مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

«الأمومة والاصطفاء الإلهي: قراءة قرآنية في أمهات الأنبياء»

الشريف محمد بن علي الحسني

مفكر ومؤرخ رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

 

أمهات الأنبياء في القرآن: دوائر الأمان قبل الرسالة

حين يتأمل القارئ حضور الأمومة في القرآن الكريم، يتبيّن له أن النص الإلهي لا يتعامل مع أمهات الأنبياء بوصفهن عنصرًا سرديًا أو خلفية عاطفية، بل يُبرز الأم حين تكون الأمومة ذات أثر قدري في مسار الرسالة قبل ظهورها،

وحين تتحول لحظة الاحتضان الأولى إلى موضع اصطفاء أو امتحان أو طمأنينة إلهية. فالله لا يذكر الأسماء لمجرد الذكر، ولا يسكت عن المقامات عبثًا، وإنما يُظهر ويُخفي وفق سنن الهداية وبناء المعنى.

فنجد أم موسى حاضرة في لحظة الخطر الأعظم، حيث يتحول قلب الأم إلى موضع وحي يسبق النبوة، لا تشريعًا بل تثبيتًا، وتتحول غريزة الخوف إلى يقين. ونجد مريم عليها السلام حاضرة بوصفها آية قائمة بذاتها، اصطفاها الله قبل أن تحمل عيسى، فكان الاصطفاء سابقًا على النبوة، وكان الصبر والصمت والطهارة جزءًا من صناعة الرسالة قبل أن تنطق المعجزة. ونجد أثر هاجر حاضرًا في الشعيرة والمكان والتاريخ، وإن لم يُذكر اسمها نصًا، لأن سعيها وقلقها وتسليمها صار تشريعًا خالدًا. وفي المقابل، يغيب ذكر أم النبي الخاتم ﷺ عن النص القرآني، لا إهمالًا ولا تقليلًا، بل لأن الرسالة الخاتمة تجاوزت الإطار العائلي إلى الأفق الإنساني العام، فجُعل اليُتم قيمة تربوية، لا فراغًا في المقام.

ومن هذا المنهج القرآني نفسه يُفهم مقام السيدة آمنة بنت وهب رضي الله عنها فهمًا عقلانيًا مستقيمًا، بعيدًا عن الجدل والانفعال. فالقرآن قرر قاعدة كلية محكمة: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾، فجعل التكليف مناط الحساب، والبلاغ شرط المؤاخذة. والاستغفار في الشريعة ليس تشريفًا مجردًا، بل حكمٌ يتوجه حيث يُتصور الذنب، والذنب لا يتصور إلا بعد التكليف، ولا تكليف إلا بعد الرسالة. ولهذا لا يُستغفر للنبي ﷺ، ولا للأطفال، ولا لأهل الفترة، ولا للشهداء الذين أخبر الله بغفرانهم، لا نقصًا في منزلتهم، بل لأنهم في موضع أمان لا في موضع خشية.

وعلى هذا الأصل يُفهم عدم الإذن بالاستغفار للسيدة آمنة رضي الله عنها، لا على أنه نفي لنجاة، بل على العكس: قرينة طمأنينة، ونقلٌ للناس من البحث في المآل إلى اليقين بالأمان. فالشرع لا يمنع الاستغفار عمّن يُخشى عليه، وإنما يُغلق باب الاستغفار حيث لا موجب له أصلًا. ولو كان في المقام شبهة مؤاخذة، لكان الاستغفار أولى لا ممنوعًا.

قد يهمك ايضاً:

وتتأكد هذه الدلالة حين ننتقل من باب الدعاء إلى باب التشريع؛ إذ أذن الله لنبيه ﷺ بزيارة قبر أمه بعد أن كانت زيارة القبور منهيًا عنها، ثم عمّم الحكم على الأمة بقوله: «فزوروا القبور». وصورة السبب – كما تقرره أصول الفقه – قطعية الدخول في الحكم، ولا يعقل في ميزان القرآن أن يُؤذن لنبي الله بزيارة قبر مشرك، ولا أن تُجعل زيارة قبر مشرك أصلًا تشريعيًا عامًا، وقد نُهي النبي ﷺ صراحة عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم. فالإذن هنا ليس عاطفة، بل حكم، وليس خاصًا، بل باب تشريع.

ثم إن النبي ﷺ حين وصف نفسه قال: «عبدك وابن عبدك وابن أمتك»، والعبودية في القرآن أعلى مقامات الكمال، وهي الوصف الذي اختاره الله له في أشرف تجلياته: في الإسراء، وفي المعراج، وفي الوحي. ولا يستقيم عقلًا ولا نصًا أن يُقرَن هذا الوصف الأعلى بمن ليس على سلامة عقدية، أو أن يخرج النور الكامل من أصلٍ لم يتحقق له الحد الأدنى من الطهارة، وقد قرر القرآن أن الاصطفاء لا يكون إلا مع الصفاء، وأن الله قال: ﴿وسلام على عباده الذين اصطفى﴾.

ويزداد هذا المعنى رسوخًا حين نلحظ سنّة قرآنية متكررة، وهي أن كل من دخل في دائرة القرب من النبوة في طورها الإنساني الأول شملته بركتها، ولو لم يكن نبيًا ولا رسولًا. فآسية بنت مزاحم رضي الله عنها خُلّدت في القرآن لا لأنها زوجة طاغية، بل لأنها احتضنت موسى طفلًا في لحظة الاستضعاف، فكان قربها من نبي الله سببًا في اصطفائها حتى صارت من سيدات نساء العالمين، مع أنها عاشت في بيت هو أبعد البيوت عن الإيمان. والبركة هنا لم تتعلق بزمن الرسالة، بل بذات النبي قبل بعثته.

ويجري هذا القانون نفسه في السيرة النبوية، حيث تواترت الأخبار في بركة حليمة السعدية حين أرضعت النبي ﷺ، فدرّ لبنها، ونما زرعها، وسمنت ماشيتها، لمجرد ملامسة النبي في طفولته، قبل الوحي، وقبل النبوة. فإذا كانت البركة قد شملت المرضعة والدار والبيئة، فكيف يُتصور عقلًا وشرعًا أن تُستثنى الأم التي حملت النور في رحمها، وخرج منها النبي ﷺ إلى الدنيا؟

وهذا ليس استدلالًا عاطفيًا، بل انسجام مع السنن القرآنية؛ فالبركة في القرآن لا تُربط بالزمن بعد النبوة فقط، بل بالاصطفاء الإلهي الذي يحيط بالرسالة في أطوارها كلها.

والله لا يصنع التناقض في اختياره، ولا يجعل النور يمر عبر أصل مطعون فيه، ولا يحيط نبيه في طفولته بدوائر البركة ثم يجعل أقرب الناس إليه موضع شبهة.

وعليه، فإن مقام السيدة آمنة رضي الله عنها يُفهم في ضوء القواعد القرآنية الكبرى: لا تكليف بلا رسالة، ولا استغفار بلا ذنب متصوَّر، ولا إذن تشريعي في موضع نهي، ولا اصطفاء مع طعن في الأصل. وما عدا ذلك فهو خلط بين البحث العقدي والجدل الخطابي.

بهذا الفهم المتزن، تستقيم صورة أمهات الأنبياء في القرآن بوصفهن دوائر أمان إلهي تحيط بالرسالة في لحظتها الأولى؛ لا لأنهن معصومات، بل لأن الله أعلم حيث يجعل رسالته، ولا يجعلها إلا في مواضع الطهارة والسلامة والاختيار. فالأمومة في القرآن ليست تفصيلًا تاريخيًا، بل موضع حكمة، وصمت النص عنها أحيانًا أبلغ من ذكرها، لأنه صمت يدل على الاكتفاء والطمأنينة، لا على الإغفال أو الإشكال.