مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

يقين …بقلم . محمد صقر 

 

يقين …بقلم . محمد صقر 

بتاريخ / 1 – ابريل – ٢٠٢٣ م 

 

 السيدات و السادة المتابعات و المتابعين الأعزاء و جمهور مصر البلد الكريم إليكم وافر التحية و التقدير  فأهلا و مرحبا بكم و بعد راق لي هذه المرة أن أطل عليكم بمقالتي المتواضعة.

يقين

و التي قد رأيتها مناسبة لأن تعتلي قائمة العرض أمام حضراتكم فتقرأونها فعساني أكون قد أجدت بقلمي في صياغة حروفها و إن كان الدافع الأكبر وراء كتابتي لها هو التماشي مع الأجواء الرمضانية السائدة و التي تتطلب منا جميعا وقفة صادقة مع الله – عز و جل – أولا و مع أنفسنا ثانيا و الانتباه بحق إلى عبادة جليلة كثيرا ما غفلت قلوبنا عنها و ألا و هي عبادة الدعاء .

و لذا أستهل فقرتي الثانية

بقوله تعالى – بسم الله الرحمن الرحيم – : – ” قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم … ” – صدق الله العظيم – و لعل هذا القول الكريم يبرز أمامي و أمامكم بمنتهى الوضوح خطورة السهو و الغفلة عن أمر عظيم كأمر الدعاء فغير أن الله – جل في علاه – يغضب ممن لا يسأله كما أعلم و كما تعلمون فهو سبحانه لا يعبأ بنا من الأساس لولا أن دعاه عبد من عباده في مسألة أو ألح عليه عبد من عباده في حاجة أو توسل إليه عبد من عباده كي يحقق له مراده و هذا إن حض على شيء فإنما يحض على ضرورة إدراك عبادة الدعاء و كذلك أيضا المحافظة عليها فنحن لا ندري أي دعوة ندعوها تقودنا إلى ما لم نكن نحلم به يوما ما و لعلنا جميعا نحيا أحلامنا واقعا و نبلغ بدعائنا ما لم نبلغه بأعمالنا .

و أقول بعد ذلك أنني قد اعترضتني أيام بالغة  الصعوبة كادت أن تودي بي – دون مغالاة – فلم تكن لتمر بسلام لولا أن دعوت الله ربي و تداركتني رحمته إذ كنت أدعوه بيقين داخلي تام ليفرج عني كربتي و ليقضي لي حاجتي و لا أبالغ مطلقا إن قلت لكم أنني ما نلت النجاة خلال هذه الأيام إلا بفضل الدعاء و عن تجربة شخصية أؤكد أنه ما خاب عبد قد دعا المولى قط فإن الله – تبارك و تعالى – حيي كريم يستحي أن تبسط يدا عبد من عباده و ترفع إليه ذات مرة و يردهما صفرا خائبتين و حاشاه أن يخذل عبدا يدعوه أو يرجوه أبدا بل حتما سيجيبه و لو كان الأمر في نظر العبد أشبه بالمستحيل فلا مستحيل عند المليك المقتدر الذي لا يرد سائلا و ما ذلك على الله بعزيز .

 و هنا دعوني أسلط الضوء على نقطة في غاية الأهمية و ألا و هي اليقين و لذا فلقد انتقيتها عنوانا لمقالتي هذه فإن الأهم – أعزكم الله – ليس فقط أن تدعو بل الأهم هو أن يكون قلبك مليئا باليقين بأنك سترد بعد الدعاء مجابا – غير مخذول – لا محالة لا غير ذلك و من هذا المنطلق قد كان حديث المصطفى – صلى الله عليه و سلم – : – ” ادعوا الله و أنتم موقنون بالإجابة … “

قد يهمك ايضاً:

انور ابو الخير يكتب : الآكلون علي كل الموائد .. عفوا نفذ…

أحمد سلام يكتب في يوم ..في شهر …في سنة !

و هو ما يعطينا  إيماء جليا بأن اليقين إذا استقر في قلب الداعي لم يرده الله إلا مجابا فيما دعاه به و لأن نقطة اليقين هي نقطة الفرق في هذه المسألة فقد كان نداء المولى – عز و جل – إلى ملائكته – إذا بلغ يقين داع مبلغه – : – ” يا ملائكتي اقضوا حاجة عبدي فقد غلب يقينه قدري. “

فحقا و صدقا إن الله عند ظن عباده به فما ظنكم برب العالمين !؟

و أضيف إلى ما سبق أنه لا بد أيضا ألا تكون قلوبنا غافلة أو لاهية عن ربها و هذا على وجه العموم و خاصة حينما نتوجه بالدعاء إلى الواحد القهار فقد ورد عن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – أنه قال في الحديث نفسه – المذكور أعلاه – : – ”

و اعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه . ” – عافاني الله و إياكم و أجاب دعاءنا جميعا – و انتقالا إلى جانب آخر فسأسرد بإيجاز قصة المرأة العقيم التي كانت لا تنجب و ذهبت إلى سيدنا موسى – عليه السلام – حيث جاءته طالبة منه أن يدعو الله لها حتى يرزقها بالذرية و بالفعل هو ما قد كان فأخبر الله – سبحانه و تعالى – كليمه موسى أنه قد كتبها عقيما فالله يهب لمن يشاء الذكور و يهب لمن يشاء الإناث و يجعل من يشاء عقيما و هذا هو ما ذكره الحق – سبحانه و تعالى – في كتابه الكريم إلا أن هذه العقيم جاءت موسى بعد فترة تحمل طفلا مما قد أثار العجب في نفس موسى – عليه السلام – فسألها عنه فكانت إجابتها بأنه ابنها .

 ‏و تساءل كليم الله بينه و بين نفسه فإذ كيف ذلك و قد كتبها الله عقيما !؟ فما كان تساؤله هذا إلا و قد كان جواب القريب المجيب أنها انصرفت من عند موسى و ذهبت تدعو ربها باكية فكانت كلما تدعو الله و تلح عليه أن يرزقها بالذرية كلما كانت رحمة الرحمن تسبق قدرته أي أن الله قد استحى أن يردها خائبة كما أننا لا تخفى علينا جميعا قصة الخباز الذي دعا ربه أن يريه الإمام أحمد بن حنبل فتلك هي قصة في حد ذاتها تعد عبرة لمن يعتبر و سأسردها باختصار شديد في قادم السطور . 

  ‏ قد كان الإمام أحمد بن حنبل غريبا في مدينة ما و لا يعرفه الناس هناك فبعد أن قضى ما قضى فيها و بلغ منه الإرهاق ما بلغ ذهب لينام بالمسجد فرآه حارس المسجد و قد رفض أن يقضي الإمام ليلته بائتا ببيت الله و أخرجه من المسجد بطريقة تبدو على نحو ما غير لائقة برجل كالإمام أحمد بن حنبل و سرعان ما رآه خباز بعد ما حدث و قد استحسن هيئته فعرض عليه أن يقضي ليلته عنده بالبيت فوافق الإمام أحمد بن حنبل و بعدما وصل هو و الخباز حيث البيت قد لاحظ أن الخباز يكثر من الاستغفار و كان الإمام يعلم جيدا فضل و فوائد الاستغفار إلا أنه قد دفعته نفسه للسؤال عن سر كثرة استغفار هذا الخباز و بالفعل قد سأله الإمام و قد كانت إجابة الخباز على النحو الآتي إذ ذكر أنه لم يدع الله بعد استغفاره بدعوة إلا و قد استجاب الله له فيها .

 إلا أنه كانت هناك دعوة واحدة كان الخباز قد اعتقد أن الله – سبحانه و تعالى – لم يجبه فيها و هذا هو ما ذكره في حديثه إلى الإمام أحمد بن حنبل و كانت تلك الدعوة التي يقصدها هي أنه يدعو الله دوما أن يريه الإمام أحمد بن حنبل و لم يره بعد فما كان من الإمام إلا أن بادره قائلا : – ” تالله لقد صدقت دعوتك و إنني أنا الإمام أحمد بن حنبل . “

و على الرغم من أنه قد صرح كثيرون من أهل العلم و الفقهاء المنوطين بهذا الصدد بأن هذه القصة عارية تماما عن الصحة إلا أنها تؤكد أن الدعاء هو سهم الله الصائب الذي لا يخطئ أبدا و تؤكد أيضا أنه مهما و إن طال الليل فلا بد للفجر من بزوغ و أنه مهما و إن ضاقت بنا الأحوال فالمسرة آتية آتية لذا فاستعينوا دائما و أبدا بالدعاء و لن تعجزوا بأمر الله . 

و أقول في الختام إنني واحد من الذين يوقنون تمام اليقين أن الله – سبحانه و تعالى – معطاء لأبعد الحدود و أوقن أيضا أن الدعاء سلاح رادع لا يقوى عليه أي سلاح آخر و لذا فأستشهد الآن ببعض الشعر الذي ألفه الإمام الشافعي – عليه رحمة الله – حينما قال : –  أ تهزأ بالدعاء و تزدريه 

  و ما تدري بما صنع الدعاء سهام الليل لا تخطئ و        لكن لها أمد و للأمد انقضاء و إلى هنا أسدل الستار ناصحا نفسي قبلكم بالتسلح بسلاح الدعاء و بشكل خاص حينما نخوض حروب الابتلاءات و الشدائد و الصعاب و المحن و لنجعل جميعا طلقات سلاح الدعاء من رصاص اليقين فمن المؤكد أنه إذا تم هذا الأمر فستصيب أي ضربات أينما وجهناها و من المؤكد أيضا أن  سفن الحيارى الذين اهتدوا بمنار الدعاء قد رست على بر اليقين .

و إلى هنا تغرب شمس قلمي آملة بربها كل الأمل أن تلقاكم -بمشيئة الرحمن – في سطور أخرى إن قدر الله لنا اللقاء و إن تبقت في العمر بقية .