مقالات

الهيدروجين مصدر طاقة نظيف

بقلم – الدكتور علي عبد النبي:

هناك شروط تحدد استخدامنا لمصادر الطاقة، فيجب أن تكون طريقة الاستخدام أقل كلفةً وأكثر كفاءةً وأسهل استخداماً وأكثر أماناً. فكم من مصادر طاقة يخيل للإنسان أنها مفيدة للبشرية، ولكن هناك من العيوب التى تحول دون استخدامها، أو يمكن استخدامها لكن فى نطاق محدود.

المجتمع البشرى هدفه التحول إلى نظام طاقة خالٍ من ثانى أكسيد الكربون “طاقة نظيفة”، ومع مرور الوقت، يمكننا الاستغناء عن استخدام الوقود الأحفورى (فحم وبترول وغاز طبيعى). ويعتبر التحول إلى نظام طاقة نظيفة “خضراء” قضية اجتماعية معقدة، لأنها تنطوى على أكثر بكثير من مجرد حلول تكنولوجية، لأن العواقب الاقتصادية والجوانب الاجتماعية تلعب على الأقل دورا كبيرا.

غاز الهيدروجين هو العنصر الأكثر وفرة فى الكون، حيث يوجد في الشمس، ومعظم النجوم. حوالى 75% من جميع المواد تتكون من الهيدروجين. فهو يدخل فى تكوين معظم المركبات العضوية والهيدروكربونية والماء. والهيدروجين فى الطبيعة غالبا ما يكون على شكل جزيئات “H2″، ولا يوجد في صورة غاز منفرد.

وقود الهيدروجين أكثر كفاءة من المصادر الأحفورية الملوثة للبيئة، فالطاقة التى ينتجها حرق كيلوجرام من وقود الهيدروجين تكافئ الطاقة الناتجة من حرق 3 كيلوجرام من البنزين. والهيدروجين كوقود هو أحد مصادر الطاقة الخضراء، فهوغير ملوث للبيئة، فعند حرقه ينتج بخار الماء. فى المقابل نجد أن الفحم وهو أحد المصادر الأحفورية الملوثة للبيئة، وعند حرق طن من الفحم، ينبعث منه فى الغلاف الجوى 3.75 كيلوجرام من ثانى أكسيد الكبريت، و1892.6 كيلوجرام من ثانى أوكسيد الكربون، و2.1 كيلوجرام من ثانى أوكسيد النيتروجين، و152.4 كيلوجرام من رماد الفحم.

نظراً لعدم وجود الهيدروجين كغاز على الأرض، فيجب فصله عن العناصر الأخرى. وكيفية استخلاص غاز الهيدروجين من مركباته تعتبر من العناصر الحاكمة فى جدوى استخدامه اقتصادياً.

تم تسمية الهيدروجين بالرمادى والأزرق والأخضر، وذلك طبقا لكمية الكربون المنبعثة أثناء تحضير الهيدروجين صناعيا. الهيدروجين الرمادى Grey Hydrogen، هو الهيدروجين المنتج باستخدام أنواع الوقود الأحفورى مثل الغاز الطبيعى. والهيدروجين الأزرق Blue Hydrogen، هو الهيدروجين المنتج باستخدام مصادر منخفضة الكربون. والهيدروجين الأخضر Green Hydrogen، هو الهيدروجين المنتج باستخدام مصادر طاقة خضراء. لسوء الحظ، نجد أن الهيدروجين الرمادى، يمثل حوالى 95% من الهيدروجين المنتج فى العالم اليوم.

 يتم إنتاج الهيدروجين الرمادى بشكل أساسى عن طريق تشكيل الغاز الطبيعى فى التطبيقات الصناعية. حيث يستعمل الغاز الطبيعى الذى تتم معالجته مع بخار الماء تحت حرارة عالية، تتراوح ما بين 800 – 1700 درجة مئوية، فى غرفة احتراق، وبوجود عامل مساعد. هذه الطريقة ينطلق منها الكثير من ثانى أكسيد الكربون. وتظل الحقيقة أن الكثير من إنتاج الهيدروجين فى العالم مرتبط بالغاز الطبيعى.

الهيدروجين الأزرق (منخفض ثانى أكسيد الكربون)، يكون أكثر كلفة، حيث يتم التقاط معظم انبعاثات ثانى أكسيد الكربون وتخزينها، حتى 90 ٪ ، أثناء إنتاج الهيدروجين الرمادى.

الطريقة الأكثر شيوعا لإنتاج الهيدروجين الأخضر، تتم بواسطة التحليل الكهربائى للماء، حيث تتفكك جزيئات الماء، إلى أكسجين وهيدروجين. التحليل الكهربائى طريقة مجربة، ولكنها ليست ناضجة بما يكفى لاستخدامها على نطاق واسع، وهى مكلفة نسبياً. تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر أعلى بمرتين إلى ثلاث مرات من الهيدروجين الرمادى المنتج من الغاز الطبيعى، لذا فهى ليست تنافسية حقا.

يمكن للهيدروجين الأخضر أن يقدم مساهمة مهمة فى تقليل انبعاثات ثانى أكسيد الكربون، من خلال استخدامه على نطاق واسع فى الصناعة والنقل الثقيل على الطرق، فالصناعة مسؤولة عن حوالى 30٪ من هذه الانبعاثات، وقطاع النقل مسؤول عن حوالى 20٪.

يعتبر الهيدروجين الأخضر هو البديل الوحيد لاستخدام طاقة الرياح والطاقة الشمسية على نطاق واسع فى نظام الطاقة المستدامة فى المستقبل. حتى بالنسبة للقطاعات التى يصعب إزالة الكربون منها، مثل العمليات الصناعية ذات درجات الحرارة العالية والنقل الثقيل والطيران، فإن الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ليست كافية أو مجدية ، ولكن فى كثير من الحالات، يعتبر الهيدروجين الأخضر بديلاً جيدًا. وسيقدم الهيدروجين أيضاً مساهمة مهمة فى المرونة فى نظام الطاقة. كما أن هناك الكثير الذى يتعين القيام به، لتحفيز إنتاج واستخدام الهيدروجين الأخضر، باستخدام الكهرباء من الرياح والشمس فى التحليل الكهربائى للماء.

يستخدم الهيدروجين كشكل من أشكال تخزين الطاقة، حيث يتيح التخزين المؤقت على نطاق واسع، فى كهوف الملح أو حقول الغاز الفارغة. فالكهرباء المتقطعة الناتجة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تستخدم فى إنتاج الهيدروجين، وتخزينه، ويمكن تحويله إلى كهرباء عند الحاجة. وعلى المدى الطويل يكون تخزينها ونقلها على هيئة هيدروجين أرخص بكثير من تخزينها فى بطاريات ليثيوم أيون. اليوم، تمتلك ألمانيا وحدها القدرة على تخزين 37 مليار متر مكعب من الهيدروجين.

قدرة محطات التحليل الكهربائى المتاحة حاليا، تتراوح ما بين 1 إلى 10 ميجاوات، ومن أجل إمدادات  الهيدروجين الأخضر، فى القطاعات التى يصعب تحقيق الاستدامة فيها، مثل صناعة الصلب وحركة النقل الثقيلة على الطرق والجو والشحن، وكذا لتوفير الكهرباء عندما لا تكون هناك رياح أو شمس، يتعين رفع قدرات محطات التحليل الكهربائى إلى مستويات الجيجاوات.

خلية وقود الهيدروجين تعتبر من الاستخدامات الشائعة للهيدروجين، خلية وقود الهيدروجين لا تحرق الهيدروجين، لكنها تعمل مثل البطارية، وتنتج الكهرباء من خلال تفاعل كهروكيميائى، الذى يولد الكهرباء دون أى احتراق، والعادم عبارة عن ماء. وعلى عكس البطاريات، فخلايا الوقود لا تتآكل ولا تحتاج لإعادة شحن. خلية وقود الهيدروجين تنتج كهرباء وحرارة وماء بشكل مستمر، طالما يتم توفير وقود الهيدروجين. خلية الوقود الواحدة تنتج حوالى فولت واحد من الطاقة. ولزيادة كمية الكهرباء المولدة، يتم دمج خلايا الوقود الفردية لإنشاء حزمة من خلايا الوقود، حسب الطاقة المطلوبة.

وكالة “ناسا” أول من بدأ فى استخدام الهيدروجين السائل، فى الخمسينيات كوقود دفع الصواريخ والمركبات الفضائية. كما استخدمت وكالة “ناسا” خلايا الوقود لأول مرة فى عام 1965، لإمداد الأجهزة الألكترونية بالكهرباء خلال رحلة سفينة الفضاء جيمنى 5. خلايا الوقود لا توفر الطاقة فحسب، بل توفر أيضاً الماء لرواد الفضاء. ومع تحسن تكنولوجيا خلايا الوقود، استخدمتها “ناسا” فى جميع المهام الفضائية المأهولة، التالية بما فى ذلك برامج أبولو ومكوك الفضاء.

استخدام الهيدروجين آخذ فى الازدياد فى النقل البرى، فخلايا الوقود الصغيرة تستخدم فى تسيير السيارات الكهربائية، لإنتاج الكهرباء لتشغيل المحرك الكهربائى، وغالبية السيارات الجديدة تستخدم تكنولوجيا خلايا الوقود، حتى السكك الحديدية والطيران، فقد اختبرت الصين طائرة مأهولة تعمل بالهيدروجين. وأخيرا، طورت الصين أول ترام يعمل بخلايا الوقود. وخلايا الوقود الكبيرة تستخدم فى توفير الكهرباء للمبانى فى المناطق النائية غير المتصلة بشبكات الطاقة الكهربائية.

فى عام 2020، ظهر فى السوق شاحنة بضائع حمولة 34 طن، مع محرك بقوة 476 حصاناً، تعمل بخلايا وقود الهيدروجين، هذه الشاحنة قادرة على السفر لمسافة 400 كيلومتر على خزان ممتلئ بالهيدروجين، وملء الخزان يستغرق زمنا يتراوح بين 8 إلى 20 دقيقة. ويوجد فى السوق سيارات كهربائية (4 راكب) تعمل بخلايا وقود الهيدروجين. هذه السيارة قادرة على السير لمسافة 480 كيلومتر على خزان ممتلئ بالهيدروجين، وملء الخزان يستغرق زمنا أقل من 4 دقائق. تم تجهيزها بتكنولوجيات متقدمة أخرى لزيادة الكفاءة، مثل أنظمة الكبح “الفرامل” المتجددة، والتى تلتقط الطاقة المفقودة أثناء الكبح وتخزينها فى بطارية.

يمكن حرق غاز الهيدروجين مباشرة فى محرك احتراق داخلى. هذا المحرك عبارة عن نسخة معدلة من محرك الاحتراق الداخلى التقليدى الذى يعمل بالبنزين. لكن يتطلب تعديل غرفة الاحتراق، ومعايرة توقيت بدء شرارة الإشعال، من أجل تجنب أضرار الطرق المدمر.

فى نظام الطاقة المستدامة المتصور لدينا، نجد أن الهيدروجين الأخضر مناسب كوقود نظيف لجميع العمليات الصناعية والكيميائية، وكذا الصناعات الثقيلة. تستخدم الصناعة كميات هائلة من الهيدروجين، منها تكرير البترول، ومعالجة المعادن، وإنتاج الأمونيا والأسمدة، وأنواع البلاستيك المختلفة، وإزالة الكبريت من الوقود، وتصنيع الأغذية. ثم يمكن أن يحل الهيدروجين محل الغاز الطبيعى كوقود فى عمليات إنتاج الحرارة ذات الدرجات العالية.

بينما تهيمن طاقة الرياح والطاقة الشمسية على النصيب الأكبر فى الطاقة المتجددة، يظهر الهيدروجين بهدوء كعنصر رئيسى فى مزيج الطاقة المتجددة فى العالم. تكشف الأرقام الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية، أن الإنتاج العالمى السنوى من الهيدروجين الأخضر قد زاد من 0.04 مليون طن فى عام 2010 إلى 0.36 مليون طن فى عام 2019، ومن المتوقع أن يصل إلى 1.45 مليون طن فى عام 2023. بينما نجد أن الإنتاج العالمى السنوى من الهيدروجين الرمادى يصل إلى حوالى 60 مليون طن. وتتصدر الصين الإنتاج العالمى من الهيدروجين الرمادى، حيث يبلغ إنتاجها السنوى 20 مليون طن.

الأمر الأكثر تشجيعاً هو أن تكلفة إنتاج الهيدروجين تنخفض بمعدل كبير، حيث تتوقع أرقام من وزارة الطاقة الأمريكية، أن تكلفة إنتاج الهيدروجين يمكن أن تنخفض من 6 دولار/كجم  فى عام 2015 إلى ما يصل إلى 2 دولار/كجم بحلول عام 2025، يقع هذا الانخفاض الكبير بدقة فى الإطار الزمنى للمعايير البيئية، مثل أهداف باريس المناخية.

التحديات التى تواجه الهيدروجين الأخضر كوقود نظيف، مرتبطة بمسائل الإنتاج والتطور التكنولوجى، وتشمل تكنولوجيا إنتاج الهيدروجين، والتكلفة العالية للبنية التحتية لتوزيع الهيدروجين، ومعايير الصناعة.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى