دنيا ودين

شروط الصحبة المباركة.. مقال للكاتب الكبير عبد الرحمن البنفلاح

من استقام على أمر الله تعالى في أقواله وأفعاله فقد استكمل شروط الصحبة

شروط الصحبة المباركة!

بقلم/ عبد الرحمن علي البنفلاح

لقد أكرم الله تعالى الإنسان بكرامتين، الأولى: عامة لكل البشر لانتسابهم إلى أبيهم آدم (عليه الصلاة والسلام)، قال تعالى: }ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا {(الإسراء/70)، وأما الكرامة الثانية فهي كرامة الاستحقاق في قوله تعالى: }يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير{ (الحجرات/13)، ومن مقتضى هذه الكرامة لهذا المخلوق المميز جعل الله تعالى له ملائكة يحفظونه في ليله ونهاره من أمر الله تعالى، والحفظ يقتضي المصاحبة الدائمة، والرعاية التامة، وحتى تتحقق هذه الصحبة على الوجه الأكمل لا بد لها من شروط، والسؤال:

ما هي هذه الشروط التي إن توفرت صحت للمسلم الصحبة الصالحة؟

نجد ذلك في قوله تعالى: }إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (30) نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (31) نزلاً من غفور رحيم (32) ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين (33) ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (34) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (35) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) { فصلت.

تضمنت الآية الأولى شرطين أساسيين هما: التوحيد الخالص، والاستقامة، والاستقامة كلمة جامعة مانعة لكل عمل صالح يرضى الله تعالى عنه ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، فإذا آمن الإنسان بالله تعالى ربًا لا شريك له، فقد حقق شرطًا أساسيًا من شروط الصحبة، فإذا استقام على أمر الله تعالى في أقواله وأفعاله فقد استكمل شروط الصحبة، وجنى ثمارها اليانعة التي أفاضت في تعدادها سورة فصلت، ومنها المعية الدائمة للملائكة لهذا الإنسان، والتي تبدأ في الدنيا وتلازمه حتى الآخرة، وهم يستجيبون لكل ما يشتهي ويدعي، قال تعالى: ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون{ إنها صحبة مباركة وأنعم بها من صحبة تتحقق فيها الأمنيات، وتسبغ فيها على المؤمن الأمن والسلام، ويوفرون للمؤمن الإحساس بالاطمئنان على نفسه من أمرين هما: الخوف من المجهول القادم، والحزن على ما فات من حياة الإنسان، يقول سبحانه وتعالى: ..}تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا}، وتوفر لهم هذه الصحبة المباركة البشارة بالجنة ونعيمها الخالد، يقول جل جلاله: {..وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون}. ذلك لأن هؤلاء الملائكة هم أولياء المؤمن في حياته الدنيا وفي الآخرة وأنعم بها من ولاية.

والمؤمن الذي حقق شروط الصحبة في حصن حصين من الشيطان، ومن وساوسه ونزغه كما قال سبحانه وتعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم}، ومعلوم أن كيد الشيطان مهما عظم فهو ضعيف قال تعالى: {إن كيد الشيطان كان ضعيفًا} النساء/76.

أي أن كيد الشيطان ومنذ بداية أمره كان ضعيفًا ولم يكن في يوم من الأيام له سلطان على الإنسان، وهذا باعترافه حين قال: {..وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي…} إبراهيم/22.

وكما أن الاستقامة في القول والفعل مطلوبة، فإنها كذلك في الدعوة مطلوبة، قال سبحانه وتعالى: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين}، إدعاء الإسلام جعله الحق سبحانه وتعالى يأتي بعد الدعوة إلى الإسلام بالعمل الصالح، وذلك حين يدل حال المسلم على حقيقة إسلامه من خلال سلوكه بين الناس، قال صلوات ربي وسلامه عليه: [المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه] متفق عليه.

وهناك حقيقة يقررها الحق سبحانه وتعالى ولا يمكن أن يثور حولها الجدل، وهذه الحقيقة هي: أن الحسنة والسيئة لا تستويان أبدًا في ميزان الحق سبحانه، قال تبارك اسمه: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن}، ونتيجة ذلك هي: {..فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}.

تلك هي الصحبة المباركة، وهذه هي شروطها لمن ألقى السمع وهو شهيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق