الأسرة

الدكتورة سهير صفوت تكتب عن عوالم اليُتم وفضاءات الحياة السويّة

اليتيم في حاجة إلى حب حقيقي فعال بالعمل والتطبيق وليس بالشعارات والمظاهر

الوصيّة باليتامى دعوة ربانية لتفعيل التراحم المجتمعي

بقلم/ د. سهير صفوت

        ينسحب التكليف الإلهي للإنسان حول عبادة الله بإلتزام منهجه في ترتيب الصلة بين الإنسان وسائر المخلوقات نحو تحقيق أمرين نفي التزاحم (إفراد الله بالألوهية) والتمكين للتراحم (إقامة آصرة قربى ومحبة بين الإنسان والوجود بحيث ينتظم الإنسان في دائرة تسبيح كل شيء بحمد الله) ، والتوحيد كناظم للعلاقات يبدأ من علاقة الإنسان بخالقه لينتهي بعلاقته بكل المخلوقات رؤية جامعة ، وفي ظل هذه الرؤية يحتل التراحم والتزكية على مستوى الفرد والمجتمع مكانة محورية ، ومن هذا المنطلق كانت الدعوة الإلهية بالإيصاء باليتامى واللطف بهم من أجل صياغتهم كلبنات تساهم بشكل فعال في بناء المجتمع وتطوره ، ولذلك يحث الإسلام شريعة وسنة على اضطلاع أفراد المجتمع بكفالة اليتيم والوعي التام بتدبير شئونهم ، وتنمية أموالهم ، وحسن الخروج بهم من عوالم اليتم إلى فضاءات الحياة السوية، ولكن كيف قدم الإسلام اليتامى إلى المجتمع ؟ سؤال عميق تتابع في الجواب عليه أوامر الشرع والسنة وألفاظ اللغة ، وإرادة المجتمع المُكلف حتى تتضح معالم هذا الجواب وما يحمله من المفاهيم المؤسسة للعلاقة الصادقة بين اليتم والمجتمع.

فقد قدم الإسلام اليتيم إلى المجتمع في صورة إنسانية عميقة وعظيمة ، فلم يقدمهم على أنهم ضحايا القدر أو بقايا المجتمع ، أو أن فقد الآباء سخرية من القدر أوجبت احتقار البشر ، بل قدمه على أنه شخص كامل في إنسانيته وشخصيته ، فلا مجال للدونية والنقص ولهذا كان الخطاب المباشر إلى المجتمع ، فالصورة الذهنية التي تقفز لذهن الكثير عندما يسمعون لفظ يتيم هي العوز والحاجة والظلم والقهر ، وهذه كلها مدلولات قد تكون صحيحة ، ولكن صحتها لا ترتبط بمفهوم اليتامي   في حد ذاته ، لأن الشريعة قد أولت اليتيم عناية فائقة والقرآن الكريم دائماً يبدأ بتسمية الشيء باسمه ، ليبني على هذا الشيء مقتضاه ، فعندما أطلق القرآن وصف اليتيم بصيغة الإفراد ، والتثنية، والجمع ، وكرر اللفظ ومشتقاته أكثر من عشرين مرة قصد دفع العيب والتهمة عن صفة اليتيم ليؤكد على أن هذه الصورة الذهنية إنما يُسأل عنها المجتمع الذي لا يتعامل مع اليتيم كما أمرته الشريعة ، وبالتالي فكل مظاهر الظلم والقهر والاضطرابات النفسية التي تكمن في نفوس معظم اليتامى لا علاقة لها باليتم ، لأن اليتم ليس شراً في حد ذاته ، بل هو صناعة مجتمعية ساهمت في صياغة صورة نمطية لمعنى كلمة يتيم.

لذا ، كان الخطاب للمجتمع المسلم الذي يسعى إلى خلق شبكة من التفاعل أساسها التكامل والوعي بالذات والوعي بالآخر والذي به يكتمل البناء المجتمعي ، ولبنتها التراحم الذي يحافظ على نسيج المجتمع وتماسكه وهو لا يتأكد إلا بذوبان أعضائه (أقوياء وضعفاء) وتفاعلهم مهم فالإنسان المستخلف في الأرض مطالب بحكم خلافته بالتفاعل مع فضائه الزماني والمكاني ، وتوجيه حركته لتحقيق العمران في الأرض ، وفق منهج رباني يقتضي الرحمة بالمستضعفين ، وحماية حقوقهم. والدين الإسلامي يتعامل مع اليتيم من منطلق الحديث النبوي “أنا وكافل اليتيم كهاتين” أي كعضو واحد في جسد واحد لذا ينبغي رعايته وحفظ حرماته وكرامته . إن إعالة اليتيم في المجتمع المسلم مسئولية اجتماعية حث عليها الشرع ذلك لأن إهمال اليتامى يفقد المجتمع ما بهم يشد أزره ، وإهمالهم يعني إهمال المجتمع لذا كان الخطاب موجه إلى جذب أنظار المجتمع المسلم إلى جزء من مكونه يعاني من الضعف ولا يقوى على القيام بدوره إلا بمساعدة جهات أخرى وتقاعسها عن دورها يعني إغفال جزء من المجتمع.

ويتفق التحديد اللغوي لمصطلح اليتيم مع ما سبق ، فأصل اليتم الغفلة ، وبه سمي اليتيم يتيماً لأنه يُتغافل عن بره ، وهو ما يدل على الرأفة باليتيم  والحض على كفالته، خاصة وأن فقد الوالدية حالة قاسية على الصغير تنعكس آثارها السلبية على ما يحتاجه الطفل من عاطفة تعتبر لبنة أساسية من أساسيات النمو الطبيعي ، ولذا كان تكرار لفظ اليتيم لتبصير المجتمع أن اليتيم شخص وحيد منقطع يحتاج إلى من يسد حاجاته ويصلح شأنه ، ويتسع مفهوم اليتم ليشمل من مات أبواه أو إحداهما ومن فقد والداه لانشغالهما أو لانفصالهما فهو طفل مقهور في بيته برغم وجود أبواه ، والطفل الذي ترك بيته نتيجة الاهمال والقسوة ، فأطفال الشوارع هم أشد يتماً بل وأشد حالاً وأقسى من اليتيم وهم من ينطبق عليهم قول أحمد شوقي :

اليتيم من انتهى أبواه من                 هم الحياة وخلفاه ذليــلاً

فأصاب بالدنيا الحكمة منها              ويحسن تربية الزمان بديلاً

إن اليتيم هو الذي تلقى له               أماً تخلت أو أباً مشغولاً

ومن هذا المنطلق تحمل الشريعة وزر التفريط في فئة من أبناء المجتمع بأكمله ولذلك يقول تعالى ((أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم)) الماعون 1 ، 2 ومعنى يدُع يدفعه بعنف وليس الدَّع إلا كلمة اشتملت بالإضافة إلى التشديد في مادة الكلمة على كل معاني الإقصاء والإهمال وسائر المظاهر التي تلحق باليتيم الذي لم يجد من يتقي الله فيه ويرعاه ، ومثلها كلمة القهر ((فأما اليتيم فلا تقهر)) الضحى 9 ، لما انطوت عليه من ممارسات الضغط النفسي والبدني التي تعترض شخصاً فاعلاً وآخر مفعولاً به ، وهي مملوءة بكل المعاني التي تورث الإهانة والقهر ، والشعور بالنقص ويدل على هذا أصل الكلمة اللغوي وهو الأخذ من فوق ، لهذا كان الخطاب منصرفاً إلى المجتمع مباشرة لأن ضمير الخطاب فيها عائد على الجماعة المسلمة كل في موقعه ، فهذه الآيات ترسخ أسس المعاملات التي تعد قاعدة للتكافل الذي يعد واجباً في المجتمع المسلم المتراحم الذي تسوده المشاعر الفياضة. يرحم فيها الكبير الصغير ، ويعطف الغني على الفقير في ضوء نظام دقيق يحذر من إغفال القادرين لحق الضعفاء. وقد وضع القرآن الكريم دستوراً للمجتمع في تعامله مع اليتيم وتقتضي أول بنود هذا الدستور الإيواء ، لأنه إذا كان اليتم هو انقطاع الطفل عن أبيه فإن الإيواء هو ضم الشيء إلى آخر وهو ما يدل على التكامل الكامن في قوله تعالى ((ألم يجدك يتيماً فآوى)) الضحى 6 ، فهذا خطاب إلى المجتمع الإسلامي مؤداه: أيها المجتمع أمنَّ لكل يتيم مأوى ، ذلك لأنه من تمام نعمة الإيواء أن يوضع اليتيم في كنف أسرة . فقطع هنا باليتم ، ووصل هناك بالإيواء ، إذ لا مشكلة في مجتمع إيماني دعائمه الأساسية ترتكز على التراحم.. ونظرة الإسلام إلى مجتمع اليتامى نظرة إيجابية لعب فيها عنصر الإيمان وحافز الثواب دوراً أساسياً .. وهم في مجتمع مسلم لا يشكلون عبئاً على أفراده إنما هم من المنظور الشرعي حسنات مزروعة تنتظر من يحصدها.. ومن سبل العناية والكفالة: إكرام اليتيم ، والكرم من مكارم الأخلاق ، ومن أجل ذلك ذم الله تعالى من قتر على اليتيم ، وإكرام اليتيم لفظ عام جامع في التعبير عن الإحسان إليه ، وأهم ما يتناوله إعطائه ميراثه ، وإكرامه بالطعام والكساء وإصلاحه نفسياً.

ومن سبل كفالته: إدماجه في المجتمع وتهيئته لمعترك الحياة لأن اليتيم مفعم بالمسئوليات التي تتعلق بتكوين ذاته وإعالة أهله ، وفي سبيل إعداده حمل الإسلام وليه مسئولية إعداده وتثقيفه ومعاملته معاملة الأبناء ليربى فيه الانتماء في إطار مناخ أسري متكامل تطغى عليه الطمأنينة وزرع الابتسامة، ولهذا كانت الدعوة إلى مخالطتهم ((وإن تخالطوهم فإخوانكم في الدين)) ، والمخالطة هنا تؤكد تعديل السلوك والتأديب والمحاسبة تمامًا كما تتعامل مع أبنائك ويتفق في ذلك اليتيم الفقير واليتيم الغني، لأن المخالطة تنفي العزلة التي يعانيها اليتيم بتنائجها السلبية.

إذن ، فلنردد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم أُكرم إليه ، وشرّ بيت في المسلمين بيت فيه يتيم أُسيء إليه)) لأن الإساءة تعني فقد نوازع الرحمة والعاطفة، فيخرج اليتيم نافراً من الناس لا يشعر بمودة إليهم، بل ينظر إليهم نظرة العدو المتربص أو الحذر الخائف.. وكلاهما لا يحصل منه قوة عاملة بل قوة هادمة، وأكثر الذين يرتكبون الجرائم في المجتمع هم الذين يحسّون بالنفرة لأنهم منبوذون لم يذوقوا الرحمة فنظروا إلى المجتمع نظرة عداوة لا مودة.. وكيف لا، وهم يحسّون أن المجتمع يلفظهم. فاليتامى عرضة لذلك في حالة فقد الرعاية أو في حالة التعامل مع اليتيم عن بُعد، وقصر إشاعة الرحمة والمودة باليتيم في يوم واحد هو الاحتفال بيوم اليتيم، وهو ما يُعد إهانة وظلم، لأنه يتعامل مع اليتيم على أنه “مبتور” عن المجتمع وليس جزءاً منه، الأمر الذي يبعدنا عن ما أراد الله أن يعلمنا إياه، فلم نمنحه الرحمة ولم نعطه المعنى الإنساني المتكامل، وهو ما يزيد من عزلة اليتيم والتأكيد على نقصه، لكن اليتيم في حاجة إلى حب حقيقي فعال بالعمل والتطبيق وليس بالشعارات والمظاهر التي لا تبتغي وجه الله.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق