مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

‏من رفادة هاشم إلى سماط الأشراف: المائدة بوصفها نظامًا اجتماعيًا في مكة

بقلم الشريف محمد بن علي الحسني 

قد يهمك ايضاً:

قمة الدبلوماسية في القاهرة: مصر وعُمان ترسمان خارطة طريق…

«رائد» تطلق أول شبكة إعلامية لدعم تحقيق أهداف مبادرة…

مؤرخ وباحث في تاريخ مكة والحجاز – رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

لم يكن السماط الوارد في المصادر الحجازية نوعًا من الطعام، ولا اسمًا لوجبة بعينها، بل كان مؤسسة اجتماعية وسيادية مكتملة، تمثّل أحد أرقى مظاهر التنظيم الاجتماعي في مكة المكرمة في عهد الأشراف من بني هاشم. فالسماط الحجازي هو المائدة الملكية الهاشمية، التي تجاوزت وظيفتها الغذائية لتغدو لغة حكم، وأداة تمثيل اجتماعي، ومرآة لحالة الاستقرار والرقي الحضاري في الحجاز. غير أن هذا المشهد المتقن لا يُفهم بمعزل عن جذره العميق؛ إذ يعود أصل هذا العمل العظيم إلى هاشم بن عبد مناف، جدّ النبي ﷺ، الذي أسّس في مكة مفهوم المائدة العامة المنظمة حين سنّ الرفادة والسقاية للحجيج.
لم يكن إطعام الحجيج عند هاشم فعل كرم فردي، بل سياسة اجتماعية واعية، حمّل فيها قريشًا مسؤولية جماعية تجاه ضيوف الله، وربط الخدمة بالقيادة، والشرعية بالعطاء. ومن هذا الأصل الهاشمي تَشَكَّل وعيٌ اجتماعي يرى في الطعام نظامًا، وفي الإطعام هوية، وفي المائدة فعل سيادة أخلاقية قبل أن تكون مظهرًا دنيويًا.
وفي عهد الشريف محمد بن بركات الحسني، أواخر القرن التاسع وبدايات العاشر الهجري، تتبدّى مكة مدينةً تُدار بمنطق مؤسسي في أدق تفاصيلها. يظهر السماط بوصفه الامتداد الحضاري الواعي لتلك السنّة الهاشمية الأولى، وقد اكتسب تنظيمًا دقيقًا ودرجات معروفة: السماط الكامل، وسماط الثلثين، وسماط النصف. في السماط الكامل تُعرض من كل صنف اثنا عشر طبقًا، بما يزيد على ستمائة طبق، مرصوفة بنظام مخصوص، يعرف فيه كل صنف موضعه كما يعرف كل جالس مقامه.
ويمتد السماط الواحد لأكثر من ستين مدعوًا يجلسون حول مائدة واحدة بلا كراسٍ ولا فواصل، في مشهد رمزي بالغ الدلالة على وحدة المجلس وتكافؤ الجلوس، رغم تفاوت المنازل. ومن عادة الجالسين الاستعانة بالجار لتناول الأصناف البعيدة، وهو سلوك اجتماعي يعكس روح المشاركة لا مجرد كثرة الطعام. أما القائمون على السماط فكانوا يقفون فوق المائدة نفسها، لا حولها، في هيئة احتفالية منظمة، تختلف عن الموائد الإفرنجية، وتؤكد خصوصية الطراز الحجازي.
ولم يكن هذا التنظيم ارتجالًا، بل كانت له هيئة اختصاصية تُعرف بهيئة شؤون السماط الهاشمي، تتألف من تسعة أشخاص، يرأسها مدير السماط الشيخ سراج جستنية، وتتولى إدارة السماط في الحضر والسفر بدقة وإبداع. وقد عُرفت عائلة جستنية تاريخيًا باختصاصها بهذا الشأن، ما يدل على أن السماط كان علمًا يُتوارث ونظامًا يُحفظ، لا عادة عابرة.
وتكشف المصادر أن السماط لم يكن محصورًا في مكة، بل خرج من الحجاز بوصفه نموذجًا حضاريًا. ففي عام 1924م نُظِّم أول سماط هاشمي خارج الحجاز في عمّان، وأجمعت الصحف على وصفه بآية في الإتقان، إذ اشتمل على مئات الأنواع من الأطعمة والحلوى المصنوعة في مكة، إضافة إلى مجسّمات فنية من الحلوى تمثل منابر المسجد الحرام، والجمال، والقلاع، والنخيل، ومظاهر من البيئة الحجازية.
لم يكن ذلك ترفًا بصريًا، بل عرضًا حضاريًا يزاوج بين الذوق والفن والسياسة والرمزية الدينية.
وجلس على ذلك السماط ملوك ومندوبون ساميون وشخصيات دولية ووفود من أقطار شتى، في مشهد يبيّن أن السماط كان أداة دبلوماسية ناعمة تُدار بها العلاقات، وتُقدَّم عبرها صورة الحجاز بوصفه مركزًا حضاريًا عربيًا إسلاميًا ذا تقاليد راسخة.
ومن هنا، فإن ورود أصناف متعددة في المصادر—ومنها المأمونية الحموية التي عُرفت في مكة منذ القرن السادس الهجري—لا يُقرأ بوصفه وصفًا لمطبخ فحسب، بل شاهدًا على قدرة السماط على استيعاب الوافد الثقافي وإدماجه ضمن نسق حجازي منظم دون فقدان الهوية. فالطعام هنا لغة اجتماع، لا مادة استهلاك.
السماط الحجازي، في جوهره، مسرح اجتماعي تُعرض عليه قيم الحكم الهاشمي: الكرم المنظّم، والعدالة في العطاء، والهيبة غير المتعالية، والقدرة على جمع المختلفين في مجلس واحد. وهو بهذا أحد أصدق مظاهر الحياة الاجتماعية في عهد الأشراف، ودليل على أن مكة لم تكن قبلة للعبادة وحدها، بل عاصمة لثقافة اجتماعية راقية، امتدّ جذرها من هاشم بن عبد مناف، وتجلّت في دولة الأشراف، وبقي أثرها شاهدًا على حضارةٍ صاغت الحكم بالخدمة، والسيادة بالمائدة لضيوف بيت الله .