مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

الزراعة في الجمهورية الجديدة : استصلاح .. استثمار .. وتصدير

بقلم: د. عمرو أبو الوفا

الخبير الاقتصادي ومدير مديرية الإصلاح الزراعي بأسيوط

 

في السنوات الأخيرة، تغيّر وجه الأرض في مصر كما لو أنّ روحًا جديدة قد سرت في تربتها. عاد اللون الأخضر يمدّ أطرافه في الصحراء، وتحوّلت المساحات الصامتة إلى نسيج حيّ من الحقول الممتدة. إنها ليست مجرد زراعة، بل حكاية وطن يكتب فصوله من جديد تحت راية الجمهورية الجديدة؛ وطن آمن بأن المستقبل يبدأ من حبة قمح، ومن قطرة ماء، ومن يد تتقن العمل وتؤمن بأن الأرض لا تُخيّب من يخلص لها.

فالأرض التي طالما كانت مصدر الحياة لملايين البشر، عادت اليوم لتكون مركزًا لرؤية دولة، وإيقاعًا لنهضتها، ونقطة ارتكاز لاقتصاد يسعى إلى الثبات والازدهار معًا.

لم يعد الاستصلاح مشروعًا هندسيًا أو مجرد خطة حكومية؛ صار أشبه ببعثٍ للحياة في أماكن ظنّ الناس أنها لن تُزهر أبدًا. في الدلتا الجديدة، وفي قلب سيناء، وعلى امتداد توشكى، تتوالد المساحات كأنها وعدٌ قديم يتحقق أخيرًا. تُشق الطرق كأنها شرايين، وتُقام محطات المياه وكأنها نبض، وتُزرع الحقول بأحدث ما توصّل إليه العلم، في مشهد يمزج بين صلابة الدولة وحلم الفلاح؛ بين عقلٍ يخطط وقلبٍ يزرع؛ بين رؤية تستشرف عقودًا قادمة، وعرق يومي يبذل بإصرار وصبر وإيمان.

ومع توسّع الحقول وتغيّر المشهد، تظهر ملامح مرحلة جديدة لا تشبه ما سبقها. فهنا، وسط تلك الأراضي التي خرجت من رحم الصحراء، تتأكد حقيقة واحدة: أن الزراعة لم تعد نشاطًا بسيطًا يقتصر على الفأس والتراث، بل أصبحت صناعة كاملة تنبض بالابتكار، تُدار بالأقمار الصناعية والرصد اللحظي وتحليل البيانات، وتستخدم فيها أصناف محسّنة، وأنظمة ري حديثة، وتقنيات تجعل كل فدان قادرًا على أن ينتج أضعاف ما كان ينتجه قبل سنوات قليلة فقط.

المستثمر الذي يدخل هذا المجال اليوم لا يدخل أرضًا فقط؛ بل يدخل منظومة كاملة تتداخل فيها عناصر العلم والتقنية ورصانة الإدارة. يتجاور المزارع الخبير مع الباحث، ورائد الأعمال مع المهندس، ويتحوّل العرق إلى قيمة مضافة، والجهد إلى ثروة وطنية. تتقدم الزراعة من مرحلة البقاء إلى مرحلة الريادة، ومن حدود الإنتاج إلى آفاق التصنيع، ومن الاكتفاء إلى القدرة على المنافسة.

أما التصدير، فقد تحوّل إلى لغة أخرى تروي للعالم قصة مصر. كل ثمرة تخرج من أرضها تحمل معها شهادة جودة، ورائحة تاريخ، وصورة وطن يعرف كيف يزرع ويصنع ويصدّر. من أسواق أوروبا إلى طوكيو وجاكرتا، ومن الخليج إلى إفريقيا، ينتشر المنتج المصري بثقة، ثابت الخطى، كأنه يقول: هذه أرضٌ تعافت… وهذه دولة عرفت طريقها إلى المستقبل.

وفي كل سوق جديد يُفتح، وفي كل شحنة تغادر الموانئ، تُكتب سطر جديد في قصة نجاح ممتدة، عنوانها: “هنا جمهورية جديدة لا ترضى إلا بالتقدم”.

قد يهمك ايضاً:

أحمد سلام يكتب ليلة الدعاء للكابتن حسن شحاته

أحمد سلام يكتب ” منتخب الساجدين ” يعاود من جديد

لقد أصبح المنتج الزراعي المصري اليوم مرآة صافية تعكس ما يجرى على الأرض من تطور. فالمعايير الدقيقة، والتتبع الإلكتروني، وأنظمة الإدارة الحديثة ليست رفاهية، بل ضرورة تحفظ سمعة وطن وتُمكّن مزارعيه من المنافسة في أصعب الأسواق. تحولت مصر من مجرد دولة مصدّرة إلى علامة جودة في بعض المحاصيل، وإلى شريك موثوق في تجارة الغذاء العالمية.

وفي قلب كل هذا، يبقى الفلاح المصري—ذلك الإنسان البسيط الذي يحمل تراث آلاف السنين—شريكًا أصيلًا في نهضة الجمهورية الجديدة. لم تتركه الدولة يقف وحده في مواجهة التحديات؛ بل منحته المعرفة، وقدّمت له الدعم، وربطته بالأسواق والتقنية، وأعادته إلى موقعه الطبيعي: قلب التنمية وأساسها.

عاد الفلاح ليشعر أن جهده مقدَّر، وأن صوته مسموع، وأن دوره لم يعد قاصرًا على العمل الشاق، بل ممتدًا إلى المشاركة في بناء رؤية وطن كامل.

وهكذا تبدو مصر اليوم:

أرض تستصلح روحها قبل تربتها، وتعيد رسم علاقتها بالأرض من جديد.

واستثمار ينهض على حلم جماعي لا على مصلحة فردية، ويحوّل الصحراء إلى فضاء واسع من الفرص الواعدة.

وتصدير يحمل للعالم صورة بلدٍ قرر أن يقف بثبات في أصعب أزمان الغذاء والمناخ، ويثبت أن المستقبل تصنعه الدول التي تحسن إدارة مواردها وتثق في طاقة شعبها.

إن الزراعة في الجمهورية الجديدة ليست مجرد مشروع، بل قصيدة طويلة تُكتب في الحقول، وتُرتّلها السنابل، وترويها الأجيال المقبلة بفخر.

هي رواية بلدٍ لم يخشَ التحديات، ولم يتردد أمام الصعاب، بل آمن بالعلم، وصبر على الأرض، فأنبت مستقبلًا أكثر اتساعًا وبهاءً… مستقبلًا يليق بمصر ويليق بأبنائها.