دنيا ودين

عبد الرحمن علي البنفلاح يكتب عن عطاء البلاء الخفي ويصفه بأنه غير مجذوذ

إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط

عطاء غير مجذوذ!

بقلم/ عبد الرحمن علي البنفلاح

للبلاء عطاء، وأيضًا فللعطاء بلاء!، وهذه حقيقة قد لا يدركها كثير من الناس.. وعطاء البلاء خفي، كما أن بلاءه خفي هذا إذا اتسع حسن ظن العبد لمولاه سبحانه، واحتسب الأجر عنده على ما أصابه.

والعبد إذا آمن بأن لله تعالى حكمة بل حكم جليلة وخفية قد لا يدركها العبد لأنه لا يعلم مآلات ما ينزل به من قضاء، ولو أجل العبد طاعة الأمر انتظارًا حتى يعرف الحكمة، فإنه بذلك يكون قد آمن بالحكمة ولم يؤمن بالحكيم سبحانه، ولكنه لو بادر وسارع إلى الاستجابة إلى أمر مولاه سبحانه سواء علم الحكمة من هذا الأمر أم لم يعلمها، فهو المؤمن حقًا وصدقًا، ونضرب على ذلك مثلاً عمليًا.. لقد حرم الله تعالى على المؤمنين أكل لحم الخنزير ولم يبين لهم الحكمة في ذلك، فلو أجل المسلمون الإنقياد لهذ الأمر الإلهي حتى يعلموا الحكمة منه لكانوا مؤمنين بالحكمة لا بالحكيم سبحانه، ولكان أصابهم من هذه المعصية ما أصابهم، ولابتلوا بالأمراض التي يكون الخنزير سببًا فيها، ولكن المسلمين إيمانًا بحكمة مولاهم سبحانه لم يؤجلوا فعل الطاعة انتظارًا لمعرفة الحكمة، بل قالوا:(سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) البقرة/285.

إذا، فمن عطاء البلاء الإيمان بالحكيم سبحانه قبل الحكمة، ومن عطائه أيضًا أن فيه إشارة إلى حب مولاه سبحانه له، واختياره من بين خلقه ليكون وسيلة إيضاح لأمره ونهيه سبحانه.

وانكسار العبد لمولاه سبحانه، ولما ينزل به من بلاء, عطاء خفي لأن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم ليسمع تضرعهم، ونغمة التضرع والاحتياج إلى الله تعالى هي أجمل نغمة يحب أن يسمعها الحق سبحانه من الخلق، قال صلى الله عليه وسلم: [إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط] (رواه الترمذي. وقال: حديث حسن).

البلاء إذا ميزان للحب تعرف منه قدر حب مولاك سبحانه لك، فإذا ابتلاك وأنت مقيم على الطاعة، عاملاً بأمره، منتهيًا بنهيه، فاعلم أن الله تعالى يريد لك الخير، فإما تطهيرًا لذنوبك، وإما رفعة لمنزلتك إلى المقام والدرجة التي يريدها الله تعالى لك ولا تستطيع بلوغها بالطاعات.

ومن عطاء البلاء أيضًا أنك تعرف مقدار حب الناس لك، وتداعيهم على زيارتك وأنت في ضعف وعجز حيث لا تستطيع تقديم خير لهم، أو دفع شر عنهم، فحبهم لك، ومسارعتهم إلى زيارتك دليل على نقاء علاقتهم من شوائب الدنيا والمصالح الخاصة.

ومن عطاء البلاء أيضًا تصفية النفس من الأكدار، وصفاء القلب من الملوثات المعنوية التي تقلل من كفاءة عمل الجوارح في أدائها للطاعات.

وللبلاء عطاء في أن الإنسان مهما علا قدره، وذاع صيته، ونال من المناصب ما يحسده الناس عليها، فهو في النهاية عبد ذليل لمشيئة مولاه سبحانه، خاضع لأمره ونهيه لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شرًا أو يجلب لها خيرًا، فضلاً ان يفعل ذلك لغيره. هذا الضعف والعجز اللذان يشعر بهما العبد المبتلى يجعله يتواضع للناس ولا يتكبر عليهم، ويطامن من غروره واستكباره فلا يستبد، ويعلم أن الدنيا مرة لك ومرة عليك، وأنك أيها الإنسان الضعيف العاجز من الأغيار، فاليوم أنت صحيح البدن، مكتمل الجوارح، صاحب مال وجاه وسلطان، وغدا تكون سقيمًا لا مال عندك، ولا جاه ولا سلطان، وبعد أن كان الناس يخطبون ودك، ويسعون إلى مرضاتك، وبعد أن كان مجلسك يغص بالزائرين الذين تظن أنهم يأتونك حبًا فيك، وتقديرا لك، سوف تكشف لك الأيام أنهم إنما يزورون المال والجاه والسلطان، فإذا خلت يداك منها انفض الناس عنك، وذهبوا يلتمسون ما فقدوه عندك عند غيرك، ويبذلون لهم ما قد بذلوه لك أيام إقبال الدنيا عليك.. كل ذلك يكشفه البلاء، وهذا من عطائه غير المجذوذ.

الوسوم
احصائيات كورونا في مصر اليوم
18

الوفيات الجديدة

الحالات السلبية

131

الحالات الجديدة

5733

اجمالي اعداد الوفيات

87958

عدد حالات الشفاء

101772

اجمالي اعداد المصابين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق