شعبة المبدعين العرب

الحج إلى الشمس “قصة قصيرة”

بقلم-  خيرة الساكت ” تونس”

يخرج أمادور من الكوخ و يجلس في قيظ الظهيرة تحت

أشعة الشمس الحارقة. يرفع بصره إليها فتحرقه عيناه

و لا يستطيع التحديق جيدا. يخفض رأسه و يترك الشمس

تغمره بوهجها حتى تكاد بشرته تلتهب .ينظر إلى أطرافه

السوداء. يبتسم ابتسامة ظفر .

إن الشمس تحبه و تمقت ذلك الرجل الأبيض الذي اشترى

محصول الذرة من قبيلته هكذا قالت له أمه عندما سألها

عن سبب بياض بشرة الرجل و سواد بشرته هو ..

 

يضحك .يغمض عينيه .و يظل على حاله من رفع وجهه

إلى الشمس .

الرجل الأبيض ضعيف لا يستطيع الجلوس طويلا تحت

الشمس أما الأسود فهو قوي بلونه بشمسه ..

قهقه أمادور و هتف بأعلى صوته : –

أنا الأقوى ! أنا الأقوى !

لمحته أمه .هرعت إليه بسرعة . –

مالذي تفعله ؟ لا تغادر البيت أبدا !

الخطر يحدق بنا من كل جانب ..القبيلة ليست في مأمن

حتى تلهو كما تريد ..لا تعد فعل ذلك مرة أخرى ..

دوى صوت قرع الطبل قويا أدخل في نفس أمادور و أمه

رعبا كبيرا ..ستتقاتل قبيلتهم مع قبيلة أخرى شرقي الغابة

المقابلة أمامهم و التي يضطرون إلى السير فيها ذهابا و

إيابا لجلب الماء من النهر أو الاحتطاب و الصيد ..

 

أدخلت الأم ابنها و أغلقت باب كوخها و بدأت في الدعاء و

التضرع إلى مانا بينما ظل أمادور واقفا ينظر إليها ..

في كل تناحر بين القبائل ينتاب النساء و الأطفال هلع كبير

و تغشى المنطقة فوضى عارمة يموت خلالها كل من

وطئ ساحة الحرب و يفقد كل من يقترب من الغابة .

 

بدأ الصراع على أطراف الغابة بين رجال القبيلتين .ألقى

كل منهم سهامه ..رموا بعضهم بالحجارة ..علا صوت

الصراخ بين جرحى و آهات مصابين و هجومات للانتقام ..

رحى الحرب لا تتوقف بين القبائل و قد اعتادوا العيش

بتلك الطريقة …

في أثناء الصراع تمسك الأم أمادور و تحضنه مرتجفة

خائفة من أن يصيبه مكروه فقد فقدت زوجها في احدى

النزالات ..

فجأة تناهى إلى مسامعها أصوات رجال ينشدون قادمين

باتجاه أكواخ قبيلتها ..هدأت و جعلت تكرر ما ينشدون ..لقد

انتصروا ..

و جلبوا معهم ماشية القبيلة الأخرى و أفسدوا محصولها

مع انجاز جديد في هذه المرة إذ عمدوا إلى إلقاء جثث

قتلى العدو في النهر ..

في تلك الليلة احتفلت قبيلة أمادور بالنصر .

أشعلت نارا كبيرة و جعلت ترقص حولها ..ضحك الجميع

…أكلوا الأرانب المشوية ..

لعب أمادور مع أطفال عمومته دون أن تفارقه عين أمه

التي تحرسه بكل شغف ..

حدثهم عن قوته مشيرا إلى جلده الأسود و أنهم بإمكانهم أن

يكونوا أقوياء مثله لأن الشمس تحبهم ..استمع الأطفال له

بكل بلاهة ثم ضحكوا و واصلوا مرحهم ..

مرت الأيام تتوالى أخبار المتناحرين من قتلى و جرحى و

أخبار المخطوفين و المفقودين ..

و يد أم أمادور ترتجف خوفا من أن يمس ابنها سوء .

تضعها على صدرها محاولة أن تخفف من حدة الرعب

الذي يتملكها ..

كلما غاب أمادور عن عينها قليلا إلا و ركضت تبحث عنه

بجنون امرأة ملتاعة ..

 

ليلا تحضن ابنها و تأوي إلى كوخها ..تقص على أمادور

مغامرات الإله مانا و قوة جناحيه الكبيرين اللذين يحمي

بهما القبيلة إلى أن يأخذه النعاس ..و تغط القبيلة في نوم

عميق ..

أصوات استغاثة و صراخ نساء تنطلق لتشق سكون

المكان ..تفيق الأم فزعة . تسعل بشدة . تكاد تختنق

بالدخان .تجر ابنها إلى الخارج . تغسل وجهه .

هاجمت القبيلة المهزومة قبيلة أمادور انتقاما لرجالها الذين

ألقيت جثثهم في النهر .

أحرقوا الأكواخ . قتلوا أكثر من نصف الرجال و الشبان .

أسروا النساء و الأطفال . ساقوهم إلى الغابة تاركين

ألسنة اللهب تجهز على ما بقي من آثار لقبيلة أمادور ..

قطعوا النهر . بكى بعض الأطفال . ضربوهم و من لم

يكف عن البكاء ألقوا به في النهر .

حاولت احدى النساء المقاومة . انتحوا بها جانبا مظلما و

نهشوا جسدها راسمين تعرجات مسالك الغابة و فوضى

النباتات المتداخلة فوقه ..

سيق الجميع إلى أرض محروقة من مخلفات الصراع

الدائر بين القبيلتين . تم تقييد أيديهم و ربطهم بحبل مشترك

طويل .

عزلوا الأطفال في مجموعة خاصة .بكت أم أمادور عندما

افتكوا ولدها منها . رفس أمادور قدم أحد المعتدين و عضه

من يده فصفعه هذا الأخير صفعة مدوية على وجهه .

أطلقت الأم شتائم فتوجه الرجل نحوها وجعل يركلها .

توقف عن ذلك عندما صارت جميع النساء تصرخ و

تستغيث .

سار الأسرى في طريق طويلة يجرون أذيال الشقاء و

البؤس مقيدين الأيادي و الأقفال في أرجلهم .

يستحثهم الغزاة بالسياط . تورمت العيون و الأقدام و

سالت الدماء و الدموع في آن واحد ..

تنهمر دموع أمادور و هو يشاهد ضربات السياط على

ظهر أمه .

سرعان ما بدؤوا يتساقطون واحدا تلو الآخر . كل من

يعجز عن مواصلة المشي يبقرون بطنه و يتركونه في

العراء .

عبروا الغابات الكثيفة و كل المراعي الحيوانية . بدأ رائحة

البحر تداعب أنوف الجميع .

على شاطئ الساحل الغربي للقارة المنكوبة أنشأت قرى

كثيرة للحزن و البكاء ..

توقف الغزاة على مشارف احدى تلك القرى ..

أطل رجل أبيض يرتدي بدلة و يتطلع بتكبر و غرور جعل

القسوة تنفر من عينيه ..عد الأسرى بلغة غريبة..رمى

بحزمة من الأوراق المالية للغزاة …

لمحه أمادور ..تذكره ..صاح بأعلى صوته : –

 

أنا الأقوى ! أنا الأقوى !

لم يعره انتباها . تأمل جيدا أجساد الرجال المأسورين .

حدق بأثداء النساء و أفخاذهم كأنه يستطلع قوة ما هو في

حاجة إليها ..

في المرفأ ترسو سفينة شراعية ضخمة .

شحن الأسرى في تلك السفينة . وضعوا الأطفال في

باطنها ..

جعلوا يبكون و ينتحبون ..أيقنت قلوبهم أنها تفارق الوطن

ضربهم الحراس البيض بالسياط ..

صرخ أمادور من بينهم و يداه تقتلع المسامير من الخشب : –

 

أنا الأقوى ! أنا الأقوى ! يا شمسي أحبيني دائما !

ردد جميع الأسرى هتافه : –

نحن الأقوى ! نحن الأقوى ! يا شمسنا أحبينا دائما ..!

و لم يتوقفوا عن النشيد إلا عندما سلمت الشمس رسالة

حب إلى ماء البحر الذي حضن الجميع بزرقته..

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق