مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

“الغريب” والواقع العربي حين يُدان الإنسان لأنه لا يُجيد التمثيل

بقلم -حسن غريب أحمد :

ناقد باحث روائي مصري 

لا يبدو فيلم «الغريب» بعيدًا عن الواقع العربي، بل يكاد يكون مرآته القاسية. فـميرسو، الذي يُدان لأنه لم يبكِ أمه ولم يتقن طقوس الحزن، يشبه إلى حد كبير الإنسان العربي المعاصر حين يُحاسَب لا على ما فعله، بل على ما لم يُظهره.

في مجتمعاتنا، لا يُطلب من الفرد أن يكون عادلًا أو صادقًا، بل أن يكون مطابقًا. مطابقة في المشاعر، في الخطاب، في المواقف العامة. من لا يرفع الشعارات المتوقعة، أو لا يُجيد لغة العزاء الجمعي، يُوصم فورًا: بارد، خائن، خارج عن الجماعة، أو “مش طبيعي”.

1. محاكمة النوايا بدل الأفعال

كما حوّلت المحكمة في الفيلم الجريمة إلى قضية أخلاقية تتعلق بسلوك ميرسو الشخصي، يفعل الواقع العربي الشيء ذاته:

الإنسان يُدان بسبب نواياه المفترضة، صمته، أو حياده، لا بسبب فعلٍ مُجرَّم قانونيًا. الصمت نفسه يصبح تهمة، والاختلاف يُعاد تأويله بوصفه خيانة أو عداء.

2. الطقوس كبديل عن العدالة

في «الغريب»، تحل الطقوس محل الحقيقة: البكاء، الانكسار، إظهار الندم.

وفي الواقع العربي، كثيرًا ما تحل الطقوس الاجتماعية والسياسية محل القيم الفعلية:

البيانات بدل العدالة، الشعارات بدل الفعل، الإجماع الشكلي بدل النقاش الحقيقي. من يرفض المشاركة في الطقس يُقصى، حتى لو كان أكثر صدقًا من الجميع.

قد يهمك ايضاً:

3. اغتراب الفرد داخل الجماعة

ميرسو غريب لأنه لا يكذب على نفسه.

والفرد العربي يغترب حين يرفض النفاق الجمعي، أو يصرّ على طرح الأسئلة بدل ترديد الإجابات الجاهزة. الاغتراب هنا ليس خيارًا، بل نتيجة طبيعية لوعي لا ينسجم مع خطاب القطيع.

4. السلطة وخوفها من المختلف

الفيلم يكشف خوف السلطة من الإنسان الذي لا يمكن التنبؤ به.

وفي الواقع العربي، السلطة – سياسية كانت أو اجتماعية أو ثقافية – لا تخشى المجرم بقدر ما تخشى المختلف الصامت، الذي لا يبرر نفسه، ولا يطلب الغفران، ولا يعترف بلغة السلطة ذاتها.

5. العبث كحقيقة يومية

العبث الذي تحدث عنه كامو ليس فلسفة مجردة، بل واقعًا معاشًا في عالم عربي تتبدد فيه المعايير، وتختلط التهم، ويُكافأ الانسجام الأعمى، ويُعاقَب التفكير الحر. هنا يصبح ميرسو شخصية مألوفة، لا استثناءً.

خلاصة

«الغريب» ليس فيلمًا عن رجل قتل إنسانًا، بل عن مجتمع يقتل المختلف رمزيًا.

وفي الواقع العربي، لا يزال السؤال الكاموي قائمًا:

هل نُعاقَب لأننا أخطأنا، أم لأننا لم نُجِد الكذب؟