ايمان الشناوي
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن السلطات الفنزويلية ستسلم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات إلى الولايات المتحدة بسعر السوق.
ونقلت صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية عن الرئيس الأمريكي قوله إن النفط، الذي تبلغ قيمته حوالي 3 مليارات دولار، سيباع وفق أسعار السوق، وسيخضع لسيطرة “رئيس الولايات المتحدة الأمريكية” لضمان استفادة الشعب الفنزويلي والولايات المتحدة منه.
وقال ترامب في تدوينة له على منصة “تروث سوشيال” المملوكة له: “سيتم نقله بواسطة سفن تخزين، وسيشحن مباشرة إلى أرصفة التفريغ في الولايات المتحدة. وقد طلبت من وزير الطاقة، كريس رايت، تنفيذ هذه الخطة فورًا”.
وخرجت تصريحات ترامب في وقت يتجه فيه أسطول من ناقلات النفط الأمريكية نحو المياه الفنزويلية لبدء تحميل النفط الفنزويلي، الذي تقطعت به السبل في الموانئ نتيجة الحصار البحري الأمريكي.
وحذر محللون من أن إنتاج فنزويلا سينهار ما لم توقف واشنطن حصارها البحري وتسمح بخروج بعض النفط من البلاد بسبب نقص سعة التخزين.
لكن إعلان ترامب أنه سيسيطر على ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي -أي ما يعادل أقل من 50 يومًا من إنتاج البلاد- سيزيد من حدة الانتقادات الموجهة لإدارته بأنها تمارس ضغوطًا على البلاد لانتزاع امتيازات نفطية.
وقال أستاذ إدارة الأعمال في “جامعة ييل”، جيفري سوننفيلد، الذي قدم مشورته للإدارات الأمريكية السابقة بشأن سياسة العقوبات: “هذا إجراء مصادرة، ولا مبرر له على الإطلاق. كما أننا لا نحتاج إلى هذا النفط في ظل فائض النفط العالمي”.
ولم تصدر الحكومة الفنزويلية أي رد فعل فوري على تصريح ترامب.
واستعرضت الصحيفة أسعار النفط في الأسواق العالمية، إذ انخفض سعر خام “برنت”، المؤشر العالمي للنفط، بنسبة 1.7% يوم الثلاثاء، بينما تراجع سعر خام “غرب تكساس الوسيط” الأمريكي بنسبة 2%. وفي تداولات آسيا صباح الأربعاء عقب إعلان ترامب، انخفض سعر “برنت” بنسبة 1% أخرى إلى 60.10 دولار للبرميل، بينما تراجع سعر خام “غرب تكساس الوسيط” بنسبة 1.3% إلى 56.40 دولار للبرميل.
ونقلت “فاينانشيال تايمز” عن مصدر مطلع قوله إن شركة “شيفرون”، أبرز الشركات الأمريكية العاملة في فنزويلا، كانت تجري محادثات مع شركة النفط الحكومية الفنزويلية (بي دي في إس إيه) والسلطات الأمريكية بشأن شحن بعض النفط الخام العالق إلى مصافي التكرير الأمريكية لتخفيف الضغط على البنية التحتية النفطية المتهالكة في البلاد.
وتبحر نحو اثنتي عشرة ناقلة نفط مستأجرة من قبل شركة النفط الأمريكية العملاقة باتجاه فنزويلا أو راسية بالفعل في موانئها. ومن المتوقع أن تبدأ هذه السفن بنقل بعض النفط خلال أيام، وفقاً لمجموعة “كبلر” المتخصصة في بيانات السلع الأساسية.
تسبب الحظر الأمريكي، الذي فُرض في منتصف ديسمبر، في توقف صادرات فنزويلا، ما ترك النفط المنقول من “حزام أورينوكو”، أحد أكبر حقول النفط الخام في العالم، عالقاً في مرافق تخزين متهالكة وصلت إلى طاقتها الاستيعابية القصوى أو تقترب منها.
حذر محللون من أنه في حال اضطرت البلاد إلى وقف المزيد من الإنتاج، فستواجه تأخيرات طويلة في استئنافه مجدداً.
وقال المدير المؤسس لمركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، جيسون بوردوف: “يواجه قطاع النفط الفنزويلي مهمة شاقة للغاية لإعادة إحياء نفسه. وسيؤدي توقف الإنتاج إلى زيادة صعوبة هذه المهمة بشكل كبير”.
وأي توقف في الإنتاج من شأنه أن يُعرّض للخطر جهود ترامب الرامية إلى تحقيق مكاسب سريعة لقطاع النفط الأمريكي، والتي روّج لها عقب العملية الأمريكية الجريئة التي جرت في نهاية الأسبوع لإطاحة الرئيس نيكولاس مادورو.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أنه من المتوقع أن تجتمع المديرة المالية لشركة “شيفرون”، إيمير بونر، وعدد من كبار المسؤولين التنفيذيين في قطاع النفط الأمريكي، مع وزير الطاقة رايت على هامش مؤتمر الطاقة في ميامي يوم الأربعاء، لمناقشة استراتيجية البيت الأبيض تجاه فنزويلا.
وقد صرح ترامب بأنه يعتزم “الاجتماع مع شركات النفط”. وقال مصدر مطلع إن المحادثات ستشمل شركة “شيفرون”، بالإضافة إلى شركات نفط أمريكية كبرى أخرى. ولم يصدر البيت الأبيض أي تعليق فوري.
وحذر خبراء في قطاع الطاقة الفنزويلي من أن إنتاج النفط قد ينخفض بمقدار الثلث خلال الأسابيع الأربعة المقبلة، ليصل إلى 600 ألف برميل يومياً، في حال تعذر نقل النفط من المخازن.
وانخفضت صادرات فنزويلا من النفط الخام- التي كان معظمها يُصدّر إلى الصين حتى وقت قريب- بأكثر من 30% منذ أن فرض ترامب “إغلاقاً تاماً وكاملاً” لناقلات النفط الخاضعة للعقوبات التي تنقل النفط من موانئ البلاد.
كما تعرضت إمكانية حصول قطاع النفط الفنزويلي على “النافتا” إلى قيود. والمعروف أن “النافتا” هي مادة مخفِفة تستخدم لتخفيف النفط الثقيل الشبيه بالعسل الأسود، ما يسمح بنقله عبر الأنابيب. تُعد روسيا المورد الرئيسي للنافتا إلى فنزويلا، رغم أنها كانت في السابق تستوردها من الولايات المتحدة.
ومع إغلاق طرق التصدير، تعاني فنزويلا نقصاً حاداً في منشآت تخزين النفط، وفقاً لما ذكره مهندس في “شركة النفط الفنزويلية”.
وأضاف: “سيتعين على معظم حقول النفط الخام الثقيل خفض إنتاجها”، مشيراً إلى أن حقول النفط الخفيف والمتوسط، وتلك التي تديرها شركة “شيفرون”، هي فقط التي ستستمر في ضخ إنتاجها بكامل طاقتها.
لطالما كانت “شيفرون” قادرة على تصدير النفط الخام من فنزويلا إلى الخارج، بما في ذلك إلى مصافي التكرير الأمريكية، بموجب تراخيص خاصة من واشنطن.
وحذر رئيس قسم الأسواق الناشئة في شركة “ريستاد إنيرجي” الاستشارية، شرينر باركر، من احتمال حدوث “انهيار قصير الأجل في الإنتاج”، مع احتمال امتلاء خزانات النفط العائمة في ناقلات النفط.
وأضاف: “سعة خزانات النفط العائمة محدودة، وهناك تساؤل كبير حول مصادر فنزويلا للمواد المخففة”.
وكشفت أرقام شركة “كيبلر” أن إنتاج فنزويلا من النفط تراجع من حوالي 900 ألف برميل يومياً بنسبة 8% منذ بدء الحصار، متوقعة وصوله إلى 600 ألف برميل يومياً بحلول فبراير. وامتدت الانخفاضات إلى الإنتاج في المشاريع المشتركة مع “شركة البترول الوطنية الصينية” (سي إن بي سي).
وقال كبير محللي الطاقة في شركة “تي دي كوين”، مارك بيانكي، إن البنية التحتية النفطية “المتهالكة” في فنزويلا تضررت في العقود الأخيرة من نقص الاستثمار وسوء الإدارة وهجرة الكفاءات.
وأضاف: “لقد تدهور قطاع النفط لديهم. وأفترض أنه يفتقر إلى كل شيء”.

