذا كانت الحكومة وهيئة التنظيمات النووية يقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة ومهمة، إلا أن المسؤولية الرئيسية عن الأمان النووى تقع على عاتق المسؤول عن تشغيل المنشأة النووية أو النشاط النووى، فى جميع مراحلها، وهذه المسؤولية لا تفوض. فهو مسؤول عن التحقق من التصميم المناسب والجودة الكافية للمنشأة والأنشطة والمعدات المرتبطة بها، ومسؤول عن إعداد الكوادر الفنية ورفع كفاءتها، ومسؤول عن التشغيل الآمن للمنشأة النووية، ومسؤول عن مجابهة الحوادث وعن تخفيف أضرارها، ومسؤول عن السيطرة الآمنة على جميع المواد المشعة المستخدمة والنفايات النووية المشعة. وكذا في الحالات التي يمكن أن تمتد فيها تأثير الإشعاع عبر الأجيال، فهو مسؤول عن توفير احتياطيات لحماية الأجيال القادمة من خطر الإشعاع.

معايير الأمان النووى يتم تطبيقها من خلال نظام إدارة فعال، والذى يتطلب قيادة على أعلى مستوى، القيادة التي تستطيع دمج جميع عناصر الإدارة، بحيث يتم وضع متطلبات الأمان وتطبيقها بشكل متسق مع المتطلبات الأخرى، بما في ذلك متطلبات الأداء البشري والجودة والأمن، وبحيث لا يتم اختراق الأمان من خلال المتطلبات أو المطالب الأخرى.

يعتمد نظام الإدارة الفعال على ثقافة الأمان اعتماداً كلياً، والتى تعنى تطبيق القيم والسلوكيات الأساسية الناتجة عن الالتزام الجماعي من جانب القادة والأفراد للتأكيد على الأمان. وثقافة الأمان النووى هى من خصائص بيئة العمل، مثل القيم والقواعد والتفاهمات المشتركة التي تؤثر على تصورات الكوادر النووية ومواقفهم حول أهمية الأمان النووي لحماية الناس والبيئة. فيجب أن تكون ثقافة الأمان لها أهمية قصوى ولها الأولوية. الوقاية من الأحداث والحوادث النووية ومنعها هي أولوية الأمان الأولى لكل من المصممين والمشغلين للمنشآت النووية. ويتم تحقيق ذلك من خلال استخدام هياكل تنظيمية ومكونات وأنظمة وإجراءات موثوق بها، في منشأة يصممها ويديرها أفراد ملتزمون بثقافة أمان قوية.

وبذلك نستطيع أن نقول، أن  العاملين يتحملون في جميع مراحل مشروع المنشأة النووية، من كبار العاملين إلى أدنى السلم الوظيفي مسؤولية مشتركة لضمان الالتزام بتطبيق معايير الأمان النووي في جميع مراحل المنشأة وفى جميع حالات التشغيل العادي والطوارئ.

الدفاع فى العمق هو الوسيلة الأساسية لمنع الحوادث والوقاية منها ومنع تفاقمها، والتخفيف من أضرارها حين حدوثها. حيث يتم تطبيق الدفاع فى العمق أساساً من خلال تصميم عديد من مستويات الوقاية (الحماية) المتتالية والمستقلة، حيث أن الفعالية المستقلة لمستويات الدفاع المختلفة هي عنصر ضروري للدفاع في العمق. فإذا فشل مستوى واحد من الحماية فى مجابهة الحادث، فإن المستوى اللاحق سيكون متاحاً. وإذا طبق الدفاع فى العمق بشكل صحيح، فلا يمكن لأي عطل فني أو خطأ بشري واحد أن يؤدي إلى تأثيرات ضارة، وذلك مع اعتبار أن احتمال حدوث مجموعة من الأعطال فى نفس الوقت، والتى قد تؤدى إلى حدوث أضرار شديدة، يعتبر احتمالاً ضعيفاً للغاية. (ونظراً لأهمية مبدأ الدفاع فى العمق، فسوف نفرد له مقالة خاصة).

قد تتجاوز مخاطر الإشعاع حدود الدولة وقد تستمر لفترات طويلة من الزمن، فى هذه الحالة يتم الأخذ فى الاعتبار الأضرار المحتملة، وهناك تدابير طوارئ إشعاعية كافية وفعالة فى حالة الحوادث النووية أو الإشعاعية، وهناك ترتيبات تتخذ للتأهب لحالات الطوارئ والاستجابة الفعالة والسريعة للوصول لمكان الحادث والتعامل معه، سواء كان على المستوي المحلي أو الوطنى  أو الإقليمي أو الدولي.

هناك حلول لتزايد كميات النفايات المشعة، وذلك للحفاظ على الحد الأدنى من الكميات المراد تخزينها التخزين النهائى، ويتم ذلك إما بإعادة تدوير هذه النفايات أو إعادة استخدامها. كما أن إدارة هذه النفايات تتم بطرق متطورة تساعد على تجنب فرض أعباء غير ضرورية على الأجيال القادمة.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق