بلاغة الومضة وتشريح الظل: قراءة تفكيكية في سيميائية “حكايا الليل” للقاص صابر فتحي عبد اللاه
حسن غريب:
ناقد باحث
عتبة النص: قلق العنوان والزمان
يختار الكاتب صابر فتحي “الليل” وعاءً زمنياً لحكاياه؛ والليل في الموروث السردي هو زمن المكاشفة، والستر، والبوح.
لكنه عند صابر فتحي ليس ليلاً للراحة، بل هو ليلٌ “كاشف” للمسحوقين والمهمشين.
المجموعة تنتمي لجنس “القصة القصيرة جداً” (ق.ق.ج)، وهي أصعب الأجناس الأدبية لأنها تتطلب قدرة فائقة على الاختزال والمباغتة، وهو ما نجح فيه الكاتب بامتياز نتيجة خلفيته كفنان تشكيلي يدرك قيمة “الكتلة والفراغ”.
أولاً: بنية الشخصيات (المهمشون كأبطال تراجيديين)
يركز صابر فتحي في قصصه على الشخصيات التي تعيش في “القاع” الاجتماعي، لكنه يمنحها بعداً فلسفياً وجمالياً:
1. عامل النظافة (قصة القاع): لا يقدمه الكاتب كشخص يجمع القمامة، بل كإنسان يجمع “بقايا وجع الآخرين”.
2. نلاحظ هنا “أنسنة الأشياء”؛ فالجلباب ليس مجرد قماش، بل هو “لوحة سريالية” من الأوساخ التي تحكي تاريخ قهر الإنسان.
3. الأب الكادح (قصة أول مرة): تتجلى هنا براعة الكاتب في رسم “المفارقة النفسية”. الأب الذي يقود عربة متواضعة يشعر بالفخر والمهانة في آن واحد أمام ابنه “الطبيب” ببالطوه الأبيض. هذه القصة تشرح تفاصيل الصراع الطبقي الداخلي داخل الأسرة الواحدة في الريف المصري.
4. جامع القمامة (قصة نبش): يربط الكاتب هنا بين “النبش في القمامة” و”النبش في الذاكرة والوجع”.
5. الشخصية هنا لا تبحث عن مادة، بل تبحث عن “كيان” مفقود وسط ركام الحياة.
ثانياً: جماليات المكان والدلالة الطبقية
المكان عند صابر فتحي ليس صامتاً، بل هو شريك في الحدث:
• قصة بيوت الليل: تعتبر هذه القصة “درة المجموعة” في نقد الواقع. القرية التي تنتظر النور، وعمود الإنارة الذي يصبح أداة للفرز الطبقي. “عم حسانين” الذي بح صوته في المطالبة بالخدمات، يجد النور في النهاية يستقر أمام بيت “الأنيق”. هنا يشرح الكاتب “تزييف الحقوق” وكيف تسرق البروجوازية أحلام الفقراء حتى في أبسط الخدمات.
• الغربة (قصة اغتراب): المكان هنا يتحول من “جغرافيا” إلى “حالة نفسية”. تساقط حروف أسماء الدول من الخريطة يرمز إلى ضياع الهوية وتمزق الوطن العربي، وهي قصة سياسية بامتياز مغلفة بإطار رمزي مكثف.
ثالثاً: التقنيات الفنية (مواطن القوة والتميز)
1. القفلة الصادمة (The Twist): يتميز صابر بإنهاء قصصه بضربة قوية تغير المعنى بالكامل، كما في قصة “تدوير”، حيث تحاول المرأة إعادة تدوير حياتها لكنها تنسى “بقاياها” في السلة، في إشارة إلى أن الماضي لا يمكن التخلص منه بسهولة.
2. اللغة البصرية: بصفته عضواً بنادي القصة وفناناً تشكيلياً، يستخدم الكاتب “الفعل” بدلاً من “الوصف”. القصص مليئة بحركة الألوان والظلال (الأسود، الشحوب، الضوء الخافت)، مما يجعل القارئ “يرى” القصة ولا يقرأها فقط.
3. الرمزية الوطنية: في قصة “شريط أسود”، نجد تكثيفاً لمعنى الاستشهاد والوطن. “زجاجة الرمل” التي تفوح منها رائحة المسك هي رمز للأرض التي ارتوت بالدماء، واستبدال الشريط الأسود بغصن الزيتون هو انتقاد رمزي لمن يريدون طي صفحة التضحيات دون ثمن.
رابعاً: مواطن الرؤية النقدية التطويرية
من باب الأمانة العلمية لتكتمل الدراسة، هناك نقاط تحتاج لمزيد من الاشتغال في الأعمال القادمة:
1. فخ الخاطرة: بعض النصوص شديدة القصر (مثل “أمل” و”جبروت”) اقتربت من حدود “الحكمة” أو “الخاطرة” أكثر من “القصة”. القصة القصيرة جداً تحتاج لـ “حدث” حتى وإن كان مضمراً، وبعض النصوص كانت تعتمد على “الحالة” فقط.
2. ثبات الإيقاع: يميل الكاتب غالباً إلى النبرة الحزينة أو السوداوية (الميلانكوليا). وهذا رغم صدقه الفني، إلا أن التنويع في الإيقاع السردي بين السخرية السوداء والتراجيديا قد يمنح المجموعة ثراءً أكبر.
.
خامساً: الحواشي والمراجع المقترحة
• الحاشية (1): “أبنوب” كبيئة مكانية ألقت بظلالها على النصوص؛ حيث تظهر جلياً قيم الشهامة، الصراع مع الفقر، والارتباط بالأرض.
• الحاشية (2): يلاحظ استخدام الكاتب لـ “الفراغ” في تنسيق الكتاب، وهو توظيف “جرافيكي” يخدم حالة الصمت السردي التي يريد إيصالها.
المراجع الموصى بها لإثراء البحث:
1. عبد اللاه، صابر فتحي. حكايا الليل، الدار المصرية السودانية الإماراتية، 2024.
2. إدوار الخراط. الحساسية الجديدة (لفهم التداخل بين التشكيل والكتابة).
3. نور الدين صدوق. فن القصة القصيرة جداً (لتحليل آليات التكثيف والمفارقة).
4. باشلار، غاستون. جماليات المكان (لتحليل دلالة “الليل” و”البيت” في المجموعة).
خاتمة الدراسة:
إن تجربة صابر فتحي عبد اللاه في “حكايا الليل” هي إضافة حقيقية لسرديات الجنوب المصري. لقد نجح في تحويل “أبنوب” من حيز جرافي ضيق إلى فضاء إنساني رحب، واستطاع ببراعة أن “يرسم بالكلمات” وجع الإنسان المعاصر، مما يجعله صوتاً أدبياً يستحق الاحتفاء والتحليل المستمر.

