مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

محمد النادي: أزمة التعليم في مصر ليست في الاتساع … بل في غياب المشروع التربوي الشامل

أكد محمد النادي، أمين عام التعليم بحزب مصر 2000، أن التجربة المصرية في الاستثمار في التربية والتعليم خلال العقود الماضية لا يمكن توصيفها بالفشل، لكنها في الوقت نفسه لم ترقَ إلى مستوى النجاح المكتمل، مشددًا على أن الخلل الجوهري لا يكمن في عدد المدارس أو الجامعات، بل في غياب مشروع تربوي وطني متكامل يصنع الإنسان قبل أن يمنحه الشهادة.

وقال إن الدولة المصرية حققت توسعًا كميًا غير مسبوق في المنظومة التعليمية، سواء على مستوى البنية التحتية أو نسب الالتحاق أو التطوير الإداري، وهو ما يُحسب لها في ظل التحديات السكانية والاقتصادية، إلا أن هذا التوسع – رغم ضرورته – جاء على حساب سؤال أكثر عمقًا وتأثيرًا، وهو: ماذا نُعلّم؟ ولماذا نُعلّم؟ وأي إنسان نريد أن نُعدّه للمستقبل؟

وأوضح محمد النادي في تصريح لـه أن السياسات التعليمية ركزت لسنوات طويلة على إدارة التعليم بوصفه خدمة جماهيرية، بينما تراجع مفهوم التربية بوصفها عملية بناء للضمير والوعي والقيم والمسؤولية، مؤكدًا أن التربية ليست مادة دراسية ولا منهجًا مكتوبًا، بل هي مشروع وطني لتشكيل المواطن القادر على الفهم والنقد والمشاركة.

وأشار إلى أن وزارة التربية والتعليم نجحت في التوسع بالبنية التعليمية وخفض الكثافات وتحديث أدوات التدريس، لكنها لم تنجح بعد في تحقيق الانتقال الحقيقي من تعليم الطالب إلى تربية المواطن، حيث لا تزال المدرسة في كثير من الأحيان مساحة للحفظ لا للفهم، وممرًا للامتحان لا للحياة.

قد يهمك ايضاً:

وفيما يخص التعليم العالي، أوضح أن التحدي لم يعد في عدد الجامعات أو أعداد الخريجين، بل في نوع المعرفة المنتجة، لافتًا إلى أن أثر البحث العلمي في الاقتصاد الوطني لا يزال محدودًا، وأن العلاقة بين الجامعات ومشكلات الدولة الحقيقية ضعيفة، وأن الابتكار لم يتحول بعد إلى ثقافة مؤسسية عامة تخدم خطط التنمية.

وتطرق إلى ملف التعليم الخاص، مؤكدًا أنه لعب دورًا مهمًا في تخفيف العبء عن الدولة، ووفّر في بعض الحالات بيئات تعليمية أفضل، لكنه ظل في جوهره مشروعًا استثماريًا ناجحًا أكثر منه مشروعًا وطنيًا مكتملًا، حيث جرى التعامل مع الطالب كعميل، والشهادة كمنتج، دون أن ينعكس حجم الاستثمارات على دعم البحث العلمي أو إنتاج مبتكرين على نطاق واسع.

وأضاف “النادي” أن النظام التعليمي المصري نجح في زيادة أعداد المتعلمين، لكنه لم ينجح بالقدر الكافي في إنتاج مثقفين أو مخترعين كنتاج طبيعي للسياسات العامة، موضحًا أن الثقافة لا تُدرّس كمقرر، وأن الابتكار لا يولد من الامتحانات، بل من بيئة تحترم السؤال، وجامعة تبحث لا تُلقّن، ودولة تحمي الفكرة قبل أن تُحاسب صاحبها.

وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن مصر ليست أمام أزمة تعليم بقدر ما هي أمام لحظة مراجعة ضرورية، قائلًا:

نحن لا نحتاج إلى مزيد من الأرقام بقدر ما نحتاج إلى تصحيح البوصلة. السؤال لم يعد: كم مدرسة بنينا؟ بل: أي إنسان نصنع؟ وأي مجتمع نُعد له هذا الإنسان؟ حين تعود التربية إلى قلب التعليم، وحين يصبح البحث العلمي أداة دولة لا ترف جامعة، ساعتها فقط يتحول الإنفاق إلى استثمار، وتتحول الشهادة إلى قيمة، ويصبح التعليم فعل سيادة لا مجرد خدمة.