دكتود كمال الدلتوني يكتب : أهمية الاحتفال بميلاد النبي ﷺ في عصر التغريب … الميلاد الذي حمل الرحمة والمنّة والنور
عندما نتأمل في كتاب الله تعالى، نجد إشارات متكررة تُبيّن عظمة وجوده الشريف، وفضل بعثته، وأهمية رسالته.
القرآن الكريم ركّز على أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم هو رحمة للعالمين، كما قال تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
وصرّح أن بعثته منّة عظيمة على المؤمنين، فقال جل جلاله:
{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ…} [آل عمران: 164].
ووصفه بالنور الذي أشرقت به الأرض:
{قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة: 15].
ثم بيّن أن وجوده بين الناس أمان ورحمة:
{وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33].
هذه الآيات، إذا جمعناها معًا، تكشف أن الميلاد الشريف لم يكن حدثًا تاريخيًا عاديًا، بل كان بداية نزول الرحمة، وابتداء المنّة، وطلوع النور، وميلاد الأمان للبشرية. ومن هنا، فإن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف ليس بدعة ثقافية طارئة، بل هو تعبير وجداني عن فرحٍ أمرنا القرآن به ضمنًا حينما قال تعالى:
{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} [يونس: 58].
وقد فسّر كثير من العلماء أن “فضل الله” هو القرآن، و”رحمته” هو محمد صلى الله عليه وسلم.
إذن، نحن أمام حدث قرآني بامتياز: الفرح بالرسول فرحٌ بالله، والفرح بالله فرحٌ بالرسول.
أولاً: لماذا نحتاج للاحتفال بالمولد في عصر التغريب؟
نعيش اليوم في عالم يموج بالأفكار المستوردة، وبخطابات التغريب التي تحاول أن تفصل الأمة عن هويتها. هذه الخطابات لا تهاجم الدين بالضرورة مواجهة صريحة، لكنها تعمل على تفريغ الرموز الدينية من معناها، وتحويلها إلى مجرد تاريخ جامد.
في هذا السياق، يصبح الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مجرد مناسبة دينية؛ إنه عمل مقاومة ثقافية ضد التغريب، ورسالة تقول: نحن متمسكون بجذورنا، ونستمد من رسولنا ﷺ قوة مواجهة التيارات الفكرية الوافدة.
فالاحتفال هنا ليس طقوسًا شكلية، بل هو ذاكرة جماعية تحفظ للأمة جذورها، وتجعل النبي صلى الله عليه وسلم حاضرًا في الوعي العام للأمة، بدلاً من أن يُختزل في مناهج باردة أو في خطابات وعظية متقطعة.
ثانياً: الشباب بين التغريب والإرهاق النفسي
الشباب اليوم يعيش أزمة مزدوجة:
1. أزمة فكرية: حيث يتعرض لأفكار إلحادية، أو علمانية متطرفة، أو تصورات مشوشة عن الدين تُقدّم له عبر الإعلام أو منصات التواصل.
2. أزمة نفسية: تتجلى في ضغوط الحياة، والقلق، والاكتئاب، وفقدان المعنى.
الاحتفال بالمولد النبوي هنا يتحول إلى مساحة علاجية ومعنوية للشباب:
• حين يُذكَّر الشاب بأن وجود النبي صلى الله عليه وسلم هو “رحمة”، يدرك أن الدين ليس قيدًا أو عبئًا، بل هو راحة وسكينة.
• حين يُقال له إن الله “مَنَّ” على الأمة برسولها، يشعر بأن الدين ليس فراغًا أو حرمانًا، بل هو عطاء ومنّة.
• حين يقرأ أن النبي صلى الله عليه وسلم “نور”، يدرك أن الاقتداء به هو خروج من ظلام الحيرة إلى وضوح المعنى.
• وحين يعلم أن وجوده ﷺ “أمان”، يدرك أن التعلق به هو حماية من الانهيار النفسي والفكري.
الشباب اليوم لا يحتاج فقط إلى محاضرات عقلية، بل إلى رموز يعيش معها وجدانيًا. والمولد النبوي يتيح هذه اللحظة الروحية التي يجد فيها الشاب سندًا ومعنى ودفئًا في عالم بارد.
ثالثاً: الفرح بالمولد كرسالة حضارية
في زمن العولمة، حيث تسعى القوى الكبرى لفرض أنماط حياتها وقيمها، يصبح الفرح بمولد النبي صلى الله عليه وسلم إعلان هوية. نحن نفرح بميلاد قائدنا ومعلمنا، كما تفرح الشعوب بذكرى قادتها ورموزها الوطنية، لكن فرحنا ليس قوميًا محدودًا، بل هو فرح إنساني عالمي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُرسل إلى العرب وحدهم، بل كان رحمة للعالمين.
إن الأمة التي تحتفل بمولد نبيها، هي أمة تقول للعالم: “لا زال لنا مرجع وهوية، ولسنا فراغًا ثقافيًا يُملأ بما يريده الآخر”.
رابعًا: المولد طاقة نور للشباب في زمن الظلام
في عصر التغريب، يصبح الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فعلًا من أفعال المقاومة الثقافية والروحية. إنه ليس طقسًا ماضويًا، بل هو خطاب معاصر للشباب: أنتم لستم بلا قدوة، ولستم بلا معنى، فقد جاءكم رسول من أنفسكم، نور ورحمة وأمان.
الفرح بالمولد هو تذكير بأن هذا الدين ليس نظرية جامدة، بل هو حياة ونور وسكينة. وإذا أراد الشباب أن يجدوا المعنى في زمن الحيرة، فليتأملوا في يوم وُلد فيه الرحمة للعالمين.
ختاما:
من المهم أن نوضح للشباب المغيب فكريًا أن الاحتفال بالمولد لا يعني ابتداع دين جديد، بل هو تعبير عن حب مشروع.
نحن لا نعبد المولد، ولا نضيف إلى الدين ما ليس منه، بل نتخذ من المناسبة فرصة لقراءة السيرة، والإكثار من الصلاة على النبي، والتذكير بفضائله.
وقد قال العلماء: “الفرح بالنبي صلى الله عليه وسلم مطلوب في كل حين، فإذا اجتمع الناس عليه في يوم ميلاده كان ذلك مظهرًا من مظاهر المحبة”.
التعليقات مغلقة.