مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون
رئيس مجلس الإدارة: السيد حمدي   رئيس التحرير: كمال سعد
رئيس التحرير التنفيذي: خالد عامر

محمد حسن حمادة يكتب:من الإبرة إلى الملعقة الفلسطينية..حكايات شعبية من فلسطين 

بعيدا عن ملحمة هروب الأسرى الفلسطينيين من سجن جلبوع الإسرائيلي لنترك ملعقة الحرية جانبا، هذه الملعقة البدائية التي عرت وفضحت وتغلبت على شبكة النظام الأمني التكنولوجي الحديث والمعقد للكيان الصهيوني، الذي تتباهى به إسرائيل وتدعي أنه الأفضل في العالم، هزمته ملعقة بسيطة وأذلت عنقه وهيلمانه وعنجهيته وصلفه وغروره، حكاية فلسطينية جديدة من حكاوي السينما فاقت الفيلم الأكثر شعبية في تاريخ هوليود، الذي كان يحكي عن هروب من أحد السجون العاتية من خلال نفق (Shawshank Redemption). لكن الشخصية الفلسطينية حوّلت السينما لواقع أكثر إبهارًا، بحفر نفق طويل بالمعالق والسكاكين البسيطة والأظافر(!).

دعونا من كل ذلك ولنتعمق سويا في تراثنا الشعبي العربي سنجد ملاحم وحكايات شعبية خلدها العقل الجمعي العربي على غرار قصة أبطال سجن جلبوع دون أن نعرف من كتبها بل تواترت إلينا بالسماع، رواية يحمل رايتها كل جيل ويسلمها للجيل الذي يليه، لتترسخ في الوجدان العربي وفي ضمير الأمة.

هذه القصص الشعبية تلجأ إليها الشعوب وقت الشدائد والمحن كنبراسٍ ومصباحٍ مضيء لها لقهر مآسيها والتغلب على آلامها، وجبة دسمة يقف أمامها التاريخ دون أن يعترض طريقها كقصة (على الزيبق) و(ألف ليلة وليلة) و(أبو زيد الهلالي) و(عنترة بن شداد) وغيرها من القصص والروايات التي تظل محفورة في ذاكرة الشعوب ولا أحد يجرؤ على التشكيك فيها أو المساس بها أو إنكارها.

من هذه الحكايات حكاية شعبية فلسطينية بسيطة ولكنها استوقفتني ووقفت أمامها مدهوشا، فكأنها كتبت اليوم تعبر عن حالنا الآني مع العدو الصهيوني المتبجح الذي سرق الأرض والعرض والمقدسات ويدعي المظلومية والبراءة، يلتهم الأرض ويحاصر أصحابها ويقتلهم بدم بارد على مسمع ومرأي العالم ويدعي أنهم إرهابيون، ويجب عقابهم(!) كحال النساج الفلسطيني بطل قصتنا الشعبية مع هذا اللص المتبجح، تماما كحال أسرى سجن (جلبوع) مع لصوص بني صهيون.

تقول الرواية: ذات مساء انتهى النساج من عمله اليومي فأغلق دكانه وترك إبرة طويلة مغروسة في النول، وفي الليل تسلل لص تعيس ليسرق الدكان وفتح الباب بمفتاح مزيف وفي عتمة الليل أخذ يبحث عن شئ ليسرقه فدخلت الإبرة التي تركها النساج في عين اللص ففقأتها.

أغلق اللص باب الدكان وخرج خالي الوفاض، وفي اليوم التالي شكا اللص أمره إلى الحاكم(!)

قد يهمك ايضاً:

كيف نهض المارد الصيني الاقتصادي؟

الإنتماء الوطني

أمر الحاكم بإحضار النساج وعندما حضر النساج سأله الحاكم: هل تركت إبرة طويلة في النول عندما غادرت دكانك أمس؟

النساج: نعم

الحاكم: هذا اللص المسكين فقد عينه بسبب إهمالكَ لقد كان يحاول سرقة دكانكَ وعندما أحنى رأسه انغرست الإبرة في عينه، هذا اللص المسكين فقد عينه بسبب غلطة منكَ(!) لذلك ستفقد عينكَ بذات الطريقة(!)

النساج: ولكن اللص جاء ليسرق دكاني وليس من حقه أن يدخل بالليل؟

الحاكم: نحن الآن ننظر فيما حدث وفوق ذلك فاللص لم يكسر باب دكانكَ ولم يسرق منه شيئا ولم يسبب أي ضرر لك والعدالة تقتضي أن تخسر عينكَ جراء إهمالكَ(!)

كيف أيها الحاكم لقد سرقوا أرضنا واغتصبوا عرضنا؟ كيف نجحوا في تحويل صاحب الأرض إلى إرهابي؟

وفي أي شريعة يزعم المغتصب أنه صاحب أرض؟ يكذب الكذبة ويصدقها لكن أن يقرها العالم فهذا دليل على جنون هذا العالم الذي فقد ضميره كرها أو طوعا على حد تعبير (روجيه جارودي) في كتابه (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) سحقا لعدالتكم المزيفة التي تغير التاريخ والوقائع وتلوي عنق الحقيقة، وإلى أن ينجلي زيفكم وينقشع كذبكم سنظل نفقأ أعينكم بإبرنا وستظل أظافرنا ومعالقنا مغروسة في جسدكم بحثا عن لحظة الخلاص، ليؤكد الشعب الفلسطيني للعالم أجمع أنه شعب عصي على الكسر وأن إرادته غير قابلة للاستسلام أو الهزيمة، ورغم القبضة القمعية للسجان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني الأعزل سيظل يحفر نفق الحرية.