مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

لبنان بين نيران الإحتلال ومعادلات الإقليم

بقلم الأستاذ الدكتور  -هشام فخر الدين:

يتمتع لبنان بمكانة جيوسياسية فريدة في قلب المشرق العربي، إذ شكّل عبر تاريخه ملتقى الحضارات ومركزًا للتجارة والثقافة والتنوع الاجتماعي. وقد حافظ على دورٍ إقليمي بفضل موقعه الساحلي، ومركزه المالي وقدرته على إنتاج نخبة فكرية وسياسية أثّرت في محيطها العربي. ومع ذلك وجد لبنان نفسه منذ سبعينيات القرن الماضي أمام تدخلات وصراعات متشابكة، كان أبرزها التوغل الإسرائيلي الذي بدأ فعلياً مع الاجتياح عام 1978 ثم الغزو الشامل للبنان عام 1982.

إلا أن جذور الاحتلال تعود إلى عام 1967 حين احتلّت ميليشيا الاحتلال مزارع شبعا في أعقاب حرب يونيو، لتفرض واقعاً عسكرياً وجغرافياً مستمراً حتى اليوم. ومع تراكم الإعتداءات والاحتلالات الجزئية، وجد لبنان نفسه أمام مواجهة طويلة دفاعاً عن أرضه وحدوده وسيادته. ومنذ ذلك الحين ظل الاحتلال وأدواته محاولاً إعادة صياغة توازنات المنطقة عبر السيطرة على الجنوب وتطويع القرار اللبناني. وقد شكّل هذا الاحتلال بداية مرحلة مقاومة طويلة أعادت رسم حدود القوة والسيادة داخل لبنان والمنطقة.

ويشهد لبنان اليوم واحدة من أعقد لحظاته التاريخية منذ نهاية الحرب الأهلية، لحظة يتداخل فيها الصراع الإقليمي مع الهشاشة الداخلية، ويعود فيها شبح الحرب ليخيّم فوق دولة منهكة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. فما يحدث في لبنان ليس مجرد سلسلة من الإشتباكات على الحدود، كما ليس جولة محدودة من القصف المتبادل؛ وإنما إعادة تشكيل لجغرافيا الصراع، ومحاولة إسرائيلية لإعادة صياغة قواعد اللعبة بما يضمن لها تفوقاً استراتيجياً استعمارياً على حساب أمن وسيادة الجمهورية اللبنانية. وفي هذا السياق تنفذ ميليشيا الاحتلال الإسرائيلى عمليات عسكرية متواصلة داخل الأراضي اللبنانية، تشمل قصفاً جوياً واختراقات بطائرات بدون طيار واستهداف مواقع مدنية بذريعة وجود بنى تحتية للمقاومة. إلا أن الحصيلة الفعلية لهذه العمليات لا تقتصر على تدمير أهداف عسكرية، بل تمتد إلى مناطق مدنية مكتظة، الأمر الذي يضاعف حجم الخسائر البشرية والمادية، ويزرع حالة من الهلع بين السكان، ويجعل لبنان بأكمله عرضة لاشتعال أوسع.

وتتعامل ميليشيا الاحتلال مع الساحة اللبنانية باعتبارها امتداداً لصراعها مع محور إقليمي أكبر، ولذلك فإن عملياتها العسكرية لا يمكن فصلها عن حسابات سياسية داخلية لديها، أو عن محاولاتها المستمرة لفرض أمر واقع جديد في الشمال يعيد رسم حدود الإشتباك ويفرض على لبنان أثماناً باهظة. فالقصف المتكرر على الجنوب، والاستهداف المتعمد لمناطق مدنية في الضاحية وبيروت والبقاع، يُظهر بوضوح أن ميليشيا الاحتلال تتحرك بمنهج تكسير البنية الاجتماعية، وليس فقط ضرب البنية العسكرية. وهذا النهج الذي بدأ يثير غضباً دولياً متصاعداً، يعكس رغبة المحتل في استنزاف البيئة الحاضنة للمقاومة، وإحداث ضغط داخلي على القوى اللبنانية من أجل الحد من قدرة حزب الله على العمل.

ورغم إدعاء ميليشيا الاحتلال أنها ترد على تهديدات قائمة، إلا أن وتيرة عملياتها ودقة اختيار توقيتها، وطبيعة أهدافها، تؤكد أن ما يجري يتجاوز الردع إلى الهندسة السياسية، أي استخدام السلاح لترتيب مشهد داخلي لبناني يناسب مصالحها. ومن الواضح أن ميليشيا الاحتلال تراهن على هشاشة الدولة اللبنانية، وانقسام الساحة السياسية، والانهيار الاقتصادي، من أجل تحصيل مكاسب عسكرية وسياسية بأقل تكلفة. وهي تدرك أن لبنان، الغارق في أزماته، لا يمتلك ترف الدخول في مواجهة مفتوحة، ولا يمتلك بنية دولة قادرة على إدارة حرب طويلة أو حماية المدنيين بشكل فعّال.

في المقابل لا يزال حزب الله يُصر على التعامل مع الإعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية بمنطق توازن الردع، محاولًا تثبيت معادلة تمنع ميليشيا الاحتلال من توسيع دائرة العدوان. إلا أن هذه المعادلة على الرغم من صمودها النسبي، إلا أنها تتعرض اليوم لاختبارات قاسية، مع توسع الاستهدافات الإسرائيلية لتشمل قيادات عسكرية نوعية ومناطق لم تُمسّ منذ سنوات. وهذا يمثل تطوراً نوعياً إذ يشير إلى محاولة إسرائيلية لإحداث تغيير جوهري في بنية القوة لدى الحزب، وربما جرّه إلى مواجهة شاملة ذات تداعيات كارثية على لبنان كله، وليس على الحزب وحده.

قد يهمك ايضاً:

ومن ناحية أخرى فإن استمرار القصف الإسرائيلي يُفاقم الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الداخلي. فـــــــــ لبنان الذي يعاني من انهيار مالي غير مسبوق وفقدان مؤسسات الدولة لجزء كبير من وظيفتها، يجد نفسه اليوم أمام نزوح داخلي جديد في الجنوب والبقاع، وتدمير للبنى التحتية، وتوقف في قطاعات اقتصادية حساسة. وكل ذلك يعمّق أزمته الإنسانية ويزيد من معدلات الفقر والبطالة، ويهدد بفقدان ما تبقى من الاستقرار الاجتماعي. وبذلك تتحول الحرب بالنسبة لـــــ ميليشيا الاحتلال إلى وسيلة لإعادة لبنان عقوداً إلى الوراء، وإضعاف الدولة والشعب معاً، بطريقة تجعل قرار الحرب أو السلم خارج أيدي اللبنانيين.

وما يزيد المشهد تعقيداً هو العجز الدولي عن فرض وقف إطلاق نار مستدام أو حماية المدنيين. فالمؤسسات الدولية تكتفي بالبيانات، بينما تدرك ميليشيا الاحتلال أن المناخ الدولي في ظل الأحداث العالمية الأخرى، يمنحها هامش حركة واسع. كما أن المواقف العربية رغم تعاطفها اللفظي، لا تزال بعيدة عن تشكيل كتلة سياسية ضاغطة تعيد الاعتبار لحق لبنان في السيادة والحماية. ويراهن الاحتلال على هذا الفراغ للاستمرار في سياسته الهجومية، معتقداً أن اللحظة الإقليمية مناسبة لتصفية حسابات تراكمت منذ حرب 2006.

ولا يمكن تجاهل البعد الداخلي اللبناني في هذه الأزمة. فالدولة تعاني شللاً مؤسساتياً، وانقساماً سياسياً، وغياباً لتوافق وطني على مستقبل سلاح المقاومة، ما يجعل الموقف الرسمي اللبناني ضعيفاً وهشاً. وفي ظل هذا الإنقسام، يصبح المشهد الداخلي أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الخارجية، وأكثر قابلية للاهتزاز مع كل ضربة إسرائيلية جديدة. وهذا ما يراهن عليه المحتل تحديداً من تفكيك الداخل عبر تصعيد الخارج.

كما أن غياب رؤية وطنية موحدة لمستقبل لبنان يجعل المخاطر أكبر. فهناك جهات داخلية ترى أن مواجهة ميليشيا الاحتلال هي دفاع عن السيادة، وجهات أخرى ترى أنها مغامرة تعيق مشروع الدولة. وبين هذا وذاك، يضيع الموقف الرسمي وتتشتت الجبهة الداخلية. ومع كل صاروخ يسقط على الجنوب، يتعمق الانقسام أكثر، ويصبح لبنان رهينة لغياب مشروع سياسي جامع.

في ظل هذا الواقع يصبح السؤال الأساسي: إلى أين يتجه لبنان؟ هل هو أمام حرب مفتوحة قد تمتد لعمقه وتطال مدنه الرئيسية، أم أمام مرحلة ضغط تهدف لإعادة ترتيب الوضع السياسي الداخلي؟ أم أنه أمام سيناريو أكثر خطورة يتمثل في مسعى لتفتيت الدولة من الداخل عبر استمرار استنزافها الخارجي؟

وتشير المعادلات اليوم إلى أن استمرار العدوان الإسرائيلي لن يكون حدثاً عابراً، بل جزءاً من مسار جديد تسعى ميليشيا الاحتلال لفرضه، يقوم على إبقاء لبنان في حالة اللا حرب واللا سلم، وفي دائرة نزيف دائم يمنعه من النهوض أو استعادة توازنه. وفي المقابل لا يبدو أن لبنان يمتلك حالياً الأدوات اللازمة لكسر هذه المعادلة، طالما بقيت الدولة في حالة ضعف، والساحة الداخلية في حالة انقسام، والظروف الإقليمية والدولية في حالة سيولة.

إن ما يحدث في لبنان اليوم هو اختبار حقيقي لقدرته على البقاء دولة موحدة، ولقدرته على حماية شعبه وسط عاصفة إقليمية تهب عليه من كل الجهات. وميليشيا الاحتلال بما تقوم به من عدوان متواصل واستهداف منهجي، لا تسعى فقط إلى ضرب حزب الله، بل إلى إعادة تشكيل البيئة اللبنانية كلها بشكل يضمن لها سيطرة دائمة. وفي غياب مشروع وطني قادر على مواجهة التحديات، يبقى لبنان مهدداً بأن يتحول من دولة كاملة السيادة إلى ساحة دائمة للحروب بالوكالة، حيث يدفع شعبه وحده ثمن الصراع.