صرّح خبير الجغرافيا السياسية المصري محمد النادي بأن الساحة الفكرية العربية تشهد في السنوات الأخيرة ظهور نموذج قومي جديد بات يُعرف بـ “المدرسة الغزالية القومية العربية”، وهو نموذج – بحسب وصفه – يُعيد صياغة المشروع القومي العربي بمنهج واقعي وتدرّجي يتناسب مع طبيعة الدولة الحديثة وتحديات الإقليم المعاصر.
وأضاف “النادي” أن هذه المدرسة، المنسوبة إلى السياسي المصري محمد غزال، تمثل نقلة نوعية في الفكر القومي العربي من خلال تركيزها على الإصلاح من داخل الدولة واعتبار الدولة الوطنية نقطة الانطلاق الأساسية لأي مشروع قومي عربي قابل للتطبيق، على عكس المدارس القومية التقليدية التي تبنّت رؤى ثورية أو عقائدية صدامية لا تتناسب مع واقع القرن الحادي والعشرين.
_”إصلاح لا صدام”_
وأوضح أن المدرسة الغزالية تتبنى ما يسميه بـ القومية الإصلاحية، التي ترفض الهدم أو الصدام مع مؤسسات الدولة، وتُقدّم نموذجًا يقوم على بناء المؤسسات، وتطوير التشريعات، وتمكين الشباب والمرأة، وتعزيز التحول الرقمي، بما يجعلها قومية مؤسسية قادرة على العمل داخل الدولة وليس على أطرافها.
_فوارق جوهرية مع الناصرية_
وفي مقارنته بين المدرسة الغزالية والناصرية، أكد خبير الجغرافيا السياسية محمد النادي علي أن الناصرية كانت مشروعًا ثوريًا جذريًا اعتمد على التعبئة الجماهيرية الواسعة وأولوية الوحدة العربية، بينما تنطلق الغزالية من الإصلاح التدريجي وتقوية الدولة الوطنية باعتبارها البناء الأول لأي تكامل عربي مستقبلي.
وأشار إلى أن الغزالية تتبنى رؤية اقتصادية أكثر مرونة وانفتاحًا، تعتمد على الاقتصاد المختلط وتشجيع الاستثمار، خلافًا للنموذج الاشتراكي المركزي الذي تبناه التيار الناصري في حقبته.
_وتمايز واضح عن البعثية_
وحول الفروق بين الغزالية والبعثية، أوضح محمد النادي أن البعثية عُرفت بطابعها العقائدي الحزبي الصارم وشعارها المعروف “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، بينما تتبنى الغزالية نهجًا براجماتيًا يراعي اختلافات الواقع بين الدول العربية ولا يسعى لفرض نموذج سياسي واحد عليها.
كما أشار إلى أن نموذج الحكم في البعثية تمحور حول الحزب القائد والدولة المركزية الصلبة، في حين ترتكز الغزالية على النظام التشاركي وتفعيل الأحزاب وتوزيع السلطات، إضافة إلى اعتمادها على دبلوماسية توازن القوى بدلًا من الخطاب الصدامي.
_ظهور يفرضه السياق الإقليمي والدولي_
وبيّن محمد النادي أن صعود المدرسة الغزالية جاء نتيجة تحولات عميقة شهدها الإقليم، أبرزها:
أزمات الدولة الوطنية بعد 2011 وما رافقها من انهيار مؤسسات في عدد من الدول العربية.
اشتداد المنافسة الإقليمية بين القوى غير العربية، مما تطلّب تكوين رؤية عربية أكثر صلابة وواقعية.
تغيّر طبيعة القوة عالميًا، حيث بات للتحول الرقمي والصناعات التكنولوجية دورٌ مركزي في بناء القوة الشاملة للدول.
_مرحلة جديدة في تطور الفكر القومي العربي_
واختتم خبير الجغرافيا السياسية محمد النادي تصريحه بالتأكيد على أن المدرسة الغزالية لا تمثل مجرد امتداد للناصرية أو البعثية، بل تشكل مرحلة ثالثة في مسار تطور الفكر القومي العربي؛ مرحلة تقوم على الواقعية السياسية، والعمل المؤسسي، وتدرج الخطوات، وتقوية الدولة الوطنية كمنطلق لأي مشروع وحدوي عربي مستقبلي.
مؤكداً علي أن القومية الغزالية هي مشروع قومي عصري يستفيد من دروس الماضي دون أن يُعيد إنتاج أخطائه، ويقدم نموذجًا قادرًا على التعامل مع متغيرات المنطقة بروح جديدة وأدوات حديثة تتجاوز الشعارات إلى الفعل المؤسسي الفعّال.
