مقالات

محمد حسن حمادة يكتب حصريا لمصر البلد:حملة مفتاح التاريخ الفرعوني

من طيبة أرض الشمس والملوك والآلهة أرض السحر والجمال والحضارة التي أذهلت العالم ومازلنا نكتشف الملاحم تلو الملاحم والأساطير تلو الأساطير  عن عظمة هذه الحضارة التي أبت أن تبوح بكل أسرارها إلي الآن إلا لأحفادها.

هنا في الأقصر صوت الموسيقي الفرعونية يصدح بالبهجة والقوة في كل مكان هنا فقط تستطيع أن تلمح الآلهة الفرعونية وهي تعزف علي آلة الهارب الموسيقية ليبداء علي وقع  أنغامها ملوك الفراعنة يومهم الجديد فتجد العمال والصناع والزراع في مصر القديمة وكأنهم قد بعثوا لتوهم من جديد أحياءً يتحركون يمارسون أعمالهم الشاقة بكل همة ونشاط.

عبق التاريخ يتسلل من الشمس إلي الأرض لتجثو الآلهة علي قدميها لفراعنة مصر العظام في وقارٍ شديد تطلب الصفح والغفران للشعب المصري وتحاول باستماتة إرضاء الملوك الفراعنة ليتغاضوا عن الجريمة البشعة التي اقترفها الأحفاد في حق الأجداد الذين بهروا الدنيا.

كيف يترك الأحفاد مفاتيح وكنوز حضارة الخلود والمجد في أيدي الأجانب ليعبثوا بقبور ملوك الفراعنة العظام؟

مازالت الآلهة المصرية القديمة ساجدة حتي لاتصيب الشعب المصري لعنة الفراعنة ولعنة هؤلاء الملوك العظام فمنذ اكتشاف علم المصريات وفك طلاسم ورموز الحضارة المصرية القديمة أصبحت مصر مسرحاً ومرتعا للمغامرين واللصوص والأفاقين والمهربين وتجارالآثار ،فعمليات السلب والنهب لم تتوقف عند الآثار والمومياوات الفرعونية فحسب بل طالت حتي المسلات الضخمة ليزينوا بها شوارعهم وبلادهم ويتركوا لنا الحسرة والخزي والألم.

نحن الآن في بداية شهر فبراير، 1857 مهلاً فأشعة الشمس الذهبية تخترق الدير البحري بالأقصر تنسدل الأشعة ناحية بيت ريفي بسيط ناحية القرنة برأس الجبل الغربي بمدينة طيبة القديمة، أو الأقصر الحالية، لمنزل عائلة تعرف بعائلة عبدالرسول ،في حجر البيت نلمح عنزة  الأخوين أحمد ومحمد عبدالرسول،وهي تلهو وتتجول داخل البيت وهي لاتعلم ماذا ينتظرها وفجأة تقرر الخروج من بيت عبدالرسول مرّت ساعات، ولم تعد العنزة(!)

انطلق الأخوان يبحثان عن ضالتهما المفقودة لتبدأ بالمصادفة قصة اكتشاف أهم خبيئة فرعونية ظلت في مكمنها مطمورة لمدة ثلاثة آلاف عام حتى عثر عليها محمد عبدالرسول في شهر فبراير1857 لتفتح حوافر هذه المعزة طاقة القدر لعائلة عبدالرسول ،التي اختصتها الآلهة الفرعونية دون غيرها من العائلات الأقصرية بالعثور على أهم مراقدهم خبيئة ملكية بها مومياوات وأثاث جنائزي في قاعٍ صخري عميق.

أخفاها كهنة الملك “سيامون”  بعدما أحسوا أنهم غير قادرين على حماية أجساد أجدادهم من اللصوص لذلك كان حرص كهنة الأسرة الـ‏21‏ علي إعادة دفن مومياوات ملوك وملكات وكهنة مصر بعد تفشي أعمال السرقة لمكان آمن فمدوا أبصارهم ناحية البر الغربي‏ لإخفاء المومياوات  الملكية.

وضع الكهنة خطة محكمة وتفننوا في وسائل جديدة تحفظ هذه المومياوات الملكية حتي ترقد بسلام في العالم الآخر  ونفذوا الخطة بدقة متناهية فقد نفذوا إلى كل قبر ملكي، وأخرجوا سراً كل المومياوات الملكية فنقلوا 13 منها إلى قبر أمنحتب السري الثاني، أما السبع والثلاثون المتبقية فقد حملت إلى هذا البئر العميق في الشمال الغربي للدير البحري والذي يؤدى إلى ممر طويل ينتهي بحجرة كانت تشغلها ملكه نصف منسية تدعى أن خع بى.

بردية سرقات المقابر بردية مهمة جداً تشرح لنا بالتفصيل الصراع الذي كان موجوداً بين عمدة شرق الأقصر الأمين ويدعي باسر‏ وعمدة البر الغربي اللص غير الشريف ويدعي بر ـ عا‏‏ الذي كان رئيسا لعصابة متخصصة في سرقة مقابر الملوك‏ وما بها من كنوز‏ لذلك فقد قام الكهنة بنقل المومياوات من مقابر إلي مقابر أخري مجاورة لها‏ فقد نقلوا مومياء الملك رمسيس الأول أول ملوك الأسرة الـ‏19‏ من مقبرته بوادي الملوك إلي مقبرة ابنه الملك سيتي الأول التي تجاورها وبعد ذلك نقلوا المومياوات إلي خبيئة الدير البحري‏.

كانت الخبيئة عبارة عن مقبرة في الصخر خلف الدير البحري عرفت فيما بعد بـ‏(DB320)‏ بمعني مقبرة الدير البحري رقم‏320‏ ودخلها أحمد عبدالرسول لأول مرة عندما كان يرعي الغنم وشردت منه واحدة إلي أعلي الجبل بالدير البحري وذهب وراءها وكاد يقع في بئر عميقة منحوتة في الصخر واستطاع أن ينزل بصعوبة ليجد أمامه كنزاً لم ير مثله من قبل.

مومياوات ملكية داخل توابيت ضخمة مصطفة بجانب بعضها البعض بالإضافة إلي أعداد كبيرة من الصناديق التي تحوي أعداداً كبيرة من التماثيل الجنائزية‏ وكذلك ما يعرف بالأواني الكانوبية أو أواني حفظ الأحشاء‏.

أخذ الأخوان يترددان علي الخبيئة ويبيعان ما خف وزنه وغلا ثمنه للأجانب لمدة عشر سنوات دون أن يفتضح أمرهما إلي أن وقع خلاف بين الأخوين فعندما يختلف اللصان يظهر المسروق

فشكا أحدهما الآخر إلي مديرية قنا

فتحفظت المديرية علي مكان الآثار حتى وصول مندوب المتحف هذه هي الرواية الأولي.

أما الرواية الثانية فتقول أنه بعد تهافت السياح الإنجليز والأمريكان  على البحث وشراء الآثار الصغيرة الثمينة من الأخوين  كان من بين هذه القطع ماكان يحمل منها شعارات ملكية، مما لفت نظر

الفرنسي جاستون كاميلي تشارلز ماسبيرو، عالم المصريات الشهير وأشهر علماء الايجيبتولوجي الذي تولى منصب مدير مصلحة الآثار المصرية، أو دار الآثار القديمة “الأنتكخانة” كما تولي أيضأ منصب أمين المتحف المصري للآثار ببولاق وفي عهد الخديوي عباس حلمي الثاني أصدر فرمانًا بتعيينه مديراً لعموم المتاحف المصرية ومدير عموم الآثار التاريخية.

أيقن ماسبيرو بحدسه أن هذه القطع من اكتشاف سري ضخم بوادي الملوك

،تصرف ماسبيرو بحكمة وذكاء ورسم خطة سريعة للقبض علي تجار آثار الأقصر كانت خطته تسير في اتجاهين الاتجاه الأول أرسل برقية إلى شرطة الأقصر، يطلب منهم تشديد الرقابة على تجار الآثار فيها.

أما الاتجاه الثاني فكان باستعمال المكر والخديعة فأرسل مبعوثاً خاصاً من قبله إلى القرنة متظاهراً بأنه سائح أجنبي مهتم بالآثار ويريد شراء بعض القطع الأثرية.

شاع أمر الرجل بين تجار الآثار بالأقصر فتهافتوا عليه ليعرضوا عليه أنفس الكنوز الفرعونية.

 

حانت اللحظة المناسبة للوصول إلي أول الخيط حيث عرض علي مندوب ماسبيرو تمثال جنائزي صغير من عهد الأسرة الحادية والعشرين تأكد المندوب أن هذا التمثال ملكي مسروق من مقبرة ملكية فاشتري المندوب التمثال بعدما دفع فيه مبالغ طائلة.

تعرف المندوب على أحمد عبدالرسول

،أصبح أحمد عبدالرسول بل عائلة عبدالرسول كلها داخل دائرة الشبهات ،من خلال التحريات تأكدت الشرطة من أن عائلة عبدالرسول كانت تتعامل مع تاجر آثار تركي يعمل وكيلاً لقنصليات فرنسا وروسيا وبلجيكا مستظلا بالحصانة الدبلوماسية يدعي مصطفى أغا آيات وتؤثر العائلة التعامل معه دون غيره من تجار الآثار.

طبقا للقانون كان أغا آيات فوق المساءلة القانونية نظراً لحصانته الدبلوماسية.

أما الأخوان عبدالرسول فاعتقلتهما الشرطة سنة.

مثلا الأخوان وقدما للاستجواب في مديرية قنا.

داهمت الشرطة بيتهما ولكن لم تعثر علي أي أثر فكانت نقطة مضيئة لصالح الأخوين.

دافع الأخوان بفصاحة عن نفسيهما ونفيا التهمة وحشدا جمعاً غفيراً من الأهالي فشهدوا لصالحهما.

لذلك أمرت الشرطة بإطلاق صراحهما نظراً لعدم كفاية الأدلة!

عادت الأمور لطبيعتها وهدأت الأحوال إلي أن نشب خلاف بين الأخوين حيث طلب أحمد عبدالرسول النصيب الأكبر لتعرضه للتعذيب والاعتقال.

انتشرت أنباء هذا النزاع في طيبه كانتشار النار في الهشيم فانتهزت مصلحة الآثار الفرصة وفتحت باب التحقيق من جديد.

لم يجد محمد عبدالرسول مفرا إلا الإعتراف ولكنه اشترط علي المحققين أن يعتبروه شاهد ملك.

وبعد ثلاثة أشهر أعيد إلى قنا ومثل أمام داوود باشا مدير قنا، واعترف اعترافاً رسمياً وبعد أيام أرشد الشرطة إلى مكان المخبأ.

كان ماسبيرو في هذه الأثناء خارج مصر فعهدت الحكومة المصرية إلى “إيميل بروجش” عالم المصريات الألماني

المعروف باسم بركش باشا الأمين المساعد بمصلحة الآثار آنذاك بتمثيلها في هذه القضية.

اتجه بروجش وكيل المتحف إلي المخبأ

نزل الي القبر العميق ليكون في مواجهة الكنز الأثري، اعتلي التل الصخري المنحدر، فرأى حفرة كالبئر عمقها من وجه الأرض خمسة عشرة متراً، وفي قعرها باب ضيق  اتساعه نحو سبعين متراً في جوف الجبل، يحوى زهاء ثلاثة وأربعين صندوقاً خشبياً في غالبيتها جثث أموات ،أما الصناديق فمنها 28 صندوقاً مزخرفة من الخارج بالرسوم الغريبة والصور البديعة مموهة بالطلاء الذهبي والألوان المختلفة تضم جثث الملوك رمسيس الثالث  ،وتحتمس ،وبانيونتيم وزوجاتهم، وغيرهم وكلها محنطة محفوظة كما هي.

أما بقية الصناديق فمنها ما فيه جثث بعض رجال الدولة ،وقطع تصوير من حجارة وخزف وخشب.

ومن ضمن ما اكتشف أيضأ أربعة كتب من ورق الآيبروس المنوع من ورق الموز والبردى، وكل كتاب من هذه الكتب الأربعة ورقة واحدة يساوى طولها عشرة أذرع تقريباً، وعرضها مقاس شبرين ووجد كذلك ستارة من جلد ملونة بالأشكال المنوعة، ومرسوم عليها صور غريبة، وكلها مسطرة بالكتابة وألوان الخط المحرر في الكتب والستارة حمراء وسوداء وعلب من الأبنوس وسن الفيل محكمة الصناعة والإتقان مزخرفة ،محفوظ فيها أحشاء الملوك التي كانت تستخرج من أجوافهم للزوم عملية التحنيط.

 

يصف ماسبيرو هذه اللحظة لاحقا من واقع تقرير بروجش فيقول نصا: “كان بروجش واقعا تحت تأثير أحمد الذي أفهمه أن المقبرة خاصة ببعض كبار الموظفين، ولكن ما كشفه العربان كان قبواً كاملا للفراعنة، وأي فراعنة! أعظم الفراعنة في تاريخ مصر: تحتمس الثالث وسيتي الأول وأحمس المحرر ورمسيس الثاني الفاتح.

 

هذا ما عاينه إيميل بروجش، وهؤلاء زمرة جعلته يسبح في الأحلام، وأنا مثله أظن نفسي في حلم، وأنا أرى وألمس هذه الشخصيات الفريدة التي ما كنا نظن أننا سنعرف عنهم سوى أسمائهم.

 

ووجد بالقبو أيضا جرار من النبيذ القرباني وأواني كانوبية، ثم توابيت ملكات مصر الشامخات مكومة في صفوف.

وعندما أفاق بروجش من دهشته بدأ يرتب أمور نقل المومياوات وعلى الفور استأجر ثلاثمائة عامل للقيام بأعمال تنظيف القبو ونقل المحتويات تحت إشراف موظفي مصلحة الآثار وكلف “الرفاص الحكومي” (وحدة نقل نهرية) المسمى المنشية بنقل الشحنة إلى القاهرة في ظرف 48 ساعة.

 

كانت الدفعة الأولى من الفراعنة الأربعين مع كثير من الآثار الثمينة قد حملت فوق (الرفاص) الذي توجه بها إلى القاهرة.

أما نساء طيبة فتبعن (الرفاص) وقد علا عويلهن بينما أطلق الرجال أعيرة نارية على شرف ملوكهم القدماء، وبعض الشامتين يقول إن هذا العويل بسبب ضياع مورد رزق سهل لهن.

وفيما بعد فكت أربطة المومياوات ليتمكن علماء الآثار من دراسة ملامح أشهر فراعنة مصر، وكانت رأس سيتي الأول أحسن الرؤوس حالاً، رأس ملك حقيقي رائعة.

اضطر ماسبيرو بعد استلام جثث الفراعنة إلى مضاعفة الاحتياطات فعزز الحراسة على المتحف ووضع الضوابط لمنع تهريب الآثار والاتجار فيها.

 

عن عظمة وجمال الخبيئة التي أرشدت عنها عائلة عبدالرسول يسهب في وصفها د. زاهي حواس عالم المصريات الشهير والأمين العام الأسبق لهيئة الآثار المصرية :الخبيئة رقم‏4‏ بالبر الغربي بالأقصر‏ ،عثر علي الخبيئة الأولي بالدير البحري عن طريق عائلة عبدالرسول عام‏1871‏ م‏,‏ وداخلها‏40‏ مومياء ملكية نقلت إلي المتحف المصري في مشهد مهيب‏، برع العبقري شادي عبدالسلام في تصويره في فيلم المومياء‏، وأهم المومياوات الملكية التي عثر عليها داخل خبيئة الدير البحري هي مومياوات الملوك‏:‏ سقنن رع‏، وأحمس الأول‏، وأمنحتب الأول‏،‏ وتحتمس الأول‏،والثاني‏،والثالث‏،‏ وسيتي الأول‏، ورمسيس الثاني‏، والثالث‏،والتاسع‏.‏

 

أما الخبيئة الثانية التي عثر عليها أيضأ بالدير البحري عام‏1891‏ فقد وجد بداخلها ‏153‏ تابوتا ومومياء يعود معظمها لأفراد من أسرة كبار كهنة آمون‏، وكل هذه التوابيت موجودة حالياً ببدروم المتحف المصري بالقاهرة‏.‏

 

أما في وادي الملوك فقد استخدم كهنة آمون في عصر الأسرة الـ‏21,‏ مقبرة الملك أمنحتب الثاني رقم‏KV35‏ كخبيئة وقاموا بدفن تسع مومياوات ملكية بداخلها‏، بالإضافة إلي مومياوات أخري غير ملكية‏,‏ والمومياوات الملكية التي عثر عليها بداخل هذه الخبيئة أمنحتب الثاني صاحب المقبرة‏،‏ وتحتمس الرابع‏، وأمنحتب الثالث‏،‏ ومرنبتاح‏، وسا بتاح‏، وسيتي الثاني‏، ورمسيس الرابع‏، والخامس‏، والسادس‏.‏

 

وللكشف عن خبيئة المومياوات بـ‏KV35‏ قصة طريفة‏، فقد كان يعمل داخل هذه المقبرة العالم الفرنسي فيكتور لوريه‏، وهي من أجمل مقابر وادي الملوك وعثر علي التابوت داخل حجرة الدفن وبداخله مومياء الملك أمنحتب الثاني صاحب المقبرة‏، بالإضافة إلي العديد من القطع الأثرية المهمة التي تجعل هذه المقبرة تأتي في المقام الثاني بعد مقبرة الملك توت عنخ آمون‏،‏ والمقبرة جميلة ذات ألوان رائعة وتزينها مناظر لكتب العالم الآخر التي تساعد الملك لكي يسلك الأهوال والطرق الصعبة في العالم الآخر إلي أن يصل إلي جنة الأبرار أو يقوم بمصاحبة إله الشمس رع في رحلتي الليل والنهار‏ أو رحلتي الخلود‏.‏

 

ونعتقد أن عائلة عبدالرسول كانت لها اليد الأولي في الإرشاد عن خبيئة المومياوات ولا نعرف حتي الآن كيف استطاعوا معرفة مكان المومياوات؟

 

فقد كانت مخبأة خلف حائط من حوائط المقبرة ومنقوشة بالمناظر والنصوص التي لا يمكن أن يعتقد معها أحد أن هناك شيئا مخبأ خلف هذا الحائط‏ فأخبر أحد أفراد عائلة عبدالرسول الأثري الفرنسي أن هناك مومياوات مخبأة خلف هذا الحائط‏‏ وكانت مغامرة من الأثري الفرنسي أن يفتح “طاقة” في الحائط لكي يكشف عن السر المستحيل‏.‏ وقد استطاع هيوارد كارتر ـ الذي كان يعمل كبيراً لمفتشي الآثار بالبر الغربي بالأقصر في ذلك الوقت‏1898‏ ـ أن ينقل المومياوات الملكية المعروف أصحابها إلي المتحف المصري‏،‏ وترك داخل المقبرة ثلاث مومياوات‏.‏

ظلت عائلة عبد الرسول تتوارث أسرار كنوز ملوك الفراعنة وتترك بصماتها علي كل آثار المنطقة لكن الشيخ علي عبد الرسول كانت له قصة أخري مع أجداده الفراعنة فقد ظل الشيخ علي طيلة حياته يحمل مفتاح كنز الملك سيتي الأول حالماً بتحقيق أول كشف أثري علي يد مصري وعلي نفقته الشخصية ذلك الكنز الذي أفضي إليه أبيه محمد عبدالرسول بسره عندما كان يعمل مقاولاً للحفر في المقبرة التي اكتشفها المغامر الإيطالي “بلزوني” الذي جاء للبحث عن منابع النيل فأغرم بالآثار المصرية وسرعان ماجذبته مقابر الأقصر وكنوز القرنة ،استطاع “بلزوني” إعادة حفر مقبرة سيتي الأول بمساعدة الشيخ محمد عبدالرسول ،وعندما كان العمال ينقلون الحجارة من مدخل السرداب الداخلي لفت نظر الشيخ عبدالرسول درجات السلم المؤدية إلي مدخل حجري عرف الرجل بحكم خبرته أن هذا الباب حتماً هو المؤدي إلي حجرة الكنز الملكي وأدرك أنه وصل إلي سر الكنز فأعاد مع العمال ردم السرداب وأطفأوا السراج وأثاروا الغبار ووضعوا تابوت مرمري وسط القاعة نجح عبد الرسول في إقناع “بلزوني” بأن هذا أقصي ماوصلنا إليه واقتنع بلزوني فحمل التابوت وباعه وظل محمد عبدالرسول يحفظ سر الكنز الملكي ولم يفضي به لأحد إلا لابنه الشيخ علي عبدالرسول.

عقب ثورة يوليو 1952 تقدم الشيخ علي بطلب رسمي لمصلحة الآثار لحفر السرداب فشكلت لجنة برئاسة الأثري المعروف د. أنور شكري لدراسة الطلب وتم التصريح له بالحفر.

بدأ الحفر فعلا في سنة 1961 وبعد عشرين عاماً وصل الشيخ علي إلي درجات سلم السرداب وتم التأكد فعلاً من صدق الاكتشاف لكن كانت المفاجأة الغير سارة التي أصابت حلم الشيخ في مقتل صدور قرار بوقف العمل وإعادة ردم السرداب بحجة أن المصلحة ليس بها مهندسون لانشغال مهندسي المصلحة في إنقاذ آثار النوبة أثناء بناء السد العالي لتبداء رحلة أخري من النضال للشيخ علي ورغم الروتين والبيروقراطية والتعقيدات الإدارية لم ييأس الرجل وظل يطرق أبواب الصحف المصرية ووكالات الأنباء العالمية إلي أن وافته المنية في عام 1988 بعد أن أوصي ابنه الوحيد سيد الذي كان عمره آنذاك 16 عاماً بتحقيق حلم أبيه وجده.

ولكن ألا يعد إيقاف الحفر تعنتا من جانب الدولة المصرية؟

وأين دور مصلحة الآثار وحرصها علي تراث مصر الفرعوني؟

كيف أوقفت الحفر بعد عشرين عاما وبعدما وصل الكشف إلي مرحلة متقدمة؟

وحتي لانظلم مصلحة الآثار والدولة المصرية دافع الأستاذ حشمت أديب مدير عام التوثيق الأثري بمصلحة الآثار آنذاك عن وجهة نظر مقبولة ومعقولة من الدولة ومصلحة الآثار فيقول: مصلحة الآثار أوقفت الحفر في سرداب الملك سيتي لأسباب فنية طبقاً لما قرره المتخصصون حيث وصل الحفر إلي عمق كبير من الممكن أن يؤثر علي سلامة المقبرة التي تعد من أجمل المقابر المصرية بوادي الملوك خاصة أن وجود الكنز في السرداب محتمل وغير مؤكد لاعتماده علي الرواية الشفهية وليس علي أساس علمي ،لقد راعت المصلحة اعتبارات علمية حرصاً علي المقبرة التي يعد سقفها معجزة معمارية وفنية بكل المقاييس ،حيث صور الفنان المصري القديم مناظر فلكية تصور أبراج السماء كما تخيلها المصري القديم تعكس علماً حقيقياً عميقاً بعلم الفلك”.

في عام 2007 تم إسناد المقبرة أو السرداب لمجموعة من الأثريين والمرممين المصريين برئاسة د. زاهي حواس للوصول إلي سر الكنز.

بدأت المجموعة بالفعل بإزالة الرديم والأحجار كما قاموا بحمل السقف والجدران بدعامات من القضبان الحديدية حتي لاينهار السرداب وأخيراً وبعد أكثر من مائتي عام توصلوا إلي سر سرداب الملك سيتي الأول.

وفي مؤتمر صحفي عالمي يعلن د. زاهي حواس الأمين العام للمجلس الأعلي للآثار ورئيس البعثة التي عملت بالسرداب عن حقيقة هذا الاكتشاف الضخم والذي تم علي يد مصريين ولأول مرة نري السرداب بدأ يظهر بشكل كامل ومختلف عن المائة سنة الماضية منحوتاً في الصخر مقبرة داخل مقبرة.

كما أعلن عن محتويات المقبرة ومنها أواني فخارية وتماثيل أوشابتي وخراطيش مكتوبة علي أحجار جيرية كما تم العثور علي نموذج لمركب من الفيانس وثلاثة سلالم عليها كتابات جرانيت باللون الأحمر والأجمل في نهاية المؤتمر أسند د. زاهي حواس الفضل لأهله والي عائلة عبد الرسول التي اكتشفت الإرهاصات الأولي لهذا الكشف وأثني حواس علي الدور العظيم الذي قام به الشيخ علي عبد الرسول وعماله في السرداب في عام 1960 ولمدة عشرين سنة كاملة.

أسئلة كثيرة تتبادر إلي الأذهان هل هذه العائلة هي أول من وضع اللبنة الأولي لفكرة أن يكون لمصر وللمصريين مشروع قومي لتمصير الآثار مع الوضع في الحسبان مالهم وماعليهم فهم لم يكونوا ملائكة كما لم يكونوا شياطين والأعمال بخواتيمها علاوة علي أن القومية والتمصير لم تكونا قد تبلورتا بعد نظرا لتفشي الجهل والخرافات والأمية ،والأهم أن القانون رقم 215 لسنة 1951 كان يبيح تجارة الآثار وكانت مصلحة الآثار تشرف عليها مباشره إلي أن جاء القانون 117 لسنة 1983 وجرم تجارتها.

ومما تردد علي ألسنة رجال ونساء طيبة في هذا الشأن أن جدهم الأكبر كان يعرف مكان مقبرة “توت عنخ آمون” ورفض الكشف عنها خوفًا من نهبها بواسطة المكتشفين الهواة،  وحصولهم رسميًّا على بعض القطع طبقًا لقانون الاكتشافات الأثرية فى ذلك الوقت.

مازال عبد الرسول وعائلته مصدر لإلهام السياح والمرشدين ودارسي التاريخ الفرعوني يشرحون قصة حياة عبد الرسول للزائرين الأجانب.

كتبت قصة عبدالرسول وعائلته بأحرف بارزة في التاريخ المصري سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم وظهرت عشرات بل مئات الأبحاث والأفلام الوثائقية بكل لغات العالم عن عبدالرسول وعائلته ومازال السياح الأجانب الذين يأتون إلي الأقصر يسألون عن عبد الرسول وبيته ويلتقطون الصور التذكارية مع أحفاده

وإلي من يختلف معي وينعت عبد الرسول وأبناءه باللصوص وسارقي الآثار أليسوا أفضل من كارتر وبلزوني وكارنافون وبعض المكتشفين الأجانب فمتي سنتخلي عن عقدة الخواجة؟

بل إن عبدالرسول وعائلته يعود لهم الفضل في الكشف أيضًا عن مقبرة رمسيس الثاني، والمحير أنهم رفضوا المكافأة مقابل عشرات الأفدنة وكان طلبهم الوحيد أن يتم سك عملة إنجليزية “جنيه” من الذهب توضع عليه صورة عبدالرسول مثل ملكة بريطانيا، وفعلًا تم سك عملة باسمه، ومازالت موجودة إلي الآن بالمتحف البريطاني لذلك أطلق عليهم البعض حملة مفتاح التاريخ الفرعوني فمتي سنعيد كتابة التاريخ؟

احصائيات كورونا في مصر اليوم
13

الوفيات الجديدة

الحالات السلبية

189

الحالات الجديدة

6291

اجمالي اعداد الوفيات

99652

عدد حالات الشفاء

107925

اجمالي اعداد المصابين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى