تفتحت عيناي على صورة قديمة بالية بالأبيض والأسود لرجل ضرير صدأ بروازها وتآكل بفعل الزمن، كان جدي رحمه الله يعلقها في حجرة نومه ودائما يتوقف أمامها كل صباح، كمن يسلم على روح ما زالت تسكن البيت!.
وعندما كنت أسأله لمن هذه الصورة ياجدي؟. فيجيبني باستهجان شديد وكأن مجرد السؤال إهانة: دي صورة القطب الكبير العارف بالله الشيخ سلامة العزامي عليه سحائب الرحمة والرضوان”. فألاحقه بسؤال آخر ومن هو الشيخ سلامة العزامي؟. فيجيبني جدي بهدوء وابتسامة صافية رقراقة وهو ينفض الغبار عن البرواز الصاج بيد مرتعشة: “لما تكبر حاتعرف”
كم انتظرت ذلك اليوم، سنوات طوال، وأنا أقف أمام الصورة، أُتفحص وجه ذلك الرجل الضرير ذي العينين المغمضتين، ثم جاء اليوم الذي لم أعد فيه طفلا أحاول فك لغز الصورة، بل رجلا يبحث عن أصل الحكاية، بدأت أقرأُ، أسأل، أستمع، أُسجل، فاكتشفت أن “الشيخ سلامة العزامي” رحمه الله لم يكن مجرد ولي بل كان رمزا للكرامة، والصدق، والإخلاص، عاش في عرب النجدي، لكن بلغت شهرته وكراماته الآفاق.
وها أنا ذا ياجدي عرفت واليوم، أُعيد ترتيب الصورة في ذاكرتي لأتأكد أنها لم تكن مجرد صورة بل هي رسالة لم تفتح بعد، ودرسا مبكرا لمعرفة الطريق، فأُعيد قراءة كل تفصيلة فيها وأتأمل وجه الولي الصالح، العابد، الزاهد، الناسك، وأدقق في عينيه (لا) لم يكن ضريرا أبدا فالحقيقة لا ترى بالعينين بل تشع من القلب فكان يرى ما لا يُرى بعين البصيرة ولم يكن غائبا، بل كان حاضرا في كل قلبٍ نقي كومضة من نور، يصدح في كل قلب يحب الخير ويبحث عن الهداية.
فالصورة القديمة بالأبيض والأسود كانت أشبه بلوحة، بل بوابة إلى عالم من نور، بحكايات لا تروى إلا للقلب، فالصورة لم تكن مجرد صورة، بل كانت حضورا خفيا وذكريات لا تمحى وبركة لا تنقطع.
لتظل هذه الصورة حتى بعد وفاة الشيخ تعلق في بيوت المريدين وقلوب الصالحين، لتروى سيرة الشيخ في المساجد والزوايا، ومنقوشة على جدران الأزهر الشريف.
الآن والآن فقط أدركت مقولة جدي رحمه الله التي كان يكررها دائما عن الشيخ: ما كان يطلب شيئا، ولا كان يملك شيئا، لكنه كان يملك كل شيء، كان يملك الحب، والوصل بالله، فسلام عليك يامولانا وعلى كل من سار على دربكَ وجعل من العلم والصدق طريقا وملاذا إلى الله وترك لنا الأثر.

