مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

حين يصمت العقل النقدي: هل ما زال المثقف العربي ضمير الأمة؟

الدكتور حسن العاصي
باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 

حين تتكاثر الأزمات وتتشابك الأسئلة، يغيب الصوت الذي كان يومًا ضمير الأمة، ويعلو ضجيج الخطابات الشعبوية والإعلامية. فهل ما زال المثقف العربي قادرًا على أن يكون عقلًا نقديًا حاضرًا، أم أن صمته أصبح جزءًا من أزمة الوعي الجمعي؟

يشهد العالم العربي منذ عقود جملة من الانكسارات المتلاحقة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية التي تتسم بالتحولات العاصفة يطفو على السطح سؤال جوهري يلحّ على الوعي الجمعي: أين هم المثقفون العرب؟ وأين أصواتهم التي كان يُفترض أن تكون البوصلة الفكرية والضمير النقدي في مواجهة الأزمات الكبرى؟ لقد عرف التاريخ العربي الحديث مثقفين كانوا في طليعة الحركات التحررية، ومشاريع النهضة، وصياغة الخطاب الإصلاحي، لكن المشهد الراهن يكشف عن فراغ مقلق، وعن غياب شبه كامل لدورهم في الساحة السياسية والاجتماعية، وكأنهم انسحبوا إلى هوامش معزولة أو صمتوا أمام ضجيج الخطابات الشعبوية والإعلامية.

لقد كان حضور المثقفين العرب في القضايا الكبرى يومًا ما علامة فارقة في مسار الأمة؛ فطه حسين، على سبيل المثال، لم يكن مجرد أديب، بل كان صوتًا إصلاحيًا جاهر بضرورة التعليم المجاني وربط الثقافة بالحداثة، فيما مثّل عبد الرحمن الكواكبي بكتابه طبائع الاستبداد صرخة مدوّية ضد الطغيان السياسي، داعيًا إلى الحرية والعدالة. أما جمال الدين الأفغاني فقد حمل مشروعًا فكريًا وسياسيًا لمقاومة الاستعمار والدعوة إلى وحدة الأمة الإسلامية، بينما جسّد نجيب محفوظ في رواياته تحولات المجتمع المصري والعربي، كاشفًا تناقضاته وصراعاته الداخلية. وفي العصر الحديث، برز إدوارد سعيد كأحد أبرز الأصوات العالمية المدافعة عن القضية الفلسطينية، فضح خطاب الاستشراق الغربي وأعاد الاعتبار لصوت الشرق في مواجهة الهيمنة. وإلى جانب هؤلاء، ظهر مثقفون معاصرون مثل فاطمة ناعوت، تركي الحمد، ومحمد صادق، الذين ساهموا في النقاشات الفكرية حول الحرية والعدالة والهوية. كما لعب مثقفون مغاربة مثل محمد عابد الجابري وعبد الكبير الخطيبي أدوارًا محورية في تجديد الفكر العربي، فيما شاركت أصوات بارزة مثل مليكة العاصمي ومئات المثقفين المغاربة في بيانات جماعية للدفاع عن فلسطين ورفض سياسات التطبيع. هذه النماذج تؤكد أن المثقف العربي، قديمًا وحديثًا، كان حاضرًا في قلب المعركة الفكرية والسياسية والاجتماعية، وأن غيابه اليوم يطرح سؤالًا وجوديًا حول مصير الفكر العربي ودوره في مواجهة التحديات الراهنة.

هذا الغياب لا يمكن قراءته فقط بوصفه تقصيرًا فرديًا، بل هو نتاج منظومة معقدة من العوامل: تضييق الحريات، هيمنة السلطة على الفضاء العام، تحولات الإعلام الرقمي التي أزاحت المثقف التقليدي لصالح المؤثر السريع، إضافة إلى حالة الاغتراب التي يعيشها كثير من المثقفين في المنافي أو في عزلة داخل أوطانهم. وهكذا، أصبح المثقف العربي محاصرًا بين سلطة سياسية لا تمنحه مساحة، ومجتمع متشظٍ لا يمنحه الإصغاء، ووسائط إعلامية لا تمنحه المنبر.

إن طرح سؤال الغياب ليس مجرد ترف فكري، بل هو محاولة لإعادة مساءلة دور المثقف في زمن الأزمات: هل هو مغيَّب بفعل القمع، أم غائب بفعل العجز؟ وهل يمكن أن يستعيد مكانته كصوت نقدي وفاعل، قادر على صياغة مشروع حضاري يواجه الانهيارات المتتالية؟ إن الإجابة عن هذه التساؤلات تفتح الباب أمام مراجعة عميقة لمفهوم المثقف ذاته، ولعلاقته بالسلطة والمجتمع، ولحدود مسؤوليته الأخلاقية والفكرية في زمن تتكاثر فيه التحديات وتتشابك فيه القضايا العربية الكبرى.

 

المثقف بين الدور التاريخي والواقع الراهن

المثقف العربي لم يكن يومًا مجرد شاهد على الأحداث، بل كان في مراحل كثيرة الفاعل الأساسي وصاحب الكلمة المزلزلة التي تهزّ أركان السلطة وتوقظ وعي الجماهير. فمنذ بدايات النهضة العربية في القرن التاسع عشر، ارتبط اسم المثقف بمشاريع الإصلاح والتجديد، حيث كان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده يطرحان أسئلة التحرر والنهضة في مواجهة الاستعمار والجمود الفكري، وكان عبد الرحمن الكواكبي يكتب طبائع الاستبداد ليضع أمام الأمة مرآة تكشف عورات السلطة المطلقة. وفي القرن العشرين، برز طه حسين كرمز للحداثة والتنوير، داعيًا إلى تعليم مجاني يفتح أبواب المعرفة أمام الجميع، فيما جسّد نجيب محفوظ في أدبه تحولات المجتمع المصري والعربي، كاشفًا تناقضاته وصراعاته الداخلية، ومؤكدًا أن الرواية يمكن أن تكون وثيقة اجتماعية وسياسية بامتياز. أما إدوارد سعيد، فقد نقل صوت المثقف العربي إلى العالمية، حين فضح خطاب الاستشراق الغربي وأعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية في المحافل الفكرية الدولية.

لكن إذا كان المثقف في الماضي قد لعب دورًا رياديًا في صياغة الوعي الجمعي ومواجهة الاستبداد والاستعمار، فإن الواقع الراهن يكشف عن مفارقة مؤلمة: المثقف اليوم يبدو محاصرًا بين سلطة سياسية تُضيّق عليه وتدفعه إلى الصمت أو المنفى، ومجتمع متشظٍ لا يمنحه الإصغاء، وفضاء إعلامي صاخب يفضّل الإثارة السطحية على العمق الفكري. لقد تراجع صوت المثقف أمام هيمنة “المؤثر” في وسائل التواصل الاجتماعي، وأمام خطاب شعبوي يستهلك العاطفة بدل أن يبني العقل. وهكذا، تحوّل المثقف من ضمير الأمة إلى شاهد صامت، أو إلى باحث أكاديمي معزول في برج عاجي، بعيدًا عن ساحات الفعل السياسي والاجتماعي.

إن هذه المفارقة بين الدور التاريخي والواقع الراهن تطرح سؤالًا وجوديًا: هل المثقف العربي غائب بفعل العجز الذاتي، أم مغيَّب بفعل القمع والظروف الموضوعية؟ وهل يمكن أن يستعيد مكانته كصوت نقدي وفاعل، قادر على صياغة مشروع حضاري يواجه الانهيارات المتتالية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست مجرد بحث في الماضي، بل هي محاولة لاستشراف مستقبل الفكر العربي، وإعادة الاعتبار لدور المثقف كضمير حيّ للأمة في زمن الأزمات.

أسباب غياب المثقف العربي

 أولاً: القيود السياسية

أسباب غياب المثقف العربي عن المشهد العام متعددة، لكن يظل العامل السياسي هو الأكثر حضورًا وتأثيرًا. فالقيود السياسية المفروضة على حرية التعبير، والرقابة الصارمة على وسائل الإعلام والنشر، إضافة إلى الاعتقالات والملاحقات الأمنية، جعلت كثيرًا من المثقفين يختارون الصمت أو الانسحاب من الفضاء العام. إن المثقف الذي يُفترض أن يكون صوتًا نقديًا وضميرًا حيًا للأمة يجد نفسه محاصرًا بين خيارين أحلاهما مرّ: إما مواجهة السلطة بما يترتب على ذلك من قمع وسجن وتشويه، وإما الانكفاء إلى دائرة ضيقة من الكتابة الأكاديمية أو الأدبية التي لا تصل إلى الجمهور الواسع ولا تؤثر في السياسات العامة.

لقد تحوّل الفضاء السياسي في كثير من الدول العربية إلى ساحة مغلقة لا تسمح إلا بخطاب واحد، بينما يُقصى كل صوت مخالف أو نقدي. هذا الواقع جعل المثقف يعيش حالة من الاغتراب داخل وطنه، حيث تُصادر كتبه، وتُمنع مقالاته، ويُحاصر في الجامعات أو المؤسسات الثقافية التي تخضع بدورها لرقابة صارمة. ومع مرور الوقت، أصبح المثقف العربي إما منفيًا في الخارج، أو صامتًا في الداخل، أو محاصرًا في منطقة رمادية لا يستطيع فيها أن يمارس دوره الطبيعي في مساءلة السلطة وكشف تناقضاتها.

إن القيود السياسية لم تكتفِ بإسكات الأصوات النقدية، بل ساهمت أيضًا في خلق مناخ عام من الخوف والرقابة الذاتية، حيث أصبح المثقف يمارس رقابة على نفسه قبل أن تفرضها السلطة عليه، فيتجنب الخوض في القضايا الكبرى مثل الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، أو القضية الفلسطينية، خشية أن يُتهم بالتحريض أو المعارضة. وهكذا، تراجع دوره من فاعل أساسي في تشكيل الوعي الجمعي إلى مجرد مراقب صامت، أو في أفضل الأحوال، ناقد هامشي لا يُسمع صوته إلا في دوائر محدودة.

هذا الانسحاب القسري بفعل القيود السياسية هو ما جعل الساحة فارغة أمام خطابات أخرى أقل عمقًا وأكثر شعبوية، وأدى إلى فقدان المجتمع لمرجعية فكرية قادرة على مواجهة الأزمات الكبرى. إن المثقف الذي كان يومًا ما في طليعة الحركات التحررية والإصلاحية، أصبح اليوم مغيَّبًا بفعل منظومة سياسية لا ترى في الفكر النقدي إلا تهديدًا لسلطتها، وهو ما يفسر جانبًا كبيرًا من الغياب الذي نلمسه في المشهد العربي الراهن.

 

ثانياً: الأسباب الاجتماعية

إلى جانب القيود السياسية، يواجه المثقف العربي معضلة اجتماعية عميقة تتمثل في الانقسام البنيوي داخل المجتمعات العربية، وهو انقسام يضعف قدرته على التأثير الموحد ويحد من إمكانية أن يكون صوته جامعًا أو مرجعية مشتركة. فالمجتمعات العربية اليوم تعيش حالة من التشظي على مستويات متعددة: طائفية، مذهبية، قبلية، طبقية، وحتى جيلية، حيث تتباين أولويات كل فئة وتتصارع رؤاها حول الهوية والمصير. في ظل هذا الواقع، يجد المثقف نفسه أمام جمهور متشظٍ لا يتفق على قضية واحدة، ولا يمنح مساحة لخطاب عقلاني جامع، بل ينجذب غالبًا إلى الخطابات الشعبوية أو الدينية أو الإعلامية السطحية التي تخاطب العاطفة أكثر مما تخاطب العقل.

هذا الانقسام الاجتماعي جعل المثقف في كثير من الأحيان متهمًا بالانحياز، مهما كانت نواياه أو موضوعيته؛ فإذا تحدث عن الديمقراطية اتُّهم بأنه يتبنى خطاب الغرب، وإذا دافع عن العدالة الاجتماعية اتُّهم بأنه يثير الفتنة الطبقية، وإذا تناول قضايا الهوية اتُّهم بأنه يهدد الثوابت. وهكذا، أصبح المثقف محاصرًا بين جماعات متناحرة، كل منها تريد منه أن يكون صوتها الخاص، بينما هو يسعى لأن يكون صوتًا جامعًا للأمة. ومع غياب التوافق الاجتماعي، يفقد المثقف القدرة على بناء مشروع فكري موحد، ويتحول خطابه إلى مجرد صدى في فضاء منقسم لا يلتقي عند نقطة مشتركة.

كما أن التحولات الاجتماعية السريعة – من الهجرة والاغتراب إلى صعود طبقات جديدة بفعل الاقتصاد الريعي أو العولمة – ساهمت في تعميق الهوة بين المثقف والجمهور. فالمثقف الذي يتحدث بلغة الفكر والتحليل يجد نفسه أمام جمهور يبحث عن حلول آنية لمشكلات يومية، أو أمام فئات منشغلة بصراعات هوية وانتماء أكثر من انشغالها بمشروع حضاري طويل المدى. هذا التباين في الاهتمامات جعل المثقف يبدو وكأنه يتحدث بلغة لا تُفهم، أو يطرح أسئلة لا تجد صدى في واقع الناس المعيش.

قد يهمك ايضاً:

د. رشا الشريف تكتب السلام النفسي رحلة داخلية تبدأ بقرار

استقبال العام الجديد

إن الانقسام الاجتماعي إذن لا يضعف فقط تأثير المثقف، بل يهدد جوهر رسالته، لأنه يحول دون قدرته على صياغة خطاب جامع يواجه التحديات الكبرى مثل القضية الفلسطينية، التنمية، أو العدالة الاجتماعية. وفي غياب وحدة اجتماعية أو توافق حد أدنى، يصبح المثقف مجرد صوت معزول، مهما كانت قوة حجته أو عمق رؤيته، وهو ما يفسر جانبًا آخر من الغياب الذي يطبع المشهد العربي الراهن.

 

ثالثاً: التحولات الإعلامية وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي

من أبرز أسباب غياب المثقف العربي عن المشهد العام التحولات الإعلامية الجذرية التي شهدها العالم خلال العقدين الأخيرين، حيث انتقلت السلطة الرمزية من المثقف التقليدي إلى فضاء رقمي مفتوح تحكمه خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي. لقد كان المثقف في الماضي يحتكر المنابر الكبرى: الصحف، المجلات، الندوات، الجامعات، ودور النشر، وكان صوته يصل إلى الجمهور باعتباره المرجعية الفكرية التي تُصاغ من خلالها الرؤى والمشاريع. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذريًا؛ إذ أصبح الصوت الأقوى هو الأكثر إثارة، لا الأكثر عمقًا، وأصبحت الرسالة التي تنتشر هي تلك التي تُخاطب العاطفة اللحظية وتثير الجدل السريع، لا تلك التي تُبنى على تحليل عقلاني أو مشروع فكري طويل المدى.

وسائل التواصل الاجتماعي خلقت فضاءً جديدًا يهيمن عليه “المؤثرون” الذين يقيسون حضورهم بعدد المتابعين والإعجابات والمشاركات، بينما يقيس المثقف الحقيقي أثره بمدى قدرته على إحداث تغيير في الوعي الجمعي وصياغة خطاب نقدي. هذا التحول جعل المثقف يبدو وكأنه خارج اللعبة، إذ لم يعد يمتلك الأدوات التي تمنحه الانتشار السريع، ولا يملك القدرة على منافسة المحتوى الخفيف الذي يستهلكه الجمهور بكثافة. وهكذا، تراجع دوره من صانع رأي عام إلى مجرد صوت معزول في فضاء رقمي صاخب، حيث تُغرق الأصوات الجادة وسط بحر من الترفيه والسطحية.

كما أن الإعلام التقليدي نفسه لم يعد حليفًا للمثقف كما كان في الماضي، بل أصبح خاضعًا لاعتبارات السوق والسياسة، يفضل الإثارة والسبق الصحفي على التحليل العميق. ومع تراجع الصحافة الثقافية والفكرية، فقد المثقف منبره الطبيعي، واضطر إلى الانكفاء على إنتاج أكاديمي أو أدبي لا يصل إلا إلى نخبة محدودة. وفي المقابل، أصبح الجمهور الواسع يتلقى رسائله من مقاطع قصيرة، وشعارات سريعة، وصور مثيرة، ما جعل الفجوة بين المثقف والجمهور تتسع أكثر فأكثر.

إن هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي لم تضعف فقط دور المثقف التقليدي، بل أعادت صياغة مفهوم التأثير نفسه؛ فبدل أن يكون التأثير مرتبطًا بالمعرفة والعمق، أصبح مرتبطًا بالقدرة على إثارة الانتباه اللحظي. وهذا التحول يفسر جانبًا كبيرًا من الغياب الذي نلمسه اليوم، حيث لم يعد المثقف قادرًا على منافسة ديناميات الإعلام الجديد، ولم يجد بعد صيغة تُمكّنه من استعادة مكانته كصوت نقدي وفاعل في زمن تغلب فيه الصورة على الفكرة، والسرعة على العمق، والسطحية على التحليل.

 

رابعاً: الاغتراب أو الهجرة

إلى جانب القيود السياسية والانقسامات الاجتماعية والتحولات الإعلامية، يبرز عامل الاغتراب والهجرة كأحد أهم أسباب غياب المثقف العربي عن المشهد العام. فقد دفعت الظروف القمعية والاقتصادية والسياسية كثيرًا من المثقفين إلى مغادرة أوطانهم والعيش في المنافي، حيث وجدوا مساحة أوسع للتعبير والكتابة والنشر، لكنهم في المقابل فقدوا التواصل المباشر مع قضايا الداخل ومع نبض الشارع العربي. إن المثقف الذي يعيش في المنفى يكتب من موقع الحرية، لكنه يكتب أيضًا من موقع الانفصال؛ فهو يرى الواقع من بعيد، ويحلله بعين المراقب، لكنه يفتقد التفاعل اليومي مع تفاصيل الحياة التي تشكّل أساس الوعي الجمعي.

الهجرة والاغتراب لم تكن خيارًا فرديًا فحسب، بل أصبحت ظاهرة جماعية أفرغت الساحة الثقافية العربية من كثير من الأصوات النقدية والفاعلة. الجامعات الغربية والمراكز البحثية احتضنت هؤلاء المثقفين، فصار إنتاجهم الفكري موجّهًا إلى جمهور عالمي أو أكاديمي، أكثر من كونه موجهًا إلى الداخل العربي. وهكذا، نشأت فجوة بين المثقف في الخارج والجمهور في الداخل، حيث يقرأ الأول الواقع من منظور نظري أو مقارن، بينما يعيش الثاني أزمات يومية لا يجد لها صوتًا فكريًا حاضرًا في الساحة المحلية.

كما أن الاغتراب يخلق نوعًا من الانفصال النفسي والوجداني؛ فالمثقف المهاجر يعيش بين عالمين: عالم المنفى الذي يمنحه الحرية لكنه يضعه في عزلة ثقافية، وعالم الوطن الذي يظل حاضرًا في ذاكرته لكنه بعيد عن متناول يده. هذا الانشطار يجعل خطابه أحيانًا مثاليًا أو نظريًا، غير قادر على التفاعل المباشر مع تعقيدات الواقع المحلي. وفي المقابل، يظل المثقف في الداخل محاصرًا بالقيود، ما يجعل العلاقة بين الداخل والخارج علاقة مشوهة، حيث لا يستطيع المثقف المهاجر أن يكون صوت الداخل، ولا يستطيع المثقف المقيم أن يكون صوت الخارج.

إن ظاهرة الاغتراب والهجرة إذن لا تعني فقط فقدان المثقف لبيئته الطبيعية، بل تعني أيضًا فقدان المجتمع لجزء من نخبه الفكرية التي كان يمكن أن تشكّل قوة ضغط أو مشروعًا إصلاحيًا. ومع استمرار هذه الظاهرة، يتعمق الغياب، ويصبح المثقف العربي حاضرًا في الكتب والمؤتمرات العالمية، لكنه غائبًا عن ساحات الفعل السياسي والاجتماعي في أوطانه، وهو ما يفسر جانبًا آخر من الفراغ الذي يطبع المشهد العربي الراهن.

 

انعكاسات الغياب

إن غياب المثقف العربي عن المشهد السياسي والاجتماعي لا يُعد مجرد فراغ في الخطاب الثقافي، بل هو فراغ استراتيجي ترك آثارًا عميقة على بنية الوعي الجمعي ومسار القضايا الكبرى. فعندما يغيب الصوت النقدي والعقلاني، تُترك الساحة فارغة أمام خطابات غير عقلانية أو غير علمية، تتغذى على العاطفة والانفعال أكثر مما تستند إلى التحليل والمعرفة. وهكذا، يصبح المجال العام مهيأً لهيمنة الشعارات الشعبوية، والخطابات الدينية المتشددة، والمحتوى الإعلامي السطحي، التي تملأ الفراغ لكنها لا تقدم حلولًا أو مشاريع حقيقية.

هذا الغياب انعكس مباشرة على ضعف الوعي الجمعي بالقضايا الكبرى التي تشكّل جوهر الوجود العربي: القضية الفلسطينية التي تراجعت في سلم الأولويات، التنمية التي ظلت رهينة خطابات سياسية بلا رؤية، العدالة الاجتماعية التي تحولت إلى مطلب مؤجل، والهوية الثقافية التي باتت مهددة بالذوبان في عولمة بلا ضوابط. إن المثقف الذي كان يُفترض أن يربط هذه القضايا في مشروع حضاري متكامل، غاب أو غُيّب، ففقد المجتمع القدرة على صياغة رؤية جامعة تتجاوز التجزئة والانقسام.

كما أن غياب المثقف أدى إلى فقدان المجتمع لمرجعية فكرية قادرة على صياغة مشروع حضاري جامع. فالمثقف ليس مجرد كاتب أو مفكر، بل هو ضمير الأمة الذي يضع الأسئلة الصعبة ويقترح المسارات البديلة. ومع غيابه، أصبح المجتمع بلا بوصلة، يتأرجح بين ردود فعل آنية، وخطابات متناقضة، ومشاريع مبتورة لا تستند إلى رؤية فكرية متماسكة. هذا الفراغ جعل الأجيال الجديدة تبحث عن نماذج بديلة في فضاءات أخرى، سواء في الغرب أو في الإعلام الرقمي، ما عمّق أزمة الهوية وأضعف الثقة في قدرة الفكر العربي على إنتاج مشروع حضاري خاص به.

إن انعكاسات الغياب إذن ليست مجرد حالة ثقافية، بل هي أزمة وجودية تمسّ مستقبل الأمة العربية. فغياب المثقف يعني غياب النقد، وغياب النقد يعني غياب الإصلاح، وغياب الإصلاح يعني استمرار الدوران في حلقة مفرغة من الأزمات والانكسارات. لذلك، فإن استعادة دور المثقف ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة تاريخية لإعادة بناء الوعي الجمعي وصياغة مشروع حضاري قادر على مواجهة التحديات الكبرى.

 

المثقف كشرط لبقاء الأمة وصمودها

إن غياب المثقف العربي عن المشهد السياسي والاجتماعي ليس مجرد ملاحظة عابرة، بل هو أزمة بنيوية عميقة تمسّ حاضر الأمة ومستقبلها. لقد استعرضنا جملة من الأسباب التي تفسر هذا الغياب: القيود السياسية التي كبّلت حرية التعبير وحوّلت المثقف إلى صامت أو منفي، الانقسامات الاجتماعية التي جعلت خطابه يبدو منحازًا أو غير قادر على جمع المختلفين حول رؤية موحدة، التحولات الإعلامية التي أطاحت بدور المثقف التقليدي لصالح أصوات سريعة ومثيرة لكنها سطحية، وأخيرًا ظاهرة الاغتراب والهجرة التي أبعدت المثقف عن قضايا الداخل وجعلت إنتاجه الفكري موجّهًا إلى فضاءات بعيدة عن هموم الناس اليومية.

هذه الأسباب مجتمعة خلقت فراغًا خطيرًا في المجال العام، فراغًا تُرك ليملأه خطاب غير عقلاني وغير علمي، خطاب يستهلك العاطفة ويغذي الانقسام بدل أن يبني الوعي. ومع غياب المثقف، ضعف الوعي الجمعي بالقضايا الكبرى التي تشكّل جوهر الوجود العربي: فلسطين التي تراجعت في سلم الأولويات، التنمية التي ظلت شعارًا بلا مشروع، العدالة الاجتماعية التي تحولت إلى حلم مؤجل، والهوية الثقافية التي باتت مهددة بالذوبان في عولمة بلا ضوابط. إن المجتمع الذي يفقد مثقفيه يفقد مرجعيته الفكرية، ويصبح بلا بوصلة، يتأرجح بين ردود فعل آنية ومشاريع مبتورة لا تستند إلى رؤية حضارية متماسكة.

لكن رغم هذا الغياب، يبقى المثقف العربي مدعوًا إلى استعادة دوره التاريخي، ليس عبر العودة إلى المنابر التقليدية فحسب، بل عبر إعادة صياغة حضوره بما يتناسب مع التحولات الجديدة. فالمثقف اليوم مطالب بأن يجد لغة جديدة تصل إلى الجمهور، وأن يواجه الانقسام الاجتماعي بخطاب جامع، وأن يتحدى القيود السياسية بجرأة مسؤولة، وأن يحوّل المنفى إلى مساحة إنتاج لا عزلة. إن استعادة دور المثقف ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية، لأن الأمة التي تفقد مثقفيها تفقد قدرتها على النقد والإصلاح، وتظل أسيرة أزماتها.

إن السؤال الذي بدأنا به المقال – أين هم المثقفون العرب؟ – لا يجب أن يبقى سؤالًا معلّقًا، بل يجب أن يتحول إلى دعوة لإعادة الاعتبار لدور المثقف كضمير حيّ للأمة، وكصوت نقدي قادر على صياغة مشروع حضاري جامع يواجه الانهيارات المتتالية. فالمستقبل لا يُبنى بالشعارات ولا بالخطابات الشعبوية، بل يُبنى بالفكر النقدي، بالوعي الجمعي، وبحضور المثقف الذي يضع الأسئلة الصعبة ويقترح المسارات البديلة. إن عودة المثقف إلى قلب المشهد ليست خيارًا، بل هي شرط أساسي لبقاء الأمة وصمودها أمام تحديات العصر.