مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

فيلم «الملحد»: بين الجرأة الادعائية والفقر الدرامي قراءة نقدية في الخطاب، والبناء، والوظيفة الأيديولوجية

حسن غريب أحمد:

ناقد باحث

 

البداية .

أثار الفيلم السينمائي «الملحد» جدلًا واسعًا قبل عرضه، لا بسبب قيمته الفنية، بل بفعل عنوانه الصادم وما يحمله من إيحاءات فكرية وأيديولوجية.

فالعنوان وحده بدا وكأنه وعدٌ بنقاش فلسفي عميق حول الإيمان والشك، أو معالجة درامية إشكالية لأسئلة الوجود واليقين.

غير أن المشاهدة المتأنية تكشف أن الفيلم لا يفي بهذا الوعد، إذ ينزلق سريعًا من فضاء التفكير إلى منطق الخطاب التبسيطي والدعاية المباشرة، مستبدلًا الدراما الحقيقية بطرحٍ أحادي يفتقر إلى العمق والحياد الفني.

 

أولًا: العنوان بوصفه استراتيجية صدم لا رؤية فكر

يعتمد الفيلم منذ لحظته الأولى على العنوان كأداة استفزاز، لا كمفتاح تأويلي. فـ«الملحد» لا يُقدَّم بوصفه شخصية إنسانية مركبة، بل كحالة مرضية أو انحراف فكري جاهز للتفنيد. هنا يتحول العنوان من كونه سؤالًا مفتوحًا إلى حكمٍ مُسبق، ويغلق باب الجدل بدل أن يفتحه.

وفق مناهج النقد الثقافي، فإن العنوان ينبغي أن يعمل كـ«أفق توقع» (ياوس)، لكن الفيلم يستخدمه كوسم أيديولوجي يحدد موقف المتلقي مسبقًا، ويصادر حقه في التأويل الحر.

 

ثانيًا: البناء الدرامي… حكاية بلا صراع حقيقي

يعاني الفيلم من فقر درامي واضح؛ فالصراع المركزي – المفترض أن يكون بين الإيمان والشك – لا يتجسد دراميًا عبر أفعال ومواقف، بل يُلقى في شكل حوارات تقريرية مباشرة، أقرب إلى مناظرات مدرسية منها إلى مواقف إنسانية معيشة.

الشخصية الرئيسية لا تمر بتحول درامي (Character Arc)، بل تبقى مسطحة، محكومة بمسار مرسوم سلفًا:

شك → ضياع → انكسار → عودة قسرية إلى الإيمان

وهو مسار نمطي يفتقد المفاجأة والتعقيد، ويقوض مبدأ «التطور النفسي» الذي يُعد أساسًا في الكتابة السينمائية.

 

ثالثًا: الشخصيات الثانوية كأدوات خطابية

لا تؤدي الشخصيات الثانوية أدوارًا درامية مستقلة، بل تُستخدم كـأصوات أيديولوجية:

رجل الدين: صوت الحكمة المطلقة

الملحد: صوت الارتباك والعدمية

الأسرة: ضحية الانحراف الفكري

هذا التقسيم الثنائي الحاد يُفقد الشخصيات إنسانيتها، ويجعلها رموزًا جامدة، وهو ما يخالف أبسط قواعد الواقعية النفسية التي تقوم على التناقض والتعقيد.

رابعًا: الحوار… خطاب مباشر لا لغة سينما

الحوار هو أضعف عناصر الفيلم:

مباشر

تفسيري

شعاري

يفتقر إلى الإيحاء والاقتصاد اللغوي، ويخالف القاعدة الذهبية للسينما:

«أرِني ولا تشرح لي»

بدل أن تُترجم الأفكار إلى صور وحالات، تُلقى في جُمل تقريرية تفقد تأثيرها الجمالي، وتحول الفيلم إلى ما يشبه «محاضرة مصورة».

 

خامسًا: الإخراج واللغة البصرية

الإخراج يتسم بالحياد البارد:

لقطات تقليدية

زوايا تصوير نمطية

غياب التوظيف الرمزي للصورة

لا نجد اشتغالًا بصريًا على مفاهيم مثل العزلة، الشك، الفراغ الوجودي، كما فعلت أفلام عالمية تناولت الأسئلة نفسها (برغمان، تاركوفسكي). الصورة هنا تابعة للنص، لا شريكة له.

 

سادسًا: الوظيفة الأيديولوجية للفيلم

يمكن قراءة الفيلم ضمن ما يسميه النقد الثقافي «السينما الوظيفية»؛ أي السينما التي تُنتج لتأكيد موقف أخلاقي أو اجتماعي جاهز، لا لطرح أسئلة. وهنا تكمن الإشكالية الكبرى:

الفيلم لا يحاور الإلحاد بوصفه ظاهرة فكرية معقدة، بل يُدينه بوصفه خطأً أخلاقيًا، وهو ما يُفرغ العمل من أي قيمة فكرية حقيقية.

 

النهاية :

فيلم يختار الإجابة قبل السؤال

في المحصلة، لا يمكن اعتبار «الملحد» فيلمًا جدليًا أو فكريًا بالمعنى الدقيق، بل هو عمل يخشى السؤال الحر، ويستبدله بإجابات جاهزة. جرأته شكلية، ومعالجته سطحية، وبناؤه الدرامي هش.

لقد أضاع الفيلم فرصة نادرة لتقديم عمل سينمائي جاد يناقش واحدة من أعقد قضايا العصر، مفضلًا الطريق الأسهل: الوعظ بدل الفن، والإدانة بدل الفهم.

الفن الحقيقي لا يُقنع… بل يُقلق.

وهذا ما لم يفعله «الملحد».