مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

راقصة الفالس

بقلم – عواد المخرازي “الأردن “:

قد يهمك ايضاً:

خالد جلال يفتتح “العيال فهمت ” على مسرح ميامي 

حسين الجسمي: عندما أغني أمام الجمهور الكويتي فإنه يحتضنني

_ مساء الخير ، أراك تنظرين للوحاتي باستياء . ألم تعجبك .
_ لم يعجبني البحر والسفن إني أكرههما . وكل معرضك يتحدث عن ذلك .
_ نعم أنا عاشق كبير للبحر . لماذا تكرهين البحر ؟! إن كل الخير الذي تنعم به البشرية آت منه .
_ لقد أبعدني عن وطني . _ وأين وطنك أن لك ملامح شرقية .
_ نعم ٱني من هناك حيث نحت الأنسان أول حروف الأبجدية .
_ أنت عربية أذن . لقد عرفتك الآن . لقد شعرت بذلك مذ رأيتك . إني عربي ايضا . جئت إلى هنا في زيارة لسويسرا لأنشر بعضا من أعمالي . اسمي ” صخر ” وأنت ؟.
_ ” نادية” . _ أهلا بك . لماذا كل هذا الألم والقلق الذي يظهر على محياك . _ إني هنا لاجئة . سرقني البحر وقذفني هنا . ابتعدت كثيرا لأهرب من ذلك المستنقع المملوء دما ووحلا حيث يقتل الإنسان أخيه الإنسان بلا سبب . لقد تحضرت كل البشرية ولم نتحضر نحن . وتسألني عن كل ذلك القلق والهم الذي استوطن قلبي وسكن وجهي . قل لي بربك لماذا نحن هكذا . متى يتوقف حمام الدم ذاك ويجف بخاره . ( بكت ونحبت بصمت ) _ حسنا يا عزيزتي نادية . هل تذكرين ثمار التفاح التي تنمو في شرقنا و لم تنضج بعد وسقطت إلى الأرض بعد أن قطع عنها الماء . إنها ” عجرا” هكذا نسميها ، تتقاتل عليها الحشرات ثم تلتهمها الديدان والخنافس ولا فائدة للبشر منها أليس كذلك .
هكذا نحن . منذ خمسينيات القرن المنصرم وحتى بداية الثمانينيات . نشأت حركة علمية وثقافية هائلة في وطننا العربي . وبدأ الوعي العربي يظهر . بقوة .ظهر الكثير من الادباء والعلماء والفنانيين والمفكرين . لكننا استبدلنا كل اولئك ، بمروجي العهر والفسق ليقودوا الجماهير . الراقصات . العاهرات ، المخنثيين وحوش المال سيطروا على عقول الامة من خلال الفن الهابط في من مسلسلات ومهرجانات واصبحت الشغل الشاغل للأمة . حتى إذا عطست فنانة وكانت بائعة هوى في ماضيها تصدرت عطستها تلك جميع القنوات والصحف العربية . وهذا ينطبق على رجل يطارد كرة پأسم الرياضة . وتم الغاء ووجود العالم والمفكر والاديب الفنان الحقيقي القائد . فكانت النتيجة أن قاد سفلة المجتمع خيارها وفرغت عقول الشباب .
وكنا نعتبر ذلك الهرج . من مخرجات حضارتنا الناشئة حديثا . استمتعنا بهذا . عندما انفتح العالم علينا من خلال النت ومواقع التواصل . في التسعينيات والالفية الثالثة الجديدة
ورأينا ما لديهم . وما نملكه ونعيشه من فقر وظلم وفوضى . قررنا الثورة بجهلنا لنلحق بركب الدول المتحضرة . لكن ثمرة التفاح تلك لم تنضج بعد بدل أن نصلح دمرنا كل شيء فالتهمتنا الحشرات والديدان .
لقد سخرنا من العقل الواعي في اوخر القرن المنصرم ولم نسمح لهم بقيادتنا . فكانت هذه النتيجة . هل فهمت . الوعي يفرز وعيا وحبا ويجمع القلوب والجهل يفرز فرقة وكرها وتخلفا.
_ شكرا لك لتوضيح هذا . _ ساتركك يطلبونني هناك لاتحدث عن لوحاتي. _ هل يمكننا اللقاء ثانية ؟
_ حسنا . غدا في تمام الساعة السادسة مساءأ . هناك حفلا لكونشيرتو الكمان لمندلسون . تعزفه “جينان جانسون ” وتقدمه. اوركسترا جنيف فل هارموني . ما رايك .
_ موافقة سنلتقي هناك اذن.
الساعة السادسة كانت هناك على الموعد . دخلا القاعة.
_ حسنا ، سأشرح لك شيئا . مندلسون موسيقي يهودي . عاش في أوروبا في القرن التاسع عشر . لكن موسيقاه تتوشح برائحة الشرق . سيعجبك الكونشيرت .
جلسا ، وبدأت الموسيقى باوكتافها الثالث ترسم اولى الألحان . يشق صوت الكمان الفضاء . الآف الحضور يسترخون مغمضي الأعين . لتنهل القلوب من هذا الجمال.
_ أريد ان اذهب هناك وأرقص . _ ما بك هل جننت . هذه اوركسترا وهذا كونشيرت ليست حفلة رقص .
… تتركه وتذهب الى منصة الاوركسترا أمام جلبة واستغراب الجمهور والعازفين . وتبدأ بالرقص .
_ نادية . نادية هذا لا يليق . _ دعني فأنا عربية ومن حقي فعل اي شيء .
_ سيدي المايسترو إنها روح عربية لاجئة معذبة . هل يمكنك لو قليلا عزف شيئا ما لشترواس . الدانوب الأزرق .. سأراقصها قليلا لتهدأ روحها .
…. تتحول الأوركسترا . وتبدأ الإيقاعات تعزف الفالس .
_ هيا هاتي يدك ساراقصك . _ وهل ستفعل . _ هيا اعطني يدك ، وتقدمي خطوة خطوتان ثلاث ودعي قلبك يوقع تلك الخطوات .على قلبك أن يتماهى ويتناغم مع حركات الجسد وموسيقى الفالس .
_ إني سعيدة جدا . كلما صدحت الألآت ورفعت يدي للأعلى
التصق قلبي أكثر بأرضي البعيدة هناك . برغم الألم في قلبي لكنني أشعر بالسعادة الآن.
…..يصفق الجمهور مشجعا . ويتسم عازفوا الألآت وقائدهم لتلك الراقصة الشرقية .
_إني أشعر بأنفاسك إني أحبك .
_ إنك تحبين الفرح وتشتاقينه . بالكاد تعرفينني يا عزيزتي.
إن أنفاسك تدفئني .
_ سأجعلك تفرحين . وتثملين من السعادة .
_ إني ألتصق بك بشدة لا أستطيع الفكاك . أرجوك . ما هذا . إني ألتصق بك تماما .
_ حسنا ، اغمضي عينيك ، استرخي، وارسمي طريقا للفرح بقلبك . وحرري روحك من كل كره وألم.ستتحرر حتما. _ حسنا إني اتحرر. لقد ابتعدت عنك .
…….. تصرخ بأعلى صوتها .
_ ما بك ؟ _ لقد اختفى الجمهور ، الكراسي فارغة ، واختفت الأوركسترا ، إن الظلام يطوق كل شيء . ما هذا ؟ ماهذا ؟ إني خائفة جدا . تصرخ تبكي مذعورة طالبة النجدة .
_ لاتخافي أني هنا بجانبك ،_ ما هذا الذي يحصل ، هل هذا حقيقي.لا استطيع الرؤية هل أنا في حلم .
_ اقتربي مني تحسسي وجهي ، هل ترين ٱننا حقيقة .
أنظري في أعماقك ، واطردي الألم والخوف والكره وسامحي كل من آذك وهجرك .واشعلي ذلك النور في داخلك واشحنيه بالحب والسلام حتما ستبصرين .
_ سأفعل . إني أبصر من جديد . نعم أبصر ” تصيح” .وأرى ظلي هناك.
لقد تركني واعتقدت أنه هرب من هول ما رافقنا في درب مرسوم لنا ما زلنا نكتشف بداياته.
_ إننا من نرسم ما هو مكتوب لنا . وإن ظلنا لم يهرب يوما أبدا .
………….
_ أبي أبي ما بك ؟ ترقص وتبكي أمام لوحتك . _ ماذا وهل فعلت هذا . نعم يا صغيرتي ، كنت أراقص جميلة داخل هذه اللوحة وأتخيلها ._ أبي لكن لا توجد صورة في اللوحة فقط أثار أقدام كثيرة . وخيالات لاجساد غير موجودة . _ لا إنها هناك إني اراها ، _ ما اسمها _ نادية _ هل هي جميلة _ لم أرها لكن روحها جميلة جدا . _ وما هذه الخطوات المرسومة . _ إنها آثار الأباء والأجداء با حبيبتي ، وتلك ظلالهم ، من هنا علموا البشرية الحب والسلام وأبجدية اللغة ، لكننا لم نقتفي تلك الخطوات ، ضعنا وأضعنا وضاعت امتنا . _ وما هذا ، الذي يشبه الطاحون ؟ _إنه أيلول يا حبيبتي ، بصولجانه يطهر الفضاء والحقول من رائحة البارود . وينشر أرجوانه لتزورنا طيور الكركي والبجع المهاجرة لتزين سمائنا بعد ان اخافتها أصوات القنابل وهجرتنا منذ سنوات طويلة ._ وتلك العشوش المتناثرة .. _ إنها أعشاش السنونوات . يرسمها الفرح والحب والسلام لتعود من جديد تسكن حقولنا .
_ أبي اريد مراقصتك . _ حسنا هيا ،_ اعطني قبلة ،_ هاكها _ اريد اكثر واكثر هيا قبلني وراقصني . _ حسنا ، لا يمكنني ان أشبع منك ابدا .
_ أبي الظل في اللوحة طويل وظلك ايضا لكن ظلي قصير اريد ان اكبر واصبح بطولك .
_ لا لا، لا أريدك أن تكبري أبدا ، لا يمكنني أن أشبع منك . هل فهمت لا تكبري .
بدلع الصغيرات …_ أبي يييييييي.
 

اترك رد