مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون
رئيس مجلس الإدارة: السيد حمدي   رئيس التحرير: كمال سعد
رئيس التحرير التنفيذي: خالد عامر

الاقتصاد الأخضر ضروري للحياة

بقلم – الدكتور علي عبد النبي:

حياة الكائنات الحية على الأرض تختلف من مكان لمكان، فالحياة على سطح الأرض مرتبطة بالمكان، إذا كانت أراضى صحراوية أو زراعية أو ساحلية أو غابات أو جبال أو مناطق ثلجية، وغير ذلك. وكذلك الحياة فى المياة مرتبطة بالمكان، إذا كانت بحار أو أنهار أو محيطات أو مستنقعات، وخلافه.  وهو ما ينطبق أيضا على الحياة فى الجو. وكل ما هو موجود فى الأرض مسخر للإنسان، والكون أيضا مسخر للإنسان. فالإنسان جزء من الكون، لكنه تميز عليه بالعقل. والملكات والقدرات التى وهبت للإنسان، هى لكى تمكنه من الانتفاع بخيرات الأرض المسخرة له، وبطريقة لا تسبب ضررا للطبيعة (البيئة) التى يعيش فيها.

حاجات الإنسان الضرورية من الغذاء كالكربوهيدرات، والبروتينات، والأملاح، والمعادن، والفيتامينات، وغيرها من العناصر الغذائية، لا يمكن تلبيتها جميعا من خلال الاعتماد على مصادر غذائية محدودة التنوع، ومثال على ذلك، لابد من تنوع المحاصيل الزراعية، وهو ما يطلق عليه أسم “التنوع البيولوجى”.  يضم التنوع البيولوجى على كوكب الأرض 7.1 مليون نوع كائن حى، ويشمل هذا الرقم 750 ألف نوع من النباتات، والباقى يشمل الثروة الحيوانية والثروة السمكية، ومجموعات مركبة من الفطريات واللافقاريات والطحالب، وغيرها من الكائنات الدقيقة. وتظهر القيمة الاقتصادية التى يضيفها التنوع البيولوجى فى شكل توفير مصادر متنوعة من الكائنات، يخدم كل منها هدفا بشريا أو يحقق غرضا إنسانيا. يوفر التنوع البيولوجي مجموعة متنوعة من الأغذية، حيث تعتبر المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية والأسماك مصدرا غذائيا مهما للبشر. كما أن التنوع البيولوجى يعتبر مخزونا من المصادر الفريدة القابلة للاستغلال فى العديد من النشاطات الاقتصادية كصناعة الغذاء والأدوية، وغيرها من المنتجات التى تعتمد على المصادر الطبيعية.

البيئة الطبيعية ونظم البيئة الصحية، لها فوائد كثيرة ومتنوعة يكتسبها البشر بحرية، وتسمى “خدمات النظام البيئى” أو “خدمات النظام الإيكولوجى”. وتشمل هذه النظم البيئية، على سبيل المثال، النظم البيئية الزراعية، والنظم البيئية للغابات، والنظم البيئية للأراضى العشبية، والنظم البيئية المائية. هذه النظم البيئية، تعمل فى علاقة صحية، فهى تقدم أشياء مثل التلقيح الطبيعى للمحاصيل، والهواء النظيف، ومياه الشرب النظيفة، والتخفيف من حدة الطقس المتطرف، والرفاهية العقلية والبدنية للإنسان.

حياة الكائنات الحية على الأرض تتأقلم حسب المكان الذى تعيش فيه، وقد تأقلمت الكائنات الحية فى عيشتها مع الطبيعة (البيئة التى تعيش فيها)، وتم ذلك خلال سنوات طويلة حيث تفاعلت الكائنات الحية مع الطبيعة، ومن ثم أصبح هناك حالة من الاستقرار أو الإتزان، وهو ما يسمى بـ “التوازن البيئى”. 

البيئة التى تعيش فيها الكائنات الحية يحكمها نظام دقيق، وهذا النظام يتكون من عناصر، وعناصر النظام البيئى هى: (1) عناصر غير حية، كالماء والهواء و التربة والمعادن؛ (2) عناصر حية منتجة، والتى تصنع غذاءها بنفسها من عناصر غير حية كالنبات؛ (3) عناصر حية مستهلكة، كالإنسان والحيوانات، والبكتيريا والفطريات. وتعتمد الكائنات الحية فى حياتها على الكائنات الغير حية، ولذلك فإن أى خلل يحدث فى البيئة أو النظام البيئى، يؤدى إلى اختلال التوازن البيئى، فمثلا تتطلب زراعة المحاصيل الزراعية درجة حرارة، ورطوبة، وتربة معينة حتى تنمو، وبعد ذلك يعتمد الإنسان والحيوانات فى غذائهما على هذه النباتات. وبذلك فالتوازن البيئى على سطح الأرض، يعنى أن عناصر البيئة تحافظ على وجودها ونسبها كما أوجدها الله، ويجب المحافظة على العلاقة بين عناصر النظام البيئى، حيث أن هناك علاقة وثيقة بين هذه العناصر، ولابد أن تبقى مكونات وعناصر البيئة الطبيعية على حالتها.

هناك أصول طبيعية هبة من الخالق، سخرها للإنسان ليحولها إلى موارد اقتصادية يستخدمها في إنتاج السلع والخدمات التى يحتاجها لإشباع رغباته. وهذه الأصول عبارة عن المخزون العالمى من الموارد الطبيعية، والتى تشمل الهواء، والماء، والتربة، والجيولوجيا، وكل الكائنات الحية، ويطلق عليها أسم  “رأس مال طبيعى”. تزود بعض الأصول الطبيعية الناس بالبضائع والخدمات المجانية، التى تسمى “خدمات النظام البيئى”. 

الاختلال فى التوازن البيئى إما أن يكون بفعل عوامل طبيعية أو بفعل الإنسان. إذا نظرنا للعوامل الطبيعية نجدها كالبراكين، والفيضانات، والأعاصير، والحرائق الطبيعية، مع أنها تسبب اضطرابات شديدة فى البيئة، لكن أثرها مؤقت، بينما هنالك عوامل طبيعية أخرى مثل تغير المناخ أو الاحتباس الحرارى قد يكون أثرها دائما. أما العوامل البشرية فهى نتيجة سيطرة الإنسان على عناصر النظام البيئى والتعالى عليه، والشعور بالسيادة المطلقة فيه، واتباع أفكار وطرق غير مدروسة لتحقيق حاجاته ومتطلباته، وهذا ما أدى إلى حدوث اضطرابات شديدة فى الأنظمة البيئية، وكان أثروها دائما ومتزايدا.

بداية الاختلال فى التوازن البيئى الشديد حدث بعد الثورة الصناعية، فقد ازدادت الملوثات فى الهواء والتربة والمياه بشكل رهيب، وكان ذلك نتيجة العديد من الأسباب، منها على سبيل المثال: (1) عمليات التعدين، فنتيجة استخراج المعادن ومعالجتها، تسببت فى آثار بيئية على الأراض، وفى الغلاف الجوى، والمياه، وإنتجت كميات كبيرة من النفايات؛ (2) الصناعة، وخاصة مع استخدام الفحم والبترول فى الصناعة، ودون مراعاة التخطيط السليم؛ (3) إزالة الغابات وردم المستنقعات، بهدف تحويلها إلى أراضى زراعية، ومراعى لتربية الحيوانات، وإنتاج الأخشاب؛ (4) الامطار الحمضية، فنتيجة حرق الوقود الأحفورى (بترول وغاز طبيعى وفحم)، انطلقت أكاسيد النيتروجين والكبريت فى الجو، ومع تفاعلها مع بخار الماء الموجود فى الغلاف الجوى نتج عنها أحماض الكبريتيك والنيتريك، والتى صاحبت هطول الأمطار، والحقت أضراراً كبيرة بالنباتات والحيوانات، والمحاصيل الزراعية والغابات، والأحياء المائية فى البحار والأنهار والمحيطات؛ (5) استخدام المبيدات للقضاء على الآفات، مما تسبب فى القضاء على العديد من الأنواع غير المستهدفة، وهو ما شكل خطراً كبيراً على الكائنات الحية جميعها؛ (6) استخدام الأسمدة، فبقايا الأسمدة الكيميائية التى على شكل نترات يؤدى إلى تلوث المياه الجوفية والسطحية.

تغير المناخ هو أحد القضايا المحددة فى عصرنا. نحن نواجه تغيرات كبيرة لا رجعة فيها من صنع الإنسان فى المناخ. نحن نعلم أن هناك حاجة ماسة لاتخاذ إجراء إذا أردنا الحد من زيادة درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بما يتماشى مع اتفاقية باريس 2015. إن القيام بذلك هو الطريقة الوحيدة التى يمكننا من خلالها تجنب وقوع كارثة وحماية الكوكب من أجل الأجيال القادمة.

إذا كانت بعض الحكومات قد أضرت بـ “التوازن البيئى” فى سبيل نهضتها الصناعية ورفاهية شعوبها، ومازالت حتى اليوم تمارس الأنشطة ذاتها، والتى تسببت فى حدوث أضرار شديدة للنظم البيئية العالمية المختلفة، والتى أدت إلى انتشار الأمراض والأوبئة، فهى الآن تنبهت للأخطار التى نتجت عن ممارساتها، وبدأت الدعوة للمحافظة على النظام البيئى العالمى.

وإذا كانت النظم الاقتصادية التقليدية “الاقتصاد البنى” التى اتبعها الإنسان فى الفترة السابقة “عصر سوء تخصيص رأس المال”، قد أدت إلى هذا الدمار فى النظم البيئية المختلفة، فالدعوة اليوم إلى اتباع نظام “اقتصادى أخضر”، وهو اقتصاد منخفض الكربون، يكون بمثابة طوق النجاة لانتشال الكائنات الحية التى تعيش على كوكب الأرض من الغرق فى ظلمات بحر التلوث والأمراض والأوبئة.

على مدى العقد الماضى، برز الاقتصاد الأخضر كإطار سياسى هام للتنمية المستدامة فى كل من البلدان المتقدمة والنامية. إنه يقدم إطارا جذابا لتقديم مجتمعات أكثر كفاءة فى استخدام الموارد، وانبعاثات أقل، وأقل ضررا بيئيا، وأكثر شمولاً اجتماعياً. الاقتصاد الأخضر يهدف إلى الحد من المخاطر البيئية، وإلى تحقيق التنمية المستدامة، وينصب دوره فى الإنتاج والاستهلاك المستدامان، وكذلك فى كفاءة الموارد، دون أن تؤدى إلى حالة من التدهور البيئى. فالاقتصاد الأخضر يركز على الاستثمار فى الأنشطة الاقتصادية الخضراء والبنية التحتية والمهارات. حيث يوفر الاقتصاد الأخضر نهجا اقتصاديا كليا للنمو الاقتصادى المستدام مع التركيز بشكل أساسى على الاستثمارات والتوظيف والمهارات.

فى الاقتصاد الأخضر، يكون النمو فى التوظيف والدخل مدفوعا بالاستثمار العام والخاص فى الأنشطة الاقتصادية والبنية التحتية والأصول التى تسمح بتقليل انبعاثات الكربون والملوثات الصلبة والسائلة والغازية، وتعزيز كفاءة الطاقة والموارد، ومنع فقدان التنوع البيولوجى وخدمات النظام البيئى.

فى مجال تحسين عمليات الإنتاج المستدام وعبر دورة الحياة الكاملة لعمليات الإنتاج، يهدف الاقتصاد الأخضر إلى خفض توليد النفايات والانبعاثات، وفى ممارسات الاستهلاك وعبر دورة الحياة الكاملة للاستهلاك، يعمل الاقتصاد الأخضر على تقليل استهلاك الموارد، وكذلك خفض توليد النفايات والانبعاثات، وفى مجال كفاءة الموارد يقدم الاقتصاد الأخضر العديد من الطرق التى بها يتم استخدام الموارد بكفاءة لتقديم فوائد جمة للمجتمع، من خلال تقليل كمية الموارد اللازمة فى عمليات الإنتاج، وتقليل الانبعاثات والنفايات المتولدة من عمليات الإنتاج، لكل وحدة من المنتج أو الخدمة.

الميزة التي تميز الاقتصاد الأخضر عن الأنظمة الاقتصادية السابقة، هى التقييم المباشر لرأس المال الطبيعى والخدمات البيئية، باعتبارها ذات قيمة اقتصادية، ونظام محاسبة تكاليف متكامل، والتى يتم فيها إرجاع التكاليف التى يتحملها المجتمع، عن طريق النظم البيئية بشكل موثوق به، وتحسب على أنها التزامات على الكيان الذى يتسبب فى ضرر للبيئة.

أصبح للاقتصاد الأخضر قواعد خاصة فى الصناعة، والعديد من الصناعات بدأت فى تبني هذه القواعد أو المعايير كطريقة لتعزيز ممارسات بناء اقتصاد أكثر اخضرارا. تعرف هذه المعايير باسم “معايير الاستدامة”، وهى قواعد خاصة تضمن أن المنتجات التى تشتريها لا تضر بالبيئة والإنسان والأشخاص الذين يصنعونها. الآن هذه المعايير تركز على القطاعات الاقتصادية مثل الغابات أو الزراعة أو التعدين أو صيد الأسماك من بين أمور أخرى؛ وتركز على العوامل البيئية مثل حماية مصادر المياه والتنوع البيولوجي، وتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري؛ وتركز على دعم الحماية الاجتماعية وحقوق العمال؛ وتركز على أجزاء محددة من عمليات الإنتاج.

تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة، يشير إلى أنه إذا كان هناك تحول إلى الاقتصاد الأخضر من الآن، فإنه سيكون هناك نفس القدر من النمو الاقتصادى على المدى الطويل. وهذا يتطلب إنفاق 1.3 تريليون دولار أمريكى سنويا (حوالى 2٪ من الناتج المحلى الإجمالى العالمى) من الآن وحتى عام 2050. وهذا سيوفر وظائف خضراء فى مجالات مثل إعادة التدوير والحد من الفقر، ويدعو إلى “الضرائب الخضراء” وكفاءة الطاقة وإلغاء دعم الوقود الأحفورى.

تعتبر أطر وممارسات الاقتصاد الأخضر وثيقة الصلة بالمناقشات الجارية حول أنواع إعادة التنظيم الاقتصادى والمجتمعى العالمى اللازمة لتحقيق الاستدامة البيئية، وخفض الانبعاثات، والعدالة الاجتماعية. على سبيل المثال، للحد من انبعاثات الكربون العالمية، يلزم إجراء تغييرات جذرية في سياسة الطاقة. واقترحت الوكالة الدولية للطاقة (IEA) أنه على الصعيد العالمى ليس أمامنا سوى أن تكون جميع الاستثمارات التى بين عامى 2020 و 2035 خيارات صفرية لانبعاثات الكربون.

مناخ جديد للأعمال، يقوم على الحفاظ على درجات الحرارة العالمية دون مستويات خطرة، والذى يجب تحقيقه لتجنب أسوأ آثار تغير المناخ، والذى يتطلب تغيير طريقة مصادر الاقتصاد العالمى للطاقة واستخدامها. وسيتطلب تحقيق هذه الأهداف إعادة تقويم جداول الأعمال الاقتصادية والطاقة والصناعية الحالية، وحتما بعيدا عن دعم المصادر الضارة بالبيئة. سيحتاج العالم إلى بناء اقتصادات مرنة خالية من الكربون بسرعة، من أجل تحقيق صفر كربون افتراضى (أى خفض بنسبة 90%) بحلول عام 2050 وصفر فعلى (صافى صفر كربون) قرب نهاية هذا القرن، والذى يحتاج إلى: (1) التخلص التدريجى من الوقود الأحفورى، وزيادة استخدام الطاقة المتجددة، والطاقة النووية، وتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحرارى بشكل كبير؛ (2) تطوير القدرة على انبعاثات “الكربون السلبي”، مما يعنى أنه يتعين علينا استخراج بعض الغازات المسببة للاحتباس الحرارى من الغلاف الجوى وتخزينها.

إذاً الاقتصاد الأخضر، يعتبر اقتصاداً يؤدى إلى تحسين رفاهية الإنسان والعدالة الاجتماعية، مع تقليل المخاطر البيئية والندرة البيئية بشكل كبير. فى أبسط تعبير له، يمكن اعتبار الاقتصاد الأخضر على أنه اقتصاد منخفض الكربون، وفعال من حيث الموارد، وشامل اجتماعيا.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.