بقلم /آمنة الدبش
صحفية من قطاع غزة
يُحيي الشعب الفلسطيني في السابع من كانون الثاني/ يناير من كل عام يوم الشهيد الفلسطيني محطة تاريخية راسخة في الذاكرة الوطنية نستحضر فيها مسيرة النضال الفلسطيني منذ بداياته الأولى وصولاً إلى جرائم الإبادة الجماعية المتواصلة بحق شعبنا في قطاع غزة مشهدٍ يعكس حجم التضحيات وعمق المأساة التي لا تزال تتجدد.
في هذا اليوم نقف إجلالاً لأبطال سطروا بدمائهم الطاهرة صفحات مشرقة من الفداء والعطاء دفاعاً عن الأرض والكرامة والهوية الوطنية شهداؤنا لم يكونوا يوماً أرقاماً عابرة في سجل الصراع بل كانوا وما زالوا مناراتٍ تهدي درب الحرية وعنواناً ثابتاً للثبات والصمود في وجه الاحتلال.
▪︎ رمزية يوم الشهيد الفلسطيني
تكمن رمزية هذا اليوم تجديداً للعهد والوفاء لتضحيات الشهداء وتأكيداً على أن دمائهم كانت ولا تزال وقود الثورة وبوصلة النضال الفلسطيني بكافة أشكاله المشروعة وعنوان الصمود في وجه محاولات الاقتلاع والتصفية وتجسيداً لإرادة شعبٍ أبى الاستسلام وآمن بأن قضيته عادلة لا تموت وأن الاحتلال مهما طال إلى زوال ، فقد ترك الشهداء للأجيال القادمة رسالةً راسخة مفادها أن الحرية تُنتزع ولا تُمنح.
إن تكريم الشهداء لا يقتصر على الخطابات والشعارات بل يبدأ بضمان كرامة عائلته وتأمين حياةٍ كريمة تحفظ لهم الحد الأدنى من الاستقرار والإنصاف.
▪︎ معاناة بلا أفق
لم تقتصر مأساة حرب الإبادة الجماعية على أعداد الشهداء وحجم الدمار الهائل بل امتدت لتطال أُسر الشهداء التي تعيش وجعاً مضاعفاً فقد خلفت هذه الحرب آلاف الأرامل والأيتام الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام مسؤوليات تفوق أعمارهم وقدراتهم ، أمهات فقدن أبناءهن أو أزواجهن وأطفال حرموا دفء الأبوة والأمان ليكبروا على أصوات القصف وذكريات الفقد في مشهدٍ يجسد حجم الجريمة المرتكبة بحق الإنسان الفلسطيني.
ولا تواجه هذه العائلات الحزن وحده بل تصطدم يومياً بتحديات اقتصادية ونفسية واجتماعية خانقة في ظل غياب الحماية وانعدام مقومات الحياة الكريمة واستمرار العدوان الذي يحول الفقد إلى معاناة مفتوحة بلا أفق.
▪︎ الاجندات الخارجية
تُعد قضية الشهداء من أكثر الملفات حساسية في الوجدان الوطني الفلسطيني الأمر الذي جعلها هدفاً مباشراً لـ الأجندات الخارجية التي تسعى إلى توظيف هذا الملف الإنساني والوطني كورقة ضغط سياسي على السلطة الفلسطينية.
فبدلاً من التعامل مع حقوق أُسر الشهداء بوصفها التزاماً وطنياً وأخلاقياً غير قابل للمساومة يجري إخضاعها لاعتبارات سياسية ومالية في إطار محاولات فرض إملاءات تمس القرار الفلسطيني ، ويتمثل هذا التلاعب في ربط الدعم المالي والمساعدات الدولية بشروط تتعارض مع الثوابت الوطنية وابتزاز السلطة عبر التهديد بالعقوبات أو قطع التمويل ما ينعكس بشكل مباشر على أُسر الشهداء التي تجد نفسها ضحية صراع سياسي لا ذنب لها فيه ، وهكذا تتحول معاناة العائلات من قضية إنسانية عادلة إلى أداة ضغط تستخدم لتجريم النضال الفلسطيني وتشويه صورة الشهداء وإعادة تعريفهم وفق رواية الاحتلال وحلفائه.
إن إخضاع ملف الشهداء للابتزاز الخارجي لا يمس فقط كرامة عائلاتهم بل يشكل مساساً مباشراً بالسيادة الوطنية وبالحق الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، فالشهداء ليسوا بنداً تفاوضياً ولا ورقة مساومة بل عنوان كرامة وهوية وأي استجابة لهذه الضغوط تهدد النسيج الوطني وتعمق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية.
▪︎ الشهداء خط أحمر
عبارة لم تكن جملة تعبيرية أو كلمات عابرة بل شكلت موقفاً وطنياً ثابتاً يُجسد قدسية دماء الشهداء ومكانتهم الراسخة في الوجدان الفلسطيني، فالشهداء ليسوا رقماً في معادلة سياسية ولا ملفاً قابلاً للمساومة أو الابتزاز بل هم عنوان الكرامة الوطنية وجوهر القضية الفلسطينية.
وإن أي محاولة للمساس بحقوقهم أو بحقوق عائلاتهم أو الزج بملفهم في صراعات وضغوط خارجية تُعد تجاوزاً لهذا الخط الأحمر وتنكراً لتضحياتٍ شكلت الأساس في إبقاء القضية الفلسطينية حية رغم كل محاولات التصفية والطمس.
يبقى يوم الشهيد الفلسطيني شاهداً حياً على فداحة جرائم الاحتلال الإسرائيلي المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني ورسالة واضحة بأن حرب الإبادة لا تستهدف الأجساد فحسب بل تسعى إلى كسر إرادة الوجدان الفلسطيني وطمس روايته الوطنية وإن ما تتعرض له أُسر الشهداء في سياق حرب الإبادة الجماعية يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وجريمة تستوجب تحرّكاً عاجلاً وفاعلاً من المؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية لضمان حمايتهم وتأمين حقوقهم الأساسية.
إن تكريم الشهداء لا يكتمل إلا بصون كرامة عائلاتهم والوقوف إلى جانبهم في مواجهة هذا الظلم المركب، بوصفهم امتداداً حياً لتضحيات الشهداء وشهوداً على عدالة القضية الفلسطينية

