حين يُعاد تصنيع الإنسان: السرد بوصفه تجربة قاسية في رواية «أصل الأنواع» لأحمد عبد اللطيف..قراءة نقدية
بقلم – حسن غريب :
ناقد باحث روائي
تمثل رواية «أصل الأنواع» لأحمد عبد اللطيف واحدة من أبرز نماذج السرد العربي المعاصر المنحاز إلى التفكيك والتجريب، حيث تُبنى الرواية لا بوصفها حكاية مكتملة العناصر، بل بوصفها خطابًا معرفيًا يضع الإنسان موضع اختبار دائم. لا يتقدّم السرد وفق منطق سببي أو زمني، وإنما يتشكّل عبر مقاطع وتأملات ووثائق متخيلة، بما ينسجم مع رؤية الرواية التي تنزع عن الإنسان صفته المركزية، وتعيد تعريفه بوصفه كائنًا مُعادَ الصنع داخل منظومات السلطة والمعرفة.
يشتغل العنوان بوصفه عتبة دلالية كاشفة، تستدعي المرجعية الداروينية لا بهدف التناص العلمي، بل بوصفها مجازًا ثقافيًا يُعاد توظيفه لفضح آليات “التطور القسري” التي تُنتج الإنسان المطيع والمنضبط. وضمن هذا السياق، تظهر الشخصيات بوصفها نماذج إنسانية غير مكتملة التكوين النفسي، أقرب إلى نتائج تجريبية منها إلى ذوات سردية تقليدية، في تقاطع واضح مع تصورات الخطاب الفلسفي الحديث حول السلطة والانضباط.
تعتمد الرواية لغة محايدة، شبه علمية، خالية من البلاغة الزائدة، وهو اختيار جمالي واعٍ يُحاكي مناخ التجربة ويعزّز من برودة العالم الروائي. هذه اللغة، إلى جانب تفكيك الحبكة وغياب التحديد الزماني والمكاني، تُسهم في خلق نص تجريدي يُحمِّل القارئ مسؤولية إنتاج المعنى.
نقاط القوة
تماسك الرؤية التجريبية
يتكامل الشكل السردي مع المضمون الفلسفي، بحيث يصبح التفكيك خيارًا جماليًا لا نزوة شكلية.
عمق الطرح الفكري
تنجح الرواية في مساءلة مفاهيم الإنسان، والتطور، والسلطة، دون السقوط في المباشرة أو الخطابية.
توظيف دلالي واعٍ للعنوان
يشكّل العنوان مفتاحًا قرائيًا مركزيًا يوجّه فهم النص منذ العتبة الأولى.
اقتصاد لغوي مقصود
اللغة الجافة تخدم رؤية النص، وتُحاكي عملية نزع الإنسانية عن موضوع السرد.
انسجام العمل مع مشروع الكاتب
تُعد الرواية امتدادًا طبيعيًا لمسار أحمد عبد اللطيف القائم على التجريب وتقويض السرد المألوف.
نقاط الضعف / مساحات التطوير
نخبوية التلقي
يتطلب النص قارئًا ذا خبرة نقدية، ما يحدّ من انتشاره لدى القراء العاديين.
تراجع البعد الوجداني
غياب التعاطف مع الشخصيات قد يُضعف الارتباط العاطفي بالنص.
تكرار الفكرة المركزية
في بعض المقاطع، تتكرر الأطروحة الفلسفية دون إضافة سردية نوعية.
التجريد المكاني والزماني المفرط
قد يؤدي الغياب شبه الكامل للإطار الواقعي إلى شعور بالبرودة أو الانفصال.
المراجع
أحمد عبد اللطيف، أصل الأنواع، دار العين للنشر، القاهرة، ط1.
ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة جورج أبي صالح، دار الطليعة، بيروت.
ميشيل فوكو، أركيولوجيا المعرفة، ترجمة سالم يفوت، المركز الثقافي العربي.
سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي، المركز الثقافي العربي.
جورج لوكاتش، نظرية الرواية، ترجمة حنا عبود، وزارة الثقافة السورية.
عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير: من البنيوية إلى التشريحية، المركز الثقافي العربي.

