بقلم دكتور : عمرو ابو الوفا
الخبير الاقتصادي ومدير منطقة المنيا للإصلاح الزراعي.
تطوير المؤسسات الزراعية لم يعد ترفًا إداريًا أو عملية شكلية، بل أصبح ضرورة حتمية يفرضها الواقع الزراعي وتحديات الأمن الغذائي. فالقطاع الزراعي يشهد تغيرات سريعة وضغوطًا متزايدة على الموارد، ولا يمكن لمؤسساته أن تستجيب لهذه التحولات إلا إذا تمت إعادة بنائها على أسس حديثة تضمن الكفاءة والشفافية والقدرة على اتخاذ القرار.
تبدأ عملية التطوير من داخل المؤسسات نفسها، من خلال تحديث الهياكل الإدارية ورفع كفاءة الكوادر العاملة. فالإدارة التقليدية لم تعد قادرة على التعامل مع حجم المشروعات الزراعية الحالية. ولهذا أصبح تدريب العاملين وتأهيلهم علميًا وعمليًا جزءًا رئيسيًا من عملية التحديث، إلى جانب وجود نظم واضحة لتقييم الأداء وتحفيز المتميزين، مما يخلق بيئة عمل منضبطة وفعالة.
كما يشكل التحول الرقمي محورًا أساسيًا في تطوير المؤسسات الزراعية. فالاعتماد على التكنولوجيا في تقديم الخدمات للمزارعين ورقمنة الإجراءات الإدارية وإنشاء قواعد بيانات دقيقة للحيازات والمحاصيل، كلها خطوات أسهمت في تسريع العمل ورفع جودة الخدمات وتقليل الأخطاء. وقد أصبح من الضروري استكمال هذه الجهود عبر إدخال أنظمة المتابعة الإلكترونية للمشروعات، وتفعيل التطبيقات الذكية التي تساعد المزارع على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.
ولا يمكن الحديث عن تطوير المؤسسات الزراعية دون التطرق إلى الإرشاد الزراعي، الذي يمثل حلقة الوصل بين البحث العلمي والمزارع. فالمؤسسات الحديثة يجب أن تعيد إحياء هذا الدور عبر تدريب المرشدين، وتزويدهم بالأدوات التكنولوجية الحديثة، وإتاحة قنوات تواصل فعّالة بينهم وبين المزارعين. كما ينبغي تعزيز دور الجمعيات الزراعية لتكون مراكز دعم حقيقية وليست مجرد كيانات ورقية.
ويُعد التعاون بين الجهات المختلفة أحد العوامل الأساسية في نجاح المؤسسات الزراعية. فالزراعة قطاع متعدد التشابكات، يرتبط بالري والبيئة والصناعة والتجارة. ومن ثم فإن التكامل بين الوزارات والهيئات ومراكز البحوث والجمعيات التعاونية يضمن توحيد الرؤية وتقليل الازدواجية في القرارات، ويتيح الاستفادة المثلى من الموارد المتاحة.
وإلى جانب ذلك، أصبح الاعتماد على البيانات الدقيقة ضرورة لا يمكن تجاهلها. فالمؤسسات الزراعية الحديثة تُبنى قراراتها على تحليل المعلومات المتعلقة بالإنتاج والمساحات المنزرعة والطقس والآفات وموارد المياه. إن استخدام هذه البيانات في التخطيط واستشراف المستقبل يضمن توجيه الجهود في الاتجاه الصحيح وتجنب إهدار الموارد.
ولا يكتمل تطوير المؤسسات دون تعزيز العلاقة المباشرة مع المزارعين، فهم الطرف الأساسي في العملية الإنتاجية. ومن المهم تبسيط الإجراءات الحكومية ودعم التسويق الزراعي وتوفير التمويل الميسر، وإشراك المزارعين في تطوير اللوائح التي تخص نشاطهم. فالمزارع شريك حقيقي في النجاح وليس مجرد متلقٍّ للخدمة.
وفي هذا السياق، لعبت الدولة المصرية ممثلة في وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي دورًا محوريًا في دعم عملية تطوير المؤسسات الزراعية، من خلال تبني رؤية شاملة لتنمية القطاع وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات. فقد أطلقت الدولة مجموعة من المشروعات القومية الكبرى مثل الدلتا الجديدة ومشروع مستقبل مصر للزراعة المستدامة، إلى جانب تحديث نظم الري والتحول نحو الري الحديث وترشيد استخدام المياه. كما عملت الحكومة على دعم التحول الرقمي داخل المؤسسات الزراعية، عبر إنشاء قواعد بيانات دقيقة للمحاصيل والحيازات، وتطوير منظومات إلكترونية للخدمات والتراخيص، مما أسهم في تسهيل الإجراءات والحد من البيروقراطية. كذلك حرصت الدولة على دعم مراكز البحوث الزراعية وتمويل برامج تحسين الأصناف ومكافحة الآفات، وتوفير التدريب للعاملين والمرشدين الزراعيين، بما يضمن رفع كفاءة الجهاز الإداري والفني. ولم تكتف الدولة بذلك، بل دعمت المزارعين عبر برامج التمويل الميسر، وتوسيع مظلة الإرشاد الزراعي، وإنشاء مراكز تجميع وتعبئة وسلاسل تبريد تخدم عمليات الإنتاج والتسويق. هذه الجهود مجتمعة عززت من قدرة المؤسسات الزراعية على أداء دورها، ووضعت الأساس لقطاع زراعي حديث قادر على المنافسة والاستدامة.
كما أن تطوير البنية التحتية الزراعية يشكل ركيزة مهمة لدعم عمل المؤسسات، من خلال تحديث معامل تحليل التربة والمياه، وتحسين الطرق الزراعية، وتطوير مراكز تجميع المحاصيل وسلاسل التبريد، ما يسهم في رفع جودة المنتجات وتقليل الفاقد وتحسين فرص التصدير.
في النهاية، فإن تطوير المؤسسات الزراعية هو المدخل الأساسي لتحقيق نهضة زراعية شاملة. فالمؤسسات القوية تعني إدارة رشيدة، وخدمات أسرع، وقرارات أكثر دقة، وقطاعًا قادرًا على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل. ومع استمرار الاستثمار في العنصر البشري والتكنولوجيا والبنية التحتية، ستظل المؤسسات الزراعية حجر الأساس لبناء زراعة مصرية حديثة، منتجة ومستدامة.

