مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

محمد النادي يكتب: نحو بناء الإنسان المصري في عصر الرقمنة والمهارة

بقلم: محمد النادي

أمين عام التعليم – حزب مصر 2000

لم يعد إصلاح التعليم في مصر ترفًا فكريًا أو شعارًا سياسيًا مؤجلًا، بل أصبح ضرورة وطنية تمس صميم الأمن القومي الشامل، باعتبار أن التعليم هو المصنع الحقيقي للإنسان القادر على حماية الدولة، وبناء الاقتصاد، وصيانة الهوية في عصر تتسارع فيه التحولات الرقمية والمعرفية بوتيرة غير مسبوقة.

ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث جاد عن “الجمهورية الجديدة” أو “رؤية مصر 2030” لا يمكن أن يكتمل دون مقاربة تعليمية مختلفة، تتجاوز منطق الترقيع، وتنتقل إلى إعادة هندسة شاملة للمنظومة التعليمية، ليس فقط في مناهجها، بل في فلسفتها وأهدافها وأدواتها ومخرجاتها النهائية.

 *أولًا: من تعليم المعرفة إلى تعليم الإنسان* 

الإشكالية الجوهرية في التعليم المصري ليست في غياب النصوص أو القوانين، وإنما في فجوة التطبيق وضعف الاتساق بين ما نريده من الخريج، وما نقدمه له داخل المدرسة. فقد ظل النظام التعليمي لعقود طويلة أسيرًا لفلسفة “الحفظ والتلقين”، بينما تغيّر العالم من حولنا نحو اقتصاد المعرفة، والمهارات، والإبتكار.

التعليم الحديث لم يعد يقاس بعدد المعلومات، بل بقدرة المتعلم على:

•التفكير النقدي

•حل المشكلات

•التكيف مع المتغيرات

•استخدام التكنولوجيا بشكل واعٍ ومسؤول

•والتمسك بقيم الانتماء والهوية في بيئة رقمية مفتوحة

ومن هنا تبرز الحاجة إلى استراتيجية وطنية للتعليم المتكامل، تستهدف بناء الإنسان المصري معرفيًا، ومهاريًا، وقيميًا، في آن واحد.

 *ثانيًا: المعلم … حجر الزاوية في أي إصلاح حقيقي* 

لا يمكن الحديث عن تطوير التعليم دون البدء بالمعلم، ليس بوصفه موظفًا يؤدي منهجًا، بل باعتباره قائدًا تربويًا وموجهًا قيميًا.

فالمعلم في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد ناقلًا للمعلومة، بل:

•مصممًا لبيئات تعلم نشطة

•مرشدًا أخلاقيًا

•وقدوة سلوكية

•ومستخدمًا واعيًا للتكنولوجيا

ومن هنا تبرز أهمية استحداث رخصة “معلم القرن الحادي والعشرين”، كرخصة مزاولة مهنة دورية، مرتبطة بالتطوير المستمر، وإتقان مهارات التكنولوجيا التعليمية، واللغات الأجنبية، وأساليب القيادة الصفية الحديثة.

كما أن إطلاق منصة وطنية للنمو المهني، تعتمد على التعلم المصغر والتدريب الرقمي المستدام، يمثل خطوة ضرورية لتمكين المعلم، لا لمحاسبته فقط، بل لدعمه ليكون شريكًا حقيقيًا في الإصلاح.

 *ثالثًا: المناهج … من الكتب الجامدة إلى المنظومات الذكية* 

المناهج التعليمية الحالية، في أغلبها، لا تزال منفصلة عن واقع الحياة وسوق العمل، وهو ما يفرض ضرورة التحول نحو المناهج الرقمية التفاعلية، التي تعتمد على:

•التعلم القائم على المشروعات

•المحاكاة

•الواقع المعزز

•والتطبيق العملي

قد يهمك ايضاً:

حزب مصر 2000 ينظم ندوة تثقيفية حول “المبادرات…

مني عبدالغفار خليفة: الاستجواب في الخصومة الانتخابية يعكس…

كما أن إدراج تعدد اللغات كمكون أساسي منذ المراحل المبكرة لم يعد رفاهية، بل شرطًا أساسيًا لتعزيز التنافسية الدولية للطالب المصري، وفتح آفاقه أمام أسواق العمل الإقليمية والعالمية.

وفي هذا السياق، تكتسب فكرة استحداث منهج “القيم والحياة” أهمية خاصة، باعتباره إطارًا عمليًا لغرس قيم المواطنة، والنزاهة، والعمل الجماعي، والمواطنة الرقمية، بعيدًا عن الخطاب الوعظي التقليدي.

 *رابعًا: البكالوريا المصرية … نهاية ثقافة “الفرصة الواحدة”* 

تُعد شهادة الثانوية العامة أحد أكثر الملفات حساسية في المجتمع المصري، لكنها في صورتها التقليدية أصبحت عبئًا نفسيًا وتربويًا، وأسهمت في ترسيخ ثقافة “المجموع” على حساب الفهم والمهارة.

ومن هنا، فإن تطوير البكالوريا المصرية يمثل قلب الإصلاح التعليمي، عبر:

•نظام الساعات المعتمدة

•تعدد المسارات وفق ميول الطالب

•التقييم التراكمي الممتد

•وإلغاء منطق الامتحان الواحد المصيري

كما أن إدراج اختبارات كفاءة لغوية وفق المعايير الدولية، وربط التقييم بالمشروعات والأنشطة، يسهم في تحقيق قدر أعلى من العدالة التعليمية، ويعيد الاعتبار للتعلم الحقيقي.

 *خامسًا: البنية التحتية الرقمية … أساس الاستدامة* 

لا يمكن تحقيق تحول رقمي حقيقي دون بنية تحتية قوية ومستدامة. فالمدرسة الذكية ليست مجرد أجهزة، بل منظومة متكاملة تشمل:

•شبكات فائقة السرعة

•معامل افتراضية

•منصات تعليمية مؤمنة

وفي هذا الإطار، يمثل إنشاء سحابة تعليمية وطنية مصرية خطوة استراتيجية لحماية البيانات، وضمان العدالة في الوصول للمحتوى الرقمي، وتقليل الاعتماد على خدمات خارجية مكلفة.

 *سادسًا: التعليم والأمن القومي الثقافي* 

أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة المصرية اليوم هو الغزو الثقافي الرقمي، وما يفرضه من أنماط قيمية وسلوكية دخيلة. وهنا يصبح التعليم خط الدفاع الأول، ليس عبر المنع، بل عبر بناء وعي نقدي، وهوية راسخة، وقدرة على التمييز.

فالتعليم الحديث يجب أن يُخرج مواطنًا:

•معتزًا بهويته

•منفتحًا على العالم

•قادرًا على التفاعل دون ذوبان

 *خاتمة: نحو عقد اجتماعي تعليمي جديد* 

إن إصلاح التعليم ليس مشروع وزارة، بل مشروع دولة ومجتمع، يتطلب:

•إرادة سياسية واضحة

•تشريعات داعمة

•شراكات ذكية مع القطاع الخاص

•وإعلامًا تربويًا واعيًا

ومن هنا، فإن تبني استراتيجية وطنية شاملة للتعليم المتكامل يمثل خطوة حاسمة نحو بناء “جيل مصر 2030”، جيل يمتلك المهارة، ويحمل القيم، ويجيد لغة العصر، وقادر على قيادة المستقبل بثقة ومسؤولية.