تقرير: السيد يوسف
ليست القليوبية مجرد محافظة مجاورة للعاصمة، ولا شريطًا زراعيًا على أطراف دلتا النيل، بل هي واحدة من أقدم بقاع الاستقرار البشري في مصر، ومحطة مفصلية في تاريخ الدولة المصرية منذ فجر الحضارة وحتى العصر الحديث، حملت أدوارًا سياسية واقتصادية وإدارية متغيرة، وانتهت إلى كيان إداري مستقل له خصوصيته وثقله.
القليوبية في عمق التاريخ القديم
عرفت أراضي القليوبية الاستقرار البشري منذ العصور الفرعونية، وكانت جزءًا من الإقليم العاشر من أقاليم الوجه البحري، ولعبت دورًا زراعيًا محوريًا بفضل خصوبة الأرض وقربها من فرع النيل القديم.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن مدنًا مثل أتريب (بنها القديمة) وقليوب كانت مراكز إنتاج زراعي وإداري تخدم العاصمة الفرعونية في منف وطيبة ، من الفتح الإسلامي إلى العصر المملوكي ، مع دخول الإسلام مصر، أصبحت القليوبية جزءًا من التنظيم الإداري الجديد، وبرزت كمنطقة زراعية تمد الفسطاط ثم القاهرة بالغلال والمحاصيل ، وفي العصرين الأيوبي والمملوكي، زادت أهميتها بسبب موقعها كحلقة وصل بين الدلتا الشرقية والقاهرة، وظهرت القرى الكبرى التي تحولت لاحقًا إلى مدن قائمة.
القليوبية في زمن الدولة العثمانية
خلال الحكم العثماني، لم تكن القليوبية محافظة مستقلة بالمعنى الإداري الحديث، بل كانت تابعة لأقاليم الدلتا، وتحديدًا ولاية القاهرة ، واعتمد العثمانيون على القليوبية كمخزن استراتيجي للحبوب ومورد رئيسي للضرائب الزراعية، فيما خضعت إدارتها لنظام الالتزام، الذي منح كبار الملتزمين السيطرة على الأرض مقابل توريد الأموال للدولة، وبرغم قسوة النظام، فإن هذا العصر شهد توسعًا عمرانيًا وزراعيًا، وظهور عائلات كبرى لعبت أدوارًا اجتماعية وسياسية مؤثرة لاحقًا.
من مديرية إلى محافظة
مع إصلاحات محمد علي باشا، بدأت مصر تعرف شكل الدولة المركزية الحديثة، وتم إعادة تقسيم البلاد إلى مديريات.
وكانت القليوبية لفترة طويلة جزءًا من مديرية القليوبية والشرقية، قبل أن تستقل إداريًا تدريجيًا، إلى أن صدر القرار الرسمي باعتبارها محافظة مستقلة في منتصف القرن العشرين، في إطار إعادة تنظيم الإدارة المحلية وتخفيف الضغط عن القاهرة.
لماذا اختيرت بنها عاصمة للقليوبية “لم يكن اختيار مدينة بنها عاصمة للمحافظة قرارًا عشوائيًا، بل جاء نتيجة اعتبارات مدروسة:
الموقع الجغرافي المتوسط بين مدن المحافظة
العمق التاريخي لمدينة أتريب القديمة
الهدوء النسبي مقارنة بالمدن الصناعية
سهولة الربط بالقاهرة والدلتا عبر السكك الحديدية والطرق .
كما أن بنها لم تكن مدينة صدام أو صخب، بل مدينة إدارة وعلم وزراعة، ما جعلها مؤهلة لاحتضان الدواوين الحكومية والمؤسسات الإدارية.
أهم المعالم الأثرية والتاريخية بالمحافظة رغم أن القليوبية لم تُسلط عليها الأضواء سياحيًا بالشكل الكافي، إلا أنها تضم كنزًا من المعالم المهمة، أبرزها”
منطقة أتريب الأثرية ببنها
مسجد عمرو بن العاص بقليوب
قناطر محمد علي بالقناطر الخيرية
قصر محمد علي بشبرا الخيمة
عدد من التلال الأثرية” غير المكتشفة حتى اليوم القليوبية هوية لم تكتمل روايتها بعد
تاريخ القليوبية هو تاريخ الصمت الذي خدم الدولة دون ضجيج، والزراعة التي أطعمَت العاصمة، والمدينة التي فضّلت العمل على الاستعراض.
وربما حان الوقت لإعادة قراءة هذا التاريخ، لا بوصفه هامشًا تابعًا، بل كجزء أصيل من معادلة بناء الدولة المصرية عبر العصور.

