مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

الخَبيص.. من موائد قريش إلى مائدة النبي : حكاية طعام الكرم النبوي عبر العصور – قراءة الشريف محمد بن علي الحسني

كتب –  أحمد الشرقاوى 

إذا كان للطعام ذاكرة تحفظ للأمم ملامح هويتها، فإن للخَبيص مكانًا متفردًا في سجل المائدة العربية؛ طعامٌ وُلد في مكة المكرمة قبل الإسلام، فغدا شاهدًا على كرمها وضياء مجالسها، ثم ارتقى إلى منزلة أسمى حين صنعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده الكريمة، فانتقل من كونه حلوى تُقدَّم للضيافة إلى رمزٍ حضاري متوارث، يجمع بين عبق التاريخ ونور الرسالة. ومن خلال تتبّع مسيرته، تتجلى أمامنا قصة طعامٍ لم يكن يومًا مجرد لقيمات، بل مرآة لثقافة ووجاهة وكرم ظلّت حاضرة عبر العصور.

وفي هذا السياق، تحدث المؤرخ الشريف محمد بن علي الحسني، رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية، مؤكدًا أن الخَبيص بوزن فعيل هو أحد أقدم الأطعمة الحلوة التي عرفتها بلاد العرب، وقد ارتبط اسمه بمكة المكرمة، حيث كان علامة على الكرم وحسن الضيافة. وأوضح أن طريقة صنعه كانت تعتمد غالبًا على الدقيق النقي مع التمر والسمن، وأحيانًا بالعسل، مشيرًا إلى أن هذا الطعام مر عبر التاريخ بمراحل متعددة بدأت في زمن الجاهلية، مرورًا بالعهد النبوي، ثم عصر الصحابة، وصولًا إلى التابعين وما بعدهم.

وأشار الشريف محمد بن علي الحسني إلى أن أول من اشتهر بصنع الخَبيص في الجاهلية هو عبد الله بن جدعان، سيد قريش المعروف بكرمه الواسع، إذ كان يطعم الوفود بالخَبيص والفالوذج حتى صار مضرب المثل في الجود والسخاء. وقد تغنى الشعراء بكرمه، فذكروا الخَبيص في أشعارهم كطعام يدل على الرفعة والكرم، موضحًا أن هذا الارتباط بين الطعام والشعر يعكس مكانة الخَبيص في المجتمع المكي.

وأوضح الشريف أن الخَبيص لم يتوقف عند مرحلة الجاهلية، بل انتقل إلى العهد النبوي، حيث ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو أول من عمله في الإسلام بنفسه، فقد صنعه من دقيق وعسل وسمن، وأطعمه أصحابه الكرام. 

قد يهمك ايضاً:

البهلوان في مكة.. أقدم مشهد ترفيهي قبل ستة قرون – قراءة…

“مزاد الجواري والعبيد في الجزيرة العربية عبر العصور –…

وأضاف أن هذا الحدث رفع من قيمة الخَبيص، إذ جعله ينتقل من مجرد حلوى مكية إلى طعام نبوي مبارك يحمل صفة خاصة تميزه عن غيره من الأطعمة.

وأردف الحسني قائلاً إن الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه عُرف عنه أنه صنع الخَبيص بعد الإسلام، وقدّمه بنفسه إلى رسول الله ﷺ، وهو ما يدل على استمرار حضور هذا الطعام على موائد الصحابة، حيث صار علامة على الضيافة والكرم في مجالسهم، لافتًا إلى أن ذلك أسهم في توطيد مكانته كجزء من الموروث الغذائي الإسلامي المبكر.

وذكر الشريف محمد بن علي الحسني أن الخَبيص واصل حضوره بعد ذلك في حياة المسلمين خلال عصر التابعين، حيث ورد ذكره في رواياتهم وأخبار أدبائهم على أنه طعام فاخر، تتعدد طرق صنعه بالتمر أو بالعسل، وتتنوع ألوانه بين الأبيض والأحمر، حتى أصبح من مظاهر الترف والكرم، يُقدَّم في المجالس والمناسبات المميزة.

وأضاف أن الخَبيص لم يقتصر على المائدة، بل كان له حضور واضح في التراث العربي والإسلامي، فقد ورد ذكره في كتب اللغة مثل غريب الحديث لابن قتيبة، والقاموس المحيط للفيروزآبادي، كما ظهر في كتب الأدب والأخبار، فضلًا عن وروده في كتب التاريخ والسير، وهو ما يثبت أنه جزء أصيل من ذاكرة المائدة العربية والإسلامية.

واختتم الشريف محمد بن علي الحسني مؤكدًا أن الخَبيص لم يكن يومًا مجرد طعام تقليدي بسيط، بل هو شاهد على الضيافة المكية منذ الجاهلية، وقد نال شرفًا مضاعفًا حين صنعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده الكريمة، ليظل حاضرًا في زمن الصحابة والتابعين، ويستمر رمزًا متجددًا يجمع بين الجذور والأصالة والكرم والتجديد، حاملاً معه قصة طعام تحوّل إلى إرث حضاري وثقافي خالد في الوجدان الإسلامي.

التعليقات مغلقة.