بقلم – د. إســلام جـمال الـديـن شـــوقي
خبير الاقتصاد ومحلل أسواق المال
عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي
لم يكن أحد يتصور أن تتحول فكرة “صندوق الطوارئ” من مجرد أداة مالية تستخدم لمواجهة الأزمات الصحية أو الكوارث الطبيعية، إلى وعاء استثماري مستقل يستقطب رؤوس الأموال والمضاربين والمستثمرين على حد سواء. إن الأحداث المتلاحقة في المنطقة، خاصة مع الصراع الأخير بين إيران وإسرائيل، دفعت عددًا من مراكز صنع القرار والشركات الاستثمارية الكبرى إلى إعادة النظر في أدواتها التقليدية، والبحث عن أدوات أكثر مرونة قادرة على مواجهة أزمات لا تعرف مواعيدها مسبقًا.
إن الحروب لم تعد تؤثر فقط على أسواق الطاقة والنفط والأسهم، بل باتت تمتد آثارها إلى حركة رؤوس الأموال وأولويات الصناديق السيادية، وحتى السياسات النقدية التي تتحكم في الإقراض والاستثمار، ومع هذا الواقع الجديد، بدأت فكرة “صندوق استثماري للطوارئ الجيوسياسية” تتشكل في الأفق، ولا يقتصر دور الصندوق على تأمين الأصول أو الحماية من الخسائر، بل يتحول بمرور الوقت إلى أداة ربحية تمتص توترات الأسواق وتستفيد من تقلبات الأسعار، سواء في السلع الأساسية، المعادن الثمينة، أو حتى سندات الدين الحكومية.
لقد كانت صناديق الطوارئ في السابق توجه بشكل رئيسي للحكومات والمؤسسات الدولية لمواجهة الجوائح، أو الكوارث البيئية. أما الآن، فإن الأزمات المسلحة المتكررة في الشرق الأوسط، وما يتبعها من تحولات في سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة، فرضت واقعًا جديدًا. لقد أصبحت صناديق الطوارئ أداة اقتصادية بديلة للاستثمار الآمن، يتسابق عليها المستثمرون، ليس لحماية أموالهم فقط، بل لتحقيق مكاسب مضاعفة من أسواق ترتجف مع كل خبر عاجل.
إن فكرة هذا الصندوق ليست بالضرورة أن يتحصن داخل السلع التقليدية كالذهب والنفط فحسب، بل يتجه أيضًا نحو أدوات غير تقليدية، كحصص في مشروعات تحلية مياه البحر، أو محطات تخزين الطاقة، أو حتى استثمارات في شركات الأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية. كل ذلك مدفوع بوعي جديد مفاده أن الحرب المقبلة قد لا تكون صاروخية بالضرورة، بل قد تندلع عبر شاشة حاسوب أو خلل في خطوط إمداد كهربائي.
وتشير التوقعات إلى أن دول الخليج، بفضل احتياطاتها النقدية الضخمة وخططها التوسعية، قد تصبح أول من يدشن فعليًا هذا النوع من الصناديق خلال النصف الثاني من 2025، والدافع الأساسي هو الرغبة في كسر الاعتماد على النفط، وتأسيس أدوات مالية تضمن لها التحكم في حركة الأسواق، وتمنحها القدرة على التحرك الذكي أثناء الأزمات الإقليمية.
وستواجه البنوك المركزية والمؤسسات النقدية الدولية هي الأخرى معضلة التعامل مع هذه الصناديق الجديدة، فهل تصنف كأداة مالية تحوطية بحتة؟ أم تندرج ضمن صناديق الاستثمار التقليدية؟ وكيف يمكن ضبط حركتها في السوق بحيث لا تتحول إلى أداة مضاربة خطيرة تزيد من هشاشة الأسواق في فترات الأزمات؟ كل هذه الأسئلة مطروحة الآن على طاولات صناع القرار المالي.
واللافت للانتباه أن هذه الفكرة لن تبقى حبيسة أسواق الشرق الأوسط فبعض دول آسيا وأمريكا اللاتينية التي تعاني من اضطرابات سياسية واقتصادية متكررة بدأت تدرس بالفعل جدوى تدشين صناديق طوارئ مشابهة، تركز على قطاعات الغذاء والدواء والطاقة النظيفة. في الوقت نفسه، تسعى كبرى المؤسسات المالية في أوروبا إلى إصدار تقارير عن أثر هذه الصناديق على حركة الأسهم والمؤشرات الإقليمية.
ومن المتوقع أن تشهد أسواق المال والبورصات الإقليمية والعالمية مع ظهور هذه الصناديق الجديدة تحولات واضحة في طريقة تفاعلها مع الأزمات. ففي السابق، كانت الأسهم الدفاعية مثل الغذاء، الصحة، والطاقة تحظى بالنصيب الأكبر من تدفقات السيولة وقت الحروب. أما الآن، فإن وجود صندوق طوارئ جيوسياسي يوجه أمواله إلى قطاعات محسوبة بعناية، سيعيد رسم أولويات المستثمرين. بعض الأسهم التي ظلت هامشية قد تصبح فجأة ملاذًا آمنًا بفضل ارتباطها بمشروعات البنية التحتية أو الأمن السيبراني.
وفي المقابل، قد تتعرض أسهم المضاربة أو القطاعات الأقل تحصينًا لموجات بيع عنيفة، خاصة مع كل إشاعة أو تهديد جيوسياسي جديد. هذه الديناميكية ستمنح الأسواق طابعًا أكثر اضطرابًا، لكنها في ذات الوقت ستوفر فرصًا غير تقليدية للمستثمرين الأكثر مرونة.
إن النقاش الأعمق الذي يدور حاليًا في أوساط خبراء الاقتصاد أن هذه الصناديق قد تتحول بمرور الوقت إلى نوع من “التأمين العسكري–الاقتصادي” غير المعلن. فبدلاً من أن تكتفي الدول بتكديس السلاح أو بناء تحالفات عسكرية تقليدية، ستخصص استثمارات استراتيجية في قطاعات حساسة تمكنها من استيعاب صدمات الحرب دون أن تدفع الثمن الاقتصادي الكامل.
وفي نهاية الأمر، نحن أمام واقع جديد لا يشبه أي مما سبق، سوق مالية عالمية تعيد ترتيب أولوياتها، ومجتمعات استثمارية تدرك أن الحروب لم تعد حدثًا استثنائيًا، بل جزءًا متكررًا من دورة الاقتصاد، وسواء قدم هذا الصندوق بوصفه أداة مالية تحوطية أو آلية تأمين ذكية، فإنه سيكون – بلا شك – سلاحًا اقتصاديًا جديدًا في زمن تتغير فيه قواعد اللعبة.
التعليقات مغلقة.