بقلمي وريشتي – فاطمة أحمد ” مصــر “:
دائماً أمشي وراء إحساسي، وأراه نادراً ما يخطئ! قرأت خبراً في صحيفة عن التبرع بالأعضاء بعد الموت، وتضامناً مع إحساسي، قررت أن أوصي بذلك في حالة موتي في حادث!
* وها قد صدق ذلك الإحساس اللعين، حيث اصطدمت سيارتي بسيارة أخري، وكأن الأرض انشقت عنها فجأة أمامي، وهذا لا يعفيني من الخطأ، فقد سرحت للحظة، وكانت هي لحظة القدر!
* أخرجوني من السيارة جثة هامدة، بحثوا في أشيائي عن هويتي واسمي، قرأوا الورقة التي في حقيبة يدي (الوصيـة)! تلك الوصية التي أدهشت أهلي، وصدمتهم بشدة،وأغضبتهم مني رغم موتي، وانقسموا إلي فريقي، فريق يرفض بشدة تنفيذ الوصية، هذا الفريق هم أمي وإخوتي؛ فقد سبقني والدي بثلاث سنوات، الفريق الآخر هو عمي ، حيث أتي بمؤيدين له في تنفيذ الوصية!
*** *** ***
* في المشرحة رأيت الأطباء في انتظاري!
يا إلهي.! ما كنت أحسب أن الأمر سيكون بهذا الشكل!
لكن للحق، لقد تعامل الأطباء مع جثتي وكأنني مازلت حية، هذا في البداية! لكن بعد ذلك تغيرت المعاملة، كلٍ يريد أن يظفر بالعضو خاصته!
*هذه هي الغرفة الوحيدة (عمليات) التي يستخدم فيها (المشرط) دون (تخدير) ، فالإحساس يموت بموت صاحبه، لكن أقسم أنني شعرت بيد الطبيب وهو ينتزع قلبي من تجويف صدري المفتوح أمامه علي مصراعيه،رغم أنني لم أشعر بالمشرط!
آآآآهـ .. عيناي .. عيناي! حين قررت التبرع لم يخطر ببالي واللـه أنهم سيأخذون عيناي!
*** *** ***
*أخذت الممرضة عيناي في طبق معقوف، وهي تنظر إليهما في غيرة شديدة!
*** *** ***
* كفيَ .. كفيَ يا ملائكة الرحمة، فقد أفرغتم قفصي الصدري مما فيه !
* من بين الأطباء طبيب طماع للغاية، فهو يضع كلتا يديه ورأسه داخل صدري، ويعبث بأحشائي، وكأنه يبحث عن شئ فقد منه!
*** *** ***
* حمداً لله، أخيراً أغلقوا الفتحة التي أخذت صدري من أوله إلي
أخره، لكن يبدو أن الأمر لم ينته عند هذا الحد! أحدهم يمسك بذراعي، والآخر بساقي، يبدو أنهم سيجهزون علي تماما، ولن يتركوا شيئاً لأهلي يدفنونه؛ كي يزورونه،هاهاها .. لأول مرة أضحك بعد الحادث، وقد تخيلتهم يزورون قفصاً فارغاً، ربما بداخله فقط بضعة أمتار من الأمعاء، وجهازي الـ… يا لخجلي ، ممن سيغسلونني! لا يهم، لا يهم، وهل يهم الشاة سلخها بعد ذبحها؟.
* يا إلهي! بماذا أفكر أنا الآن، لا بد أن ألحق بقلبي وعيوني، كي أعرف مصيرهم!
* ماذا تحمل تلك الممرضة في هذا الوعاء الزجاجي؟!
إنه كبدي، وهاتان رئتاي مع ممرضة أخري وكليتاي، لا يهم، أنا لا أريد تلك الأشياء، فقط أريد أن أعرف من ذا الذي سيأخذ قلبي، ومن الذي سيري الدنيا بعيناي؟!
*** *** ***
* هذا صدر مفتوح علي مصراعيه في انتظار قلبي، بسرعة أيها الأطباء المهرة كي ألحق بعيناي!
يا إلهي.! لقد تم وضع عيني لرجل، وما كنت أريد ذلك، كنت أود لو وضعوهما لفتاة مثلي أو لطفل، لكن.. أحمد الله، شاء الله وما قدر فعل. سأنتظر حتي تستقر الحالتان.
ما أجمل ذلك الشاب الذي أخذ عيناي، ها هو يري بهما بعد طول ظلام وعمليات وتجارب فاشلة!
* عرفت أن التي حملت قلبي فتاة جميلة؛ لكنها ليست أجمل مني! ها هي تخرج من حجرتها، وفي المقابل الشاب، آآهـ لو استطعت أن أجمع بين قلبي وعيناي!
* أري الفتاة تقترب بلهفة من الشاب، تنظر في عينيه، لكن الشاب لا يعيرها أي اهتمام، كأنه لا يراها، فقط ينظر بإعجاب شديد إلي تلك اللوحات المعلقة فوق الجدران، فمنهما لوحة تشبه كثيرا لوحة من لوحاتي!
* فجأة ينظر من النافذة إلي حديقة المستشفي، يلمح الفتاة التي تحمل قلبي وهي تسير جنبا إلي جنب بأمي وإخوتي، ويطالع جثماني الذي يحملونه في صندوق، وأصوات، أصوات تساقطت لها دموعه من عيناي!