مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

أنور ابو الخير يكتب: فساد الضمير

32

 

قد يهمك ايضاً:

العفو الملكي … واحتضان الوطن

أنور ابو الخير يكتب : شياطين يتحدثون بلسان التقاليد

عندما أكتب انا لا أملك سوى القلم ولكن
تاهت نفسي وسط الأحزان وسقط القلم من بين اصابعي فكتبت بدموعي فكانت كتاباتي مالحة لم يستسغها أحد ثم جفت الدموع فكتبت بدمي وكان أحمر يوحي بالخطر متوهج كالنار ولكنه لم يتوقف عن الكتابه ولذا خططت هذا المقال من وقائع ما نمر بها كل يوم من فساد يعيش بداخلنا من منذ سنوات واستشري في هذا العصر
و کثيرا ما يؤدي الفساد إلى ضياع الموارد العامة أو الخاصة بسب جرائم التحايل واختراق القوانين واستغلال المناصب والنفوذ وتکثر مظاهر الفساد الإداري في عدة قطاعات وبمختلف المؤسسات فهو ظاهرة مدمرة لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وعقب القدر الهائل من الفضائح والتجاوزات واتساع دائرة الجرائم والفساد الإداري خاصة جرائم الاختلاس والرشوة واستغلال النفوذ التي تشهدها المؤسسات على مستوى العالم لذلك أصبحت أخلاقيات الأعمال جزءا رئيسيا من صناعة النمو في المؤسسات وحاجة المجتمعات إلى وجود معايير وأخلاقيات عمل أکثر رقيا حيث يعکس النمو بأهمية أخلاقيات الأعمال تحولا حاسما في الرأي العام بشأن المسؤولية الأخلاقية للمؤسسات وقد أدى فهم قيمة الأخلاقيات بالنسبة للعمل إلى عدة مظاهر من بينها انتشار قواعد الأخلاق ومدونات رسمية للوقوف على المتطلبات الأخلاقية وتعيين مسئولين إداريين يهتمون بمراعاة الجوانب الأخلاقية من أجل تحفيز المديرين والعمال على التصرف وفقا لما تقتضيه المعايير الأخلاقية وعلى الرغم مما تقدم فإن هناك تباين بين ما يکتب وما يجري تطبيقه حيث غالبا ما يحدث تعارض بين العمل والجوانب الأخلاقية ولا ريب أن هناك أفراد أکثر وعيا ويحرصون على مزاولة أنشطتهم وفقا للمعايير الأخلاقية باعتبار أن ذلك قناعة ذاتية وخيارا استراتيجي بينما يتخذ بعض الأفراد القواعد الأخلاقية کستار لاتخاذ قراراتهم الانتهازية وخاصة في المواقف التي لا يستطيع فيها عامة الناس التفرقة بين السلوك الأخلاقي والسلوك الانتهازي
الفساد بكل صوره جريمة تعاني منها غالبية دول العالم فلا تكاد تخلو دولة مهما كانت قوة نظامها الرقابي أو الاقتصادي أو السياسي أو الإداري من وجود فساد في مؤسساتها خاصة المؤسسات الحكومية مع التفاوت في معدلات هذا الفساد بحسب كل مؤسسة أو هيئة أو وزارة و يشكل الفساد المستشري داخل المؤسسات والإدارات الرسمية في مصر معضلة أساسية لفساد المؤسسة وهو ليس مرضا عابرا أو وعكة صحية يمكن الشفاء منها ببعض المسكنات فقد أصبح انتشاره يشبه الآفة أوالوباء بعدما توغل في المؤسسات الحكومية ليخرج من الدواوين الرسمية إلى الشارع ومن ثم يتحول إلى ثقافة عامة تعتبر الوسيلة الأنجع في قضاء المصالح وإنجاز المهمات تحت مسميات تجميلية عدة منها”الإكرامية” و”الواجب” ويجد المواطنون أنفسهم شركاء في دائرة الفساد حيث دفع الرشى عند التقدم للحصول على رخصة مباني أو كهرباء أو اشتراك في شبكة المياه أو رخصة تتعلق بفتح محل تجارة إلخ لتتفشى الظاهرة في المجتمع وتتصالح الغالبية معها مكرهة أو متسامحة وكشف عن أرقام صادمة تدق ناقوس الخطر في المجتمع المصري فكرة ثلج الفساد التي تكبر وتتدحرج على الرغم من القوانين التي سنتها الدولة لمكافحتها والهيئات التي دشنت تحت مسميات براقة نحومكافحة ونزاهة والوقاية ألقت بظلالها على ملفات عدة إذ تسرب الفساد إلى الاقتصاد والسياسة والمجتمع بينما اقتصاد غالبية البلدان يعاني تداعيات الحرب الأوكرانية فإن الفساد يظل موجوداً ومتأصلاً وسابقاً عليهما إذ إن الوباء والصراع سيزول أثرهما مع الوقت لكن تبقى جذور الفساد ثابتة وراسخة وفروعه متشعبة ومنتشرة في كل أرجاء البلاد
وحينما نسمع كلمة «فساد» أو «إفساد» يتبادر إلى أذهاننا مباشرة أن المقصود بها الفساد الاقتصادي أو المالي أو الإداري أو السياسي وهذا صحيح إلى حد كبير لكن ماذا عن الفساد الأخلاقي الذي هو الدافع إلى كل أنواع الفساد الأخرى؟
إن كل الممارسات السلبية التي نراها اليوم في مجتمعاتنا وسائر المجتمعات الأخرى تعد إفساداً في الأرض ولولا فساد الأخلاق وضعف الوازع الديني ما رأينا أرواح المسلمين تزهق بغير حق وما رأينا المسلم يرفع سلاحه في وجه أخيه وما عاشت بلادنا هذه المآسي من فقر وجوع وتشريد للملايين من أبنائها ولولا فساد الأخلاق ما كان هناك استغلال للنفوذ أو مجاملة أو محسوبية أو واسطة أو استيلاء على الأموال العامة وما كان هناك غش أو تدليس أو احتكار أو أكل لأموال الناس بالباطل والواقع أن كل هذه الممارسات السلبية والأنشطة المشبوهة أساسها فساد الأخلاق وتتعاظم المشكلة حينما يكون المفسدون من المسؤولين أو أصحاب النفوذ في الدولة ذلك لأن الشخص الذي يتولى منصباً رسمياً من المفترض أنه مؤتمن على هذا المنصب وهو مسؤول عن الوقوف في وجه كل مظاهر الانحراف في محيط مسؤوليته وإلا لما اختير لتولي المسؤولية وفي الغالب تكون أعين الرقابة بعيدة عنه وفي كثير من الأحيان تغض الطرف عن تجاوزاته وهذا هو مكمن الخطورة
إذاً هناك ارتباط وثيق بين سوء الأخلاق والفساد لأن فساد الأخلاق يؤدي بالشخص إلى الانحراف السلوكي ومن ثم يزين له الشيطان كل أعماله وحينما تمتد هذه السلوكيات إلى أجهزة الدولة فستكون النتيجة انهيار مؤسساتها وتدهور اقتصاداتها وتراجع مكانتها وزوال هيبتها ذلك أن الدولة التي تحكمها الأخلاق الفاضلة والمبادى السامية تراها تتمتع باقتصاد قوي ومجتمع نموذجي وهيبة تفرض نفسها على كل من يتعامل معها وعدل يسود بين أركانها والعكس صحيح تماماً فإذا انهارت القيم الأخلاقية وساد الظلم وتفشت الرشوة والمحسوبية والسرقة وتحول الفساد إلى ظاهرة وتغلبت المصالح الخاصة على العامة فإن هذا ينبئ بآثار كارثية على الدولة والمجتمع فينهار الاقتصاد وينتشر الفقر وتضطر الدولة إلى الاستدانة وهي أول خطوة في طريق ضياع هيبة الدولة
إن الفساد جريمة نكراء في حق الشعوب تعاقب عليها كل القوانين الوضعية والديانات السماوية ولابد أن تكون هناك وسائل لمنع انتشار هذه الظاهرة الخبيثة التي تنتشر في كثير من مجتمعاتنا أو
على الأقل الحد من انتشارها في أوساط المجتمع كما لا يجب تبرير هذه الجريمة مهما كان سبب ارتكابها وعلى المؤسسات المسؤولة اتخاذ الإجراءات العقابية في حق المفسدين وعدم التهاون في تطبيق القانون الرادع عليهم لأن أثر هذه الجريمة ينعكس سلباً على المجتمع بأكمله
وهنا لابد أن نؤكد على أن الإسلام اهتم بمحاربة الفساد بكل أنواعه وتوعد الله سبحانه وتعالى المفسدين في الأرض بالعقاب الشديد والعذاب الأليم في آيات كثيرة من القرآن الكريم
يقول الحق سبحانه تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسولَه ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوْا من الأرض) ويقول سبحانه ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) وأسوتنا في ذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي أقام دولة الإسلام على الأخلاق الفاضلة وأسس بنيانها على مبادىء الحق والعدل وضرب أروع الأمثال في المساواة بين الناس جميعاً فكانت الدولة التي قامت عليها حضارات العالم قديماً وحديثاً وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»

التعليقات مغلقة.