مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون
رئيس مجلس الإدارة: السيد حمدي   رئيس التحرير: كمال سعد
رئيس التحرير التنفيذي: خالد عامر

الهيدروجين الأخضر.. ومستقبل الطاقة المتجددة في مصر

بقلم – د . إســلام جـــمال الــدين شـــوقي:

خــبير اقــتصادي

عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي

سعت مصر على مدار السنوات الماضية نحو تحقيق حلمها في ” التحول إلى مركز إقليمي للطاقة ” حيث قامت بوضع استراتيجية قائمة على التوجه العالمي للحد من انبعاثات الكربون وتخفيف آثار تغير المناخ، وتماشيًا مع استراتيجية الاتحاد الأوروبي لخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المعروفة بـ ” الإتفاق الأخضر” خلال الفترة الزمنية ( 2035 – 2050 )، وذلك من خلال الاعتماد على مصادر متنوعة للطاقة النظيفة، خاصة الطاقة المتجددة، لتصبح من خلال هذه الاستراتيجية محورًا مركزيًا على خارطة الطاقة ونقطة إلتقاء بين القارات الثلاث أوروبا وآسيا وأفريقيا.

وقد مكنت العوامل والثروات الطبيعية مصر من المضي قدمًا في خطتها نحو التحول إلى مركز إقليمى للطاقة، حيث تم اكتشاف حقل ظهر شرق البحر الأبيض المتوسط، والذي مكن مصر في أن تصبح مركزًا لإنتاج وتداول الغاز الطبيعي فى المنطقة، والذى أسفر عن تحويل منتدى غاز شرق المتوسط إلى منظمة رسمية مقرها القاهرة، لتراهن مصر بذلك على موقعها الجغرافي وعلى اكتشافات المتوسط، وتصبح لاعبًا أساسيًا فى سوق الغاز.

وإذا تتبعنا الأمر عن كسب سنجد أن العالم بأسره يتجه نحو ثورة جديدة في مجال الطاقة، فبعد سنوات كثيرة من استحواذ مصادر الطاقة غير المتجددة المتمثلة في الوقود الأحفوري على الطاقة، إلا أن نظام الطاقة العالمي على أعتاب حقبة جديدة مع سطوع نجم جديد في مجال الطاقة النظيفة والمتجددة وهو الهيدروجين الأخضر.

والجدير بالذكر أن مصر نفذت عددًا من المشروعات القومية لتوليد الطاقة المتجددة من الرياح والشمس، وذلك ضمن خطتها لرفع نسبة مشاركة الطاقات المتجددة فى الحمل الأقصى من 20% بنهاية عام 2022، إلى ما يزيد على 42% بحلول عام 2035، ولقد قامت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة بتحديث استراتيجية الطاقة فى مصر لتشمل الهيدروجين الأخضر لتبدأ مصر عقدها الجديد بالدخول فى سوق إنتاج الهيدروجين الأخضر لتوليد الطاقة، لتصبح من أوائل الدول فى الاعتماد على هذا النوع من الطاقة، بل وتستهدف أن تكون مركزاً لتصديره لدول العالم.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ماهو الهيدروجين الأخضر؟

” الهيدروجين الأخضر” هو عبارة عن وقود خالٍ من الكربون، مصدر إنتاجه هو الماء، ويتم إنتاجه عن طريق التحليل الكهربائي باستخدام الآت تعمل على تحليل الماء إلى عنصريَ الهيدروجين والأكسجين، بواسطة كهرباء يتم توليدها من مصادر طاقة متجددة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية لفصل جزيئات الأكسجين عن الهيدروجين الموجودة في المياه، ومن ثم استخدام الهيدروجين الناتج مباشرةً، ويتوافق الهيدروجين الأخضر مع أهداف حماية البيئة ومكافحة الاحتباس الحرارى، لكونه يعتمد إزالة الكربون وتقليص نسبته فى الهواء.

 

مميزات الهيدروجين الأخضر:

وللهيدروجين الأخضر مميزات عديدة يأتي من بينها إمكانية استخدامه في كلٍ من الحالة السائلة والغازية، وتحويله إلى وقود أو كهرباء، ويمكن إنتاجه ونقله في أي مكان وتخزينه لفترات طويلة من الزمن؛ حيث يُمكن تخزينه في خطوط أنابيب الغاز الموجودة حاليًا لتزويد المنازل بالطاقة، والقضاء تقريبًا على الانبعاثات، باستخدام الطاقة المتجددة، التي تزداد وفرةً، ولا تتطلب ظروفًا مثالية لتتولد، وذلك بالتحليل الكهربي للمياه. وعلاوةً على كل ذلك، يُمكن تشغيل أي شيء يستخدم الكهرباء بواسطة الهيدروجين الأخضر عند استخدامه مع خلايا الوقود التي لا تحتاج إلى إعادة شحن.

وهناك العديد من الدول التي تضخ استثمارات كبيرة في هذه التكنولوجيا، لا سيّما تلك الدول التي تتوافر لها طاقة متجددة قليلة التكلفة. ومن بين هذه الدول أستراليا، التي تسعى إلى تصدير الهيدروجين المزمع إنتاجه عبر استغلال ما يتوافر لديها من طاقة شمسية وطاقة الرياح، كما هناك بعض المشروعات المماثلة في كلٍّ من كوريا الجنوبية، والنرويج، والولايات المتحدة الأمريكية، حيث تُبذل جهود حثيثة في ولاية كاليفورنيا من أجل استبعاد الحافلات التي تُدار بالوقود الأحفوري بحلول عام 2040.

وتوجد دولة مثل تشيلي تخطط لإنتاج الهيدروجين في المناطق القاحلة الواقعة في شمال البلاد، الغنية بالكهرباء المُوَلَّدة باستخدام الطاقة الشمسية. وأما الصين فتعتزم إطلاق مليون مركبة تعمل بخلايا وقود الهيدروجين بحلول عام 2030 ، كما انضمت مؤخرًا كلًا من السعودية والإمارات والمغرب وإسبانيا واليابان ومصر إلى هذه التكنولجيا.

وتأتي كل هذه الاستثمارات في مجال الهيدروجين الأخضر من أجل أن تشمل استخداماته قطاعات مثل الطائرات، والسفن، والشاحنات، والصناعات الثقيلة، التي تواجه مشكلات في استغلال طاقة الشمس والرياح، نظرًا للكم الهائل من الطاقة الذي تحتاجه ويتعدى القدرات الحالية لهذه الأنواع.

أسباب توجه مصر نحو الهيدروجين الأخضر :

تحظى مصر بإمكانات هائلة من حيث الأراضي والموارد لإنتاج الهيدروجين الأخضر على نطاق واسع كونها تمتلك السواحل على طول البحرين الأحمر والمتوسط، وكذلك على طول نهر النيل، إلى جانب الطاقة اللازمة للإنتاج سواء الشمسية نظرًا لوقوعها جغرافيا داخل ما يعرف بالحزام الشمسي، وهو ما يجعلها ذلك من أغنى دول العالم بالطاقة الشمسية، وكذلك طاقة الرياح في ظل وجود مناطق ذات سرعات رياح عالية وثابتة ، هذا إلى جانب توافر البنية التحتية البرية والبحرية المؤهلة لإقامة هذه الصناعة، والأيدي العاملة الماهرة.

ويأتي من بين أهم الأسباب أن مشاريع إنتاج الهيدروجين الأخضر توفر فرصًا جديدة لجذب الاستثمارات الخارجية والداخلية وفتح مجالات جديدة أمام مستثمري القطاع الخاص للمشاركة في المشاريع ذات الربحية المرتفعة، وفي إطار استراتيجية توطين صناعة السيارات الكهربائية في مصر مواكبةً للتقدم المحرز على الصعيد العالمي حيث يُمكن أن يساهم الهيدروجين الأخضر في تنويع قطاع صناعة السيارات الكهربائية عبر صنع سيارات تعمل بخلايا الوقود التي يتم شحنها عن طريق ملء الخزان بالهيدروجين وتحويله إلى كهرباء من خلال خلايا الوقود، ناهيك عن أن السيارات بتلك التقنية لا تحتاج سوى دقائق لشحنها بعكس البطاريات التي تحتاج لساعات.

وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي قد أعطى توجيهاته ، بصياغة استراتيجية وطنية لتوليد الهيدروجين الأخضر، تعد إطارًا حاكمًا لكافة الجهود التي تبذل في هذا الإطار، مشيرًا سيادته إلى أن هذا التوجه يتماشى وخطط الدولة للتوسع في استخدام الطاقة النظيفة والمتجددة، في سبيل توفير الوقود، وتقليل الانبعاثات وحماية البيئة وتوفير مصادر طاقة آمنة.

وبناءً على تكليفات السيد الرئيس فقد اجتمع رئيس الوزراء منذ يومين لبحث الفرص الواعدة المتاحة لدى مصر والتي تؤهلها لأن تصبح مركزا للطاقة في شرق المتوسط، وأحد أكبر مصادر الطاقة الخضراء، لاستخدامات السوق المحلي والتصدير، إلى جانب توجيه جهود البحث العلمي الوطنية إلى دراسة إمكانية توطين صناعات مرتبطة بوقود “الهيدروجين الأخضر” في مصر، فضلاً عن توافر الإرادة السياسية، بما يعزز من مكانة مصر في خريطة الطاقة المتجددة العالمية، ودورها كمركز إقليمي لتداول الطاقة.