مقالات والابداع

إدارة مخاطر مشاريع البناء والتشييد في مصر ومشروع محطة الضبعة النووي

بقلم الدكتور – علىعبد النبى

مشاريع البناء والتشييد تعتبر عنصراً رئيسياً وهاماً فى النمو الاقتصادي لأي دولة، وتحتل موقعا متفردا فى خطة التنمية فى البلاد. هذه المشاريع متميزة بسبب عدد الأطراف المعنية بها مع حصصها الخاصة، ومصالحها المتناقضة. فمشاريع البناء والتشييد هى أكثر الأعمال عرضة للمخاطر والتعقيدات الكبيرة ، مما يؤدى إلى مستوى عال من عدم اليقين وإمكانية كبيرة للتأثيرات البيئية.

تواجه مشاريع البناء والتشييد فى مصرمشاكل مثل البلدان النامية الأخرى بما فى ذلك نقص المواد، ونقص فى العمالة المدربة والماهرة ، ونقص فى المعدات المتخصصة فى التشييد والبناء، وعدم كفاية التطور التكنولوجى فى المصانع والشركات المصرية، وهيمنة الشركات المحلية الصغيرة والهشة على هذه الصناعة، مع سيطرة الشركات الأجنبية على المشاريع الكبيرة. والأخطر هو فيما تحتويه عقود ووثائق مشاريع البناء والتشييد على كثير من الأخطاء سواء فى الشق القانونى أوالشق المالى أوالشق الفنى. من أهم وأخطرعناصرالشق الفنى هى عدم دقة التصميمات الهندسية وعدم الدقة فى تحديد توقيتات تنفيذ الاعمال وتقدير التكاليف المتوقعة والموزعة على الجدول الزمنى لتنفيذ الاعمال وفى تحديد مسئوليات المالك والمقاول الرئيسى ومقاولى الباطن، وكذا عدم الدقة فى تحديد مسئوليات الأطراف المعنية (أصحاب المصلحة) بالمشروع وعدم جاهزيتهم.

إدارة المخاطر هى عملية قياس و تقييم للمخاطر، من خلال الرقابة المستقلة للمشروع، فهى تساعد بشكل استباقى فى إدراك الأحداث السلبية المحتملة وتضع خطط لردود الأفعال المناسبة للمخاطر، مما يقلل من التكاليف أو الخسائر المرتبطة بالتعطل غير المتوقع للأعمال. وينبغى إدارة مخاطر مشاريع البناء والتشييد بفعالية وطبقا للطرق العلمية المتبعة ولا نتبع أسلوب “رد الفعل” فى إدارة المخاطر وهو الأسلوب الشائع فى مصر، وإلا فإنها قد تصل فى نهاية المطاف إلى الفشل فى تحقيق أهداف المشروع المرجوة. وهذا يؤدى إلى زيادة التكاليف، والتأخير فى تنفيذ مراحل المشروع ، وانخفاض الجودة.

فى مصر لا يوجد التزام أو قدر ضئيل جدا من الاهتمام للتعامل مع المخاطر، ويكاد يكون توثيق المخاطر معدوما، ويعتبرونه عملية تافهة ومضيعة واهدار للوقت. التأخير الزمنى هو عامل خطير وحيوى لمشاريع البناء والتشييد نظرا لطبيعته المعقدة والبيئة غير المستقرة والتى تشمل المقاولين والاستشاريين والعملاء والموردين.

ويمكن وصف نجاح أى مشروع بأنه قد حقق الغايات والأهداف فى إطار ما هو محدد له من ميزانية ووقت وجودة. نحن نعيش فى العصر الحديث، حيث تم تطوير أدوات وتكنولوجيات إدارة المشاريع وتعزيزها بكل ما هو متاح من تقدم تكنولوجى. ومع ذلك، لايزال تنفيذ المشاريع تتأخر، وهو نقطة هامة للتفكير. وهناك أسباب أساسية مختلفة للتأخير بما فى ذلك وجود عيوب فى التصميم وأخطاء فى الجدول الزمنى ونقص فى المواد وتأخير فى التوريدات وفشل تشغيل المعدات وما إلى ذلك. وفى بعض السيناريوهات التى تترابط فيها حالات التأخير تصبح الحالة أكثر تعقيدا. تأخيرات البناء والتشييد تصبح مصدرا لكثير من الآثار السلبية على المشروع وأصحاب المصلحة المحليين والأجانب، بما فى ذلك الإجراءات القانونية، وفقدان الأرباح، وإلغاء العقود.

التأخير فى المشروع هو السبب الرئيسى لشكاوى البناء. لذلك، هناك حاجة ماسة لمعرفة أسباب التأخير وكذلك آثارها على عمليات البناء والتشييد. ويجب على أصحاب المصلحة المحليين والأجانب التعرف على كيفية مراقبة مخاطر التأخير والسيطرة على إنجاز مشاريع البناء فى الوقت المناسب.

وفي قطاع البناء والتشييد فى مصر، يدرك أصحاب المصلحة جيدا أهمية التأخيرات وتداعياتها من حيث التكلفة والجودة، لكنهم لا يزالون غير ملمين بالتحليل الرسمى والمناسب لتحليل التأخير وإجراءات وتقنيات الوقاية منه. فالتأخير، هو الحدث الذى يتسبب زيادة فى مدة تنفيذ المشروع عن المدة المحددة ووفقا للعقد، وقد يكون سببه المقاول أو صاحب العمل أو أطراف ثالثة أو قوة قاهرة . والتأخير هو القضية الأكثر شيوعا والمكلفة والمعقدة وغير المؤكدة التى تواجهها مشاريع البناء والتشييد. ومن المهم جدا تحديد الأسباب الحقيقية بحيث يمكن تقليل التأخير فى مشاريع البناء إلى أدنى حد. وعلى الرغم من أن التأخير هو سمة مشتركة لجميع مشاريع البناء والتشييد، فإن الحجم يتفاوت من مشروع إلى آخر فهو يتراوح بين أيام وأشهر وحتى سنوات.

الوقت مهم لكل من المالك (هو من متطلبات الأداء) والمقاول (هو من متطلبات الربح). ولذلك فإن التأخير هو أكبر مصدر للشكاوى والتى غالبا ما تنتهى فى الدعاوى القضائية. بعض الأسباب هى: النفقات العامة الإضافية بسبب فترة العمل الممتدة، وارتفاع تكاليف المواد بسبب التضخم، والتعويضات المقطوعة كما هو مذكور في العقد.

إن إنجاز المشروع في الوقت المناسب أمر مرغوب فيه للغاية، ولكن عملية البناء تخضع لمخاطر مختلفة وعوامل غير متوقعة، تنشأ من مصادر مختلفة بما فى ذلك ، ولكن لا تقتصر على : أداء الأطراف، وتوافر الموارد، وظروف البيئة، وإشراك العديد من الأطراف، والعلاقات التعاقدية. لذلك، فمن النادر جدا أن يتم الانتهاء من مشروع البناء وفقا للجدول الزمني الأصلى.

ويمكن تصنيف التأخيرات فى البناء كما يلى : تأخير عذرى “قوة قاهرة” (مثل الكوارث الطبيعية)، تأخير غير عذرى (تحدث بسبب إهمال المقاولين أو المقاولين من الباطن أو موردى المواد)، تأخير قابل للتعويض (نتيجة إهمال المالك أو وكلائه)، تأخيرات غير قابلة للتعويض (بسبب أحداث أو أطراف أخرى خارج متناول المالك أو المقاول)، تأخيرات متزامنة (العديد من العوامل تؤخر المشروع فى وقت واحد ومتزامنة وبطريقة متداخلة).

الأسباب الأكثر أهمية فى التأخير، هى : طلبات (أوامر) التغيير، الإنتاجية،  ضعف الإشراف على الموقع، عيوب فى التدقيق (التفتيش أو الفحص أو التحقق)، عيوب فى تقدير ومراقبة التكاليف، ضعف جدول المشروع، أخطاء فى التصميمات، اتباع طرق غير فعالة فى البناء، تأخير فى تسديد الدفعات، رسومات المشروع غير مكتملة.

المقاول يتحمل مسؤولية كبيرة فى التأخيرات. وبصفة خاصة على التأخيرات المتصلة بموقع البناء والتأخيرات المتصلة بالمواد والمعدات والتأخيرات المتصلة بالعمل من الباطن والتأخيرات المتصلة بالآلات والتأخيرات فى الإدارة والتأخيرات المتصلة بالعمالة.

والمالك فى العموم يكون مسؤولا عن التأخيرات المتعلقة بالعقود نظرا لأن قضايا الدفع والتأخير في التدفق النقدى واختيار العقد وتطويره وتغييرات العقد عادة ما يكون سببها المالك. كما يتحمل المالك أيضا مسؤولية التأخير الإدارى، ولكن بدرجة أقل. وتتحمل الحكومة أيضا مسؤولية بعض المسائل المتصلة بالإدارة والتنظيم والقانون.

إذا نظرنا الى مشروع محطة الضبعة النووى، فيعتبر أضخم مشروع فى تاريخ مصر القديم والحديث، فهو بداية نهضة مصر الصناعية. والطاقة النووية هى طاقة المستقبل، فقبل وقوع حادث فوكوشيما، كانت صناعة الطاقة النووية فى المراحل الأولى من “النهضة”، وقد قدر أن يتم بناء ما بين 60 و 130 مفاعلا جديدا للطاقة على مستوى العالم خلال السنوات العشرين المقبلة. ومع إن تأثير حادث فوكوشيما قد أبطأ حركة النهضة النووية على المدى القريب ولن يكون معروفا لبعض الوقت، إلا أنه يجرى حاليا بناء أكثر من 60 مفاعل فى 13 دولة. ومن المتوقع بحلول عام 2035، أن ترتفع القدرة النووية إلى 590 جيجاوات، أى ما يزيد بنحو 50٪ عن القدرة الحالية (390 جيجاوات من 447 مفاعل للطاقة النووية فى 31 دولة). ومن المتوقع أيضا أن تستمر الاقتصادات الناشئة، ولا سيما فى آسيا، فى توسعها النووى بسبب محدودية خيارات الوقود لإنتاج الطاقة والحاجة الملحة إلى الطاقة الآن ومن المتوقع أيضا أن تكون هناك حاجة أكبر فى المستقبل.

مشروع بناء محطة نووية هو مشروع ضخم ومعقد ويتطلب مهارة كبيرة وخبرة فنية وإدارة للمشروع من ذوى الخبرة. ففى مجال بناء وتشييد المحطة النووية هناك تركيز كبيرعلى الأمان وإدارة المخاطر، وهذا المشروع ينطوى على درجة عالية من التنظيم . فمشروع المحطة النووية فريد من نوعه بسبب وجود النشاط الإشعاعى والمواد المشعة، وموقع مشروع المحطة النووية تحت رقابة مستمرة من قبل المنظمين والجمهور، وثقافة الأمان النووى الموجودة فى موقع المحطة النووية محددة جدا وصارمة.

نظرا لأن مشروع بناء محطة الضبعة النووية يعتبر مشروع ضخم جدا ومعقد، وينطوى على استثمارات كبيرة جدا (عدة مليارات من الدولارات) وتمتد على مدى عدة سنوات. فمن المهم بمكان أن يتم أختيار مدير مشروع المحطة النووية بعناية شديدة. ونظرا لعدم وجود خبرات مكتسبة للمهندسيين المصريين المحليين فى إدارة موقع بناء محطة نوووية، فيجب اختيارمهندس من المهندسين الذين مارسوا إدارة مشروع بناء محطات كهرباء تقليدية، أو يتم الأستعانة بالخبرات المصرية المتواجدة فى دول المهجر.

ومن السمات الأساسية فى مدير مشروع محطة الضبعة النووية، هى أن يكون قد سبق له إدارة مشروع بناء وتشييد محطة نووية أو تقليدية، ويمتلك القدرة على اتخاذ القرار، والنزاهة، والأخلاق، والمهارات التنظيمية، وروح الفريق، والتدريب، وموقف الأداء، ومهارات إدارة الأعمال والميزانية، ومهارات الاتصال، ومهارات إدارة الوقت والمهارات التحليلية ومهارات حل المشاكل والقدرة على إدارة سير العمل بشكل فعال مع الموردين من الباطن، بالإضافة الى امتلاكه الخبرة فى ثلاثة مجالات رئيسية وهى : الوقاية الأشعاعية وثقافة الأمان النووى والجودة النووية. وبالإضافة الى ذلك فمشروع محطة الضبعة النووية يتطلب فريق مشروع تحت قيادة مدير المشروع، وهذا الفريق يتكون من مهندسين وموظفين وعمال مؤهلين تأهيلا عاليا وذوى خبرة عالية.

أن اختيار مدير مشروع محطة الضبعة النووية وفريق المشروع تعتبر نقطة ارتكاز خطيرة للغاية فى طريق نجاح المشروع، ومن بين أهم النقاط التى ستواجههم هى كيفية تقييم المخاطر، ووضع الخطط التكتيكية والخطط الاستراتيجية لتجب حدوثها، أو إدارتها فى حالة حدوثها والتخفيف من أضرارها أو نقلها الى جهة أخرى، واتخاذ القرارات التصحيحية لتنفيذ الاعمال لمنع حدوث تأخير فى تنفيذ المشروع والذى سيؤدى الى زيادة التكاليف. فينبغى تكوين إدارة تختص بالمخاطر ولها صلاحيات واسعة النطاق، وينبغى إدخال واستخدام أدوات الإدارة الحديثة والتكنولوجيا المتقدمة، كما ينبغى ممارسة التخطيط القوى والمفصل للرصد والمراقبة.

فهل لنا من وقفة صادقة مع النفس ، وهل لنا أن نستفيد من تجارب الدول التى سبقتنا فى هذا المجال، وهل لنا أن نراجع أنفسنا، ونراجع ما قمنا بإعداده من عقود لمحطة الضبعة النووية قبل التوقيع مع الجانب الروسى، وذلك من خلال فقهاء وشيوخ وخبراء المحطات النووية لتوليد الكهرباء ، ومعظمهم ولله الحمد على قيد الحياة.

يا حضرات السادة المسئولين … أدركونا قبل توقيع العقد.

ألا هل بلغت .. اللهم فاشهد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق