مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

حين تُصاغ الفتنة باسم التوحيد: قراءة في ديباجة العدد الأول من «مدارك» وأثرها على السلم المجتمعي  

بقلم / الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس مؤسسة الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

مفكر ومؤرخ

ما يبدو في ديباجة العدد الأول من مجلة «مدارك» خطابًا علميًا هادئًا يُبشّر بـ«بيان حقيقة التصوف» ويَعِدُ بقراءات رصينة وأسئلة عميقة، ينكشف عند تأمله بوصفه نموذجًا مكتملًا لكيف تُصنع الفتنة في المجتمعات باسم التصحيح لا باسم الصدام. فالخطر لا يبدأ من نقد ممارسة أو مناقشة مفهوم، بل من الديباجة نفسها حين تفترض منذ السطر الأول أن هناك «حقيقة واحدة» محتكرة، وأن تراثًا دينيًا عاش قرونًا داخل المجتمعات السنية هو محل اشتباه جماعي يحتاج إلى تفكيك شامل. وحين تُفتتح المجلة بربط احتفال صوفي بمولد السيدة فاطمة رضي الله عنها بـ«استغلال شيعي»، فإن الخطاب لا يقدّم معلومة بقدر ما يزرع الريبة في الوجدان العام، ويحوّل محبة آل البيت من قيمة جامعة إلى شبهة سياسية، ومن رابط اجتماعي إلى ثغرة عقدية. هنا تبدأ الفتنة: لا في الشارع، بل في إعادة تعريف الرموز المشتركة بوصفها مواضع اتهام.

قد يهمك ايضاً:

ثم يتدرج الخطاب من الريبة إلى التصنيف، ومن التصنيف إلى الإقصاء، عبر توظيف مفهوم «التوحيد» لا بوصفه أصلًا جامعًا للإيمان، بل أداة فرز حادّة بين «تقرير شرعي» و«انحراف صوفي»، وكأن تاريخ الإسلام لم يعرف إلا قراءة واحدة للتوحيد، وكأن مدارس الأشاعرة والماتريدية، وتجربة التزكية السنية، وتراث الأزهر والزيتونة والقرويين، كلها طارئة على الإسلام أو مشوبة بالشبهة. في هذا التحول، لا تعود المسألة مسألة علم، بل مسألة سلطة معرفية تُجرِّم التدين الشعبي وتضع المجتمع كله في قفص الاتهام، فتُنتج انقسامًا صامتًا بين “نحن أهل التوحيد” و“هم أهل الانحراف”

وتتضاعف خطورة هذا المسار حين يُستدعى الجدل حول شخصيات إشكالية بطبيعتها، مثل ابن عربي، لا بوصفها حالات تاريخية مخصوصة، بل بوصفها مدخلًا لإدانة التصوف برمّته، وحين تُنتقى الكتب والمصطلحات والوقائع بطريقة تُراكم الانطباع السلبي دون أن تترك مجالًا لسياق تاريخي أو ميزان علمي متكامل. هنا لا يعود القارئ أمام دراسة، بل أمام سردية مُحكمة البناء تُعيد تشكيل الوعي خطوة خطوة: تشكيك في الرمز، تضييق في المفهوم، ثم إدانة في الهوية.

إن الفتنة التي يُنتجها هذا النوع من الخطاب لا تنفجر فورًا، لكنها تعمل ببطء داخل النسيج الاجتماعي؛ تُضعف الثقة بين مكوّنات المجتمع الواحد، وتزرع الشك في نيات الناس وعباداتهم، وتفتح باب التخوين الديني، وهو أخطر من الخلاف الفقهي؛ لأن الخلاف الفقهي يُدار، أما التخوين فيُفجّر. وحين يُقدَّم هذا كله في قالب «مجلة علمية متخصصة»، فإن الخطر يتضاعف، لأن الفتنة هنا لا تأتي من خطاب غوغائي، بل من لغة منضبطة تُلبس الإقصاء ثوب البحث، وتُحوّل الانقسام إلى واجب ديني.

بهذا المعنى، فإن خطر الفتنة في المجتمعات لا يكمن في وجود التصوف أو نقده، بل في المنهج الذي يبدأ من نزع المشترك، ويُعيد تعريف التدين بمنطق الإلغاء. فالمجتمعات لا تنهار حين تختلف، بل حين يُقال لها إن ما جمعها قرونًا كان وهمًا، وإن الطريق إلى “التصحيح” يمر عبر كسر رموزها الروحية وتشويه ذاكرتها الجامعة. تلك هي الفتنة بعينها: أن تُهدَّم الوحدة باسم التوحيد، وأن يُمزَّق المجتمع باسم بيان الحقيقة.