مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

الشرق الأوسط بين الإنفجار المحسوب وتوازن الردع الهش

بقلم الأستاذ الدكتور / هشام فخر الدين :

مما لا شك فيه أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة بالغة التعقيد من تاريخه السياسي والأمني، تتسم بتراكب الأزمات وتشابك مسارات الصراع على نحو يجعل الإقليم يعيش في حالة اللاحرب واللا سلم. فالمشهد الراهن لا يعكس استقراراً حقيقياً قائماً على تسويات مستدامة، ولا حرباً شاملة تعيد رسم الخرائط بوضوح. وإنما يقوم على معادلة دقيقة من الضبط القسري للصراع، حيث يُدار العنف وفق سقوف محسوبة، ويُستخدم الردع كآلية مؤقتة لتأجيل الانفجار لا لمنعه جذرياً. وفي هذا السياق يغدو الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لصراعات منخفضة الكثافة وعالية الخطورة في آن واحد.

حيث شهدت بنية الصراع في الإقليم تحولات جوهرية خلال العقدين الأخيرين، تمثلت في الإنتقال من الحروب النظامية التقليدية بين الجيوش الوطنية إلى أنماط مركبة من الحروب غير المتكافئة، وحروب الوكالة، والصدامات الهجينة التي توظف القوة الصلبة والناعمة معاً. فلم تعد المواجهة تدور فقط حول السيطرة الميدانية، بل باتت تشمل استنزاف الإرادة السياسية، وإرباك الجبهة الداخلية، واستخدام الاقتصاد والإعلام والعقوبات كسلاح استراتيجي موازٍ للقوة العسكرية. ولقد أدى هذا التحول البنيوي إلى عدم وضوح خطوط الإشتباك ورفع من إحتمالات سوء التقدير الإستراتيجي.

ولقد احتلت  القضية الفلسطينية موقع القلب في هذا المشهد المتأزم، ليس فقط بوصفها صراعاً تاريخياً لم يُحل، بل باعتبارها عامل عدم استقرار هيكلي يعيد إنتاج التوتر الإقليمي بصورة دورية. فإنسداد الأفق السياسي، وتكريس منطق القوة العسكرية، وتآكل الشرعية الدولية لأي مسار تفاوضي جاد، والتى أسهمت في تحويل الصراع إلى دورة عنف مفتوحة، تُدار وفق قواعد اشتباك غير مكتوبة. وفي الوقت الذي تتجنب فيه الأطراف الإقليمية والدولية تفجير مواجهة شاملة، حيث يجري التعامل مع التصعيد باعتباره أداة ضغط وضبط متبادل، لا خطوة نحو حل نهائي.

فــــــــــــــــ يتجسد توازن الردع الهش في شبكة معقدة من التفاعلات بين قوى إقليمية كبرى تسعى إلى تعظيم نفوذها الاستراتيجي دون الإنزلاق إلى حرب مباشرة. فتعتمد بعض هذه القوى على استراتيجيات الردع غير المباشر، عبر أذرع محلية وشبه عسكرية، مما يوفر لها هامش إنكار معقول ويخفض كلفة المواجهة المباشرة. وفي المقابل تلجأ القوى المنافسة إلى عمليات عسكرية محدودة ودقيقة، ورسائل ردعية محسوبة، تهدف إلى كبح التمدد دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تستدعي رداً شاملاً. وهذا التوازن القائم على ضبط التصعيد يبقى بطبيعته هشاً، لإفتقاره إلى أطر قانونية أو سياسية مؤسسية تنظم مساراته.

قد يهمك ايضاً:

عندما غابت القيم… سقط كل شيء

ويظل الدور الدولي وخاصة الأمريكي عنصراً مركزياً في إدارة هذا التوازن القلق واتباع سياسة الكيل بمكيالين وفقاً لمصالحها وإستراتيجتها الأمنية. فبالرغم من إعادة تموضعها الإستراتيجي وانشغالها بملفات دولية أخرى، لا تزال الضامن الأمني غير المعلن لعدد من الترتيبات الإقليمية. إلا أن سياستها تتسم بازدواجية واضحة فهي تسعى إلى تقليص الإنخراط العسكري المباشر، إلا أنها في الوقت ذاته تواصل استخدام أدوات الردع العسكري والدعم اللوجستي والتحالفات الأمنية لإحتواء الأزمات. و يسبب هذا التناقض فراغات نسبية تستثمرها قوى دولية أخرى، تحاول توسيع هامش نفوذها دون إحداث صدام مباشر مع النظام الدولي القائم.

فى حين تجد الدول العربية نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية، تجمع بين ضرورات الأمن القومي ومتطلبات الاستقرار الداخلي. فبعضها اختار مقاربات براجماتية تقوم على خفض التوتر وبناء شبكات علاقات متعددة الاتجاهات، إدراكاً لمخاطر الإستقطاب الحاد. فيما تواجه دول أخرى ضغوطاً أمنية مباشرة تجعلها طرفاً في معادلات الردع الإقليمي، سواء بحكم الموقع الجغرافي أو طبيعة التحالفات. وفي جميع الأحوال يظل هاجس الإنزلاق إلى فوضى إقليمية شاملة حاضراً بقوة، خاصة في ظل أوضاع اقتصادية واجتماعية هشة.

فلا يمكن فصل هذا التوازن الهش عن البعد الاقتصادي للصراع. فالشرق الأوسط يشكل عقدة حيوية في منظومة الطاقة والتجارة العالمية، وأي اضطراب واسع فيه ينعكس فوراً على الأسواق الدولية. وفي المقابل نجد اقتصادات الإقليم تعانى من ضغوط هيكلية متزايدة، تشمل معدلات بطالة مرتفعة، وتراجعاً في الاستثمارات، وتآكل الطبقات الوسطى. وتحد هذه العوامل من قدرة الدول على تحمل كُلفة صراعات طويلة الأمد، وتدفعها إلى تفضيل إدارة الأزمات بدل حسمها، حتى وإن كان ذلك على حساب الاستقرار طويل المدى.

ولعل الأمر الأكثر خطورة في المشهد الراهن أن توازن الردع القائم يستند إلى تفاهمات ضمنية غير مكتوبة، لا إلى إتفاقيات أمنية شاملة أو أطر إقليمية جامعة. وهو ما يجعل هذا التوازن عرضة للانهيار بفعل حادث عرضي، أو خطأ في الحسابات العسكرية، أو قرار سياسي متسرع مدفوع بضغوط داخلية. كما أن تصاعد الخطاب التعبوي والشعبوي في بعض السياقات السياسية يضيق هامش العقلانية الاستراتيجية، ويزيد من احتمالات اتخاذ قرارات تصعيدية يصعب التراجع عنها.

فـــــــــــــ يقف الشرق الأوسط أمام مفترق طرق استراتيجي حاد. فإما الاستمرار في منطق إدارة الصراع عبر انفجارات محسوبة وردع هش، مع ما يحمله ذلك من مخاطر تراكمية قد تنفجر دفعة واحدة، وإما الإنتقال نحو مقاربات سياسية شاملة تعالج جذور الأزمات وتعيد تعريف مفهوم الأمن الإقليمي. غير أن هذا الخيار الأخير يتطلب إرادة سياسية صلبة، واستعداداً لتقديم تنازلات متبادلة، وبناء منظومات تعاون تتجاوز منطق المحاور والصفرية، وهي شروط لا تبدو ناضجة في المدى المنظور.

ويظل الإقليم معلقاً في منطقة رمادية بين الانفجار المؤجل والاستقرار الزائف، حيث يمنع توازن الردع الهش الانهيار الكامل، لكنه يعجز عن إنتاج سلام حقيقي. إنها لحظة تاريخية مفتوحة على كل الاحتمالات، تختبر قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على الانتقال من منطق القوة إلى منطق السياسة، قبل أن تفرض الوقائع الميدانية كلفاً لا يمكن التحكم فيها.