أحمد الشرقاوى
يمثل كتاب “مزاد الجواري والعبيد في الجزيرة العربية عبر العصور” دراسة تاريخية معمقة تحمل بصمة فكرية وإبداعية مميزة للمؤرخ الشريف محمد بن علي الحسني، الذي عُرف بقراءاته الجريئة في التراث والوقائع التاريخية، وسعيه الدائم إلى إعادة فهم الماضي بعيون الباحث المدقق والناقد.
الكتاب لا يقتصر على سرد تاريخي تقليدي للأسواق التي عُرفت في الجزيرة العربية عبر عصور مختلفة، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل اجتماعي وثقافي، يكشف كيف شكّل نظام الرق وتجارة العبيد ملامح الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتأثيرها على البنية القبلية والدينية، وعلى مسار العلاقات بين الشعوب.
إبداعات الكتاب: التوثيق الدقيق: اعتمد الشريف الحسني على مصادر متنوعة، بين كتب التراث والروايات الشفهية والوثائق النادرة، ليقدّم صورة متكاملة عن واقع أسواق العبيد والجواري.
التحليل النقدي لم يكتفِ بعرض الأحداث، بل قدّم قراءة نقدية تربط بين تلك الظواهر التاريخية والقيم الإنسانية المعاصرة، مسلطًا الضوء على مأساة الإنسان المستعبد.
اما عن الرؤية الإنسانية فقد يتجلى في الكتاب وعي إنساني عميق، إذ يضع القارئ أمام الأسئلة الأخلاقية المرتبطة بمفهوم الحرية والكرامة، في مواجهة مظاهر الاستغلال التي عرفتها المجتمعات القديمة.
وعن الربط الحضاري فقد أبرز المؤلف كيف كان لهذه التجارة أثر في التبادل الثقافي والحضاري، إذ حمل العبيد والجواري معهم فنونًا وعادات ومعارف، انصهرت لاحقًا في نسيج الجزيرة العربية.
اما عن أسلوبه الأدبي فى العرض، فقد تميز الحسني بلغة سلسة تجمع بين دقة الباحث وبلاغة المؤرخ، مما يجعل الكتاب ممتعًا للقارئ العادي، ومرجعًا مهمًا للباحثين المتخصصين.
يمثل هذا العمل إضافة نوعية إلى المكتبة العربية، لأنه يعالج موضوعًا حساسًا غالبًا ما يكتنفه الغموض أو التحفظ، ويقدمه في إطار علمي رصين، دون تهويل أو تجميل.
وهو بذلك يفتح أفقًا لفهم التاريخ الاجتماعي للجزيرة العربية، ويسهم في مراجعة نقدية للتراث من منظور إنساني وحضاري.
الكتاب في مجمله ليس مجرد دراسة عن “مزاد الجواري والعبيد”، بل هو رحلة عميقة في ذاكرة الجزيرة العربية، تسعى إلى استجلاء العبر من الماضي، وتأكيد أن الحرية والكرامة هما أثمن ما يملكه الإنسان. إنه عمل يتجاوز حدود السرد التاريخي الجامد، ليغدو لوحة نابضة بالحياة رسمها المؤرخ الشريف محمد بن علي الحسني بريشة الباحث المتأمل، حيث استطاع أن يمزج بين دقة التوثيق ودفء الحس الإنساني.
فهو لا يكتفي بكشف وقائع الأسواق والمزادات التي عرفتها الجزيرة العربية عبر العصور، بل يضيء الزوايا المظلمة التي أحاطها الصمت طويلًا، ويمنح القارئ فرصة نادرة للتأمل في مصائر البشر، وكيف كان استلاب الحرية يبدّد إنسانية الإنسان ويحوّله إلى سلعة تُباع وتُشترى. وبنفس القدر، يبرز الكتاب الوجه الحضاري لتلك الحقبة من خلال ما حمله العبيد والجواري من فنون ومعارف وثقافات انصهرت في نسيج المجتمع.
إنه عمل فكري فريد يزاوج بين البحث الأكاديمي الرصين واللغة الأدبية الرفيعة، ليضع القارئ أمام مرآة الماضي، ويجعله أكثر وعيًا بقيمة الحاضر، في رسالة مؤداها أن الحرية تظل تاج الكرامة الإنسانية، وأن التاريخ حين يُقرأ بعيون ناقدة واعية يصبح مدرسة للعبرة والبصيرة.
التعليقات مغلقة.