لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل الصور أو تسهيل التشخيص، بل أصبح قادرا على إعادة تعريف أمراض معقدة عرفها الطب لعقود.
ففي أحدث أبحاث جامعة كوليدج لندن وفريق Queen Square Analytics، اكتشف العلماء نوعين بيولوجيين جديدين من مرض التصلب المتعدد باستخدام الذكاء الاصطناعي، فى خطوة تفتح الباب أمام علاج شخصي أكثر دقة لكل مريض.
اعتمد الفريق البحثي على خوارزمية تعلم غير خاضع للإشراف تُعرف باسم SuStaIn، لتحليل صور أشعة الدماغ وبيانات بيولوجية من آلاف المرضى، ولم يكن الهدف رصد الأعراض، بل فهم مسار المرض ذاته.
ومن خلال الدمج بين مؤشرات التصوير بالرنين المغناطيسي ومستويات بروتين sNfL في الدم، تَحدد نمطان بيولوجيان مختلفان، الامر الذي أحدث رؤية جديدة للتصلب المتعدد.
النوع الأول، الذي أطلق عليه “early-sNfL”، أظهر ارتفاعًا مبكرا في مؤشرات تلف الأعصاب وتسارع في ظهور الآفات العصبية.
هذا المسار يعكس نشاطا التهابيا حادا وتلفا عصبيا متزامنا، مما يجعل أصحاب هذا النمط أكثر استجابة للعلاج الدوائي وأقرب لمراحل الانتكاس المبكرة من المرض.
أما النمط الثاني، المسمى “late-sNfL”، فتميّز بضمور لاحق في القشرة الدماغية والمادة الرمادية العميقة قبل أن ترتفع مؤشرات التلف العصبي.
ويشير هذا إلى مسار تنكسي أكثر خفاءً يصيب غالبا المرضى الأكبر سنًا، حيث يكون فقدان الحجم الدماغي هو العلامة الأولى بدلاً من الالتهاب النشط.
هذا الاكتشاف يقوّض التصنيف التقليدي الذي يقسم المرض إلى “ناكس راجع” و”ثانوي تقدمي” و”أولي تقدمي”، وهو تصنيف يعتمد على الأعراض الظاهرة أكثر من فهم الآليات الفسيولوجية.
ووفقا للباحثين، فإن تحديد النمط البيولوجي منذ التشخيص قد يسمح للأطباء بتوقع سرعة تطور المرض واختيار العلاج الأنسب مبكرا.
يعكس هذا التوجه كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتحول من مجرد أداة مساعدة إلى شريك ذكي في تحديد القرارات العلاجية.
فعبر تحليل بيانات معقدة مثل أحجام مناطق الدماغ ومؤشرات الأذية العصبية، يمكن لنماذج مثل SuStaIn أن تكشف أنماطا لا ترى بالعين أو بالخبرة الإكلينيكية وحدها.
ويشير هذا التطور إلى مستقبل تصبح فيه تصنيفات الأمراض أكثر حيوية وديناميكية تتغير مع كل معلومة جديدة تجمعها الخوارزميات.
وهذا يعني أن مفهوم “نوع المرض” ذاته قد يعاد تعريفه باستمرار كلما اتسعت قاعدة البيانات الطبية وتعززت قدرات التحليل التنبؤي.

