مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية: سلامة الكون والوجود الإنساني مرهون بسلامة التفكير السليم

أحمد مصطفى:

 

ألقى خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر أ.د. محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، والتي دار موضوعها حول “رسائل العقل في الإسلام”، وأوضح فضيلته أن سلامة الكون والوجود الإنساني مرهونة بسلامة التفكير السليم، إذ إن رسالة العقل في هذا الوجود تنبثق في مسارات ضبطها الإسلام، فالإنسان لم يخلق إلا ليبني ويعمر في هذا الكون، ولا يتحقق البناء إلا من خلال عقل واعي وسليم، لذلك كان العقل مناط التكليف البشري وبه ميزه الحق سبحانه وتعالى عن سائر المخلوقات، ولذلك رفع الله التكليف عن المجنون، كما قال سيدنا رسول الله ﷺ:” رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتّى يَعْقِلَ” مبينا أن الرسالة الأولى للعقل في هذا الوجود هي رسالة وعي من أجل ضبط مسيرة الإنسان في الحياة، لأن العقل يمثل البوصلة التي تحرك سائر الجسد في مسارات صحيحة، ومحل العقل هو القلب، كما قال تعالى: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”.

 

وأضاف الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، أن العقل هو أداة التفكير والتمييز، ومن ثم كان لزاما علينا أن نضبط هذه الأداة من خلال الوعي ونحصنها من كل ما يشوبها في هذا الوجود، حتى ينشأ وعي سليم يقود الإنسان إلى الطريق المستقيم ويضمن له الحكم الرشيد في جميع أموره، ومن أجل هذا حرم الله تعالى كل ما من شأنه أن يؤثر على عقل الإنسان، كتحريم الخمر والمسكرات، لأن العقل هو الذي يوجه القلب إلى وجهته الصحيحة، ويعين الإنسان على السير في إطار سليم دون اضطراب أو ترنح، وبغير العقل يختل ميزان الإنسان، موضحًا أن العقل هو الذي يوجه العاطفة ويضبط كيان الإنسان في كل شيء، ويقوده إلى التدين الصحيح، وهو الذي يدفعه إلى الحفاظ على الصلاة في أوقاتها، والتأمل في سبب الوجود، كما قال تعالى: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”، ولهذا يحرك العقل الجوارح لتقف بين يدي الله، حفاظا على عبادة الصلاة في أوقاتها.

 

قد يهمك ايضاً:

وأشار الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، إلى موقف السلف الصالح، التي تعكس حسن إدراكهم ووعيهم الناتج عن سلامة عقولهم، مستشهدا بما روي عن العلامة القواريري، شيخ الإمام البخاري، أنه تأخر يوما عن صلاة العشاء في جماعة بسبب أضياف نزلوا عنده، فطاف أرض العراق بحثا عن مسجد لم يصلي العشاء بعد، فلم يجد، وكان الدافع إلى ذلك حرصه على العبادة ونابعا من عقل واع يدرك قيمة صلاة الجماعة، فلما عاد إلى بيته صلى العشاء سبعا وعشرين مرة طمعًا في أجر صلاة الجماعة، ثم نام فرأى في منامه قوما يسبقونه بخيولهم، فقال له قائل: هون على فرسك فلن تدركنا، وذلك تأكيدا على أن الحفاظ على العبادة والحرص عليها إنما هو ثمرة العقل الواعي.

 

وشدد الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية على ضرورة حماية عقول الشباب من آفة الإدمان والمخدرات، ومن صور الاستقطاب الإلكتروني التي تعمل على تغييب العقول وتعطيل قدرة شبابنا على الإدراك والتميز السليم، محذرا من انتشار معارف وأفكار مطروحة لا أصل لها ولا سند، ولا يُعرف من يقف وراءها، وهي أفكار بلا هوية، تهدف إلى هدم البناء وسلامة الفكر، وتفريغ الإنسان من دوره الحقيقي في الإعمار والإنتاج، مؤكدًا أن الحل يكمن في سلامة العقل وتحصينه بالوعي السليم، من خلال التربية الصحيحة، وتعزيز قيم الانتماء، وبناء القدرة على التمييز والنقد، لأن العقل الواعي هو الذي يذكر الإنسان بالحساب على كل ما يقوم به، ويجعله مدركا أنه مسؤول أمام الله والمجتمع عن كل تصرفاته.

 

وبين الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية أن العمر محسوب على الإنسان، وأن الله خلقنا للعمار والبناء والصناعة وإقامة الحضارة، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال العقل السليم الذي يدرك قيمة الوقت ويحسن استثماره، مستشهدا بما روي عن سيدنا الفضيل، أنه مر برجل فقال له: كم عمرك؟ فقال: ستون عاما، فقال له: منذ ستين عاما وأنت تنتظر لقاء الله، فلما قال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، سأله: أتدري ما معناها؟ فقال: معناها أني لله عبد، وأني موقوف بين يديه، ومن هنا أكد فضيلته ضرورة إدراك هذه الحقيقة، وهي أن الإنسان موقوف بين يدي الله ومسؤول عن عمره وعمله، وأن عليه أن يعد للسؤال بين يدي الله جوابه، من خلال مراقبة الله في كل ما يقوم به، وترسيخ قيم الأمانة والصدق في النفوس.

وفي ختام الخطبة وجه الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية رسالة حول أهمية غرس هذه القيم والمعاني في نفوس أبنائنا الطلاب الذي يسيرون في محراب العلم، لكي يعلموا أن الغش محرم شرعًا لما له من أثر سلبي على العقول والفهم، قال النبي ﷺ: “من غشنا فليس منا”.