مقالات والابداع

محركات دفع الصواريخ بالطاقة النووية

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

الكواكب والنجوم التى نراها هى فى السماء الدنيا، وليست هذه نهاية السماء الدنيا، لكن هذا ما نراه من السماء الدنيا حسب التكنولوجيا المتاحة. وأبعد نجم نراه يبعد عن الأرض بأكثر من 25 ألف مليون سنة ضوئية، فلو أن هناك صاروخاً يستطيع أن يسير بسرعة الضوء، فهو يحتاج إلى 25 ألف مليون سنة لكى يصل إلى أبعد نجم نراه الآن. السير بسرعة الضوء هو “300 ألف كيلو متر فى الثانية” لجسم له كتلة غير ممكنة، فعند اقتراب الجسم من سرعة الضوء نجد أن كتلته تزداد بشدة. وإذا حاول جسم السفر بسرعة الضوء، فإن كتلته ستصبح لا نهائية، وهذا ما تفعله الطاقة اللازمة لتحريكه. لهذا السبب، لا يمكن لكائن طبيعى السفر بسرعة الضوء أو بسرعة أكبر منها. وبذلك فلا يمكن أن يخرج الإنسان من أقطار السموات والأرض إلا بإرادة الله. وهذا ما ذُكر فى سورة الرحمن فى الآية 33، حيث يقول المولى سبحانه وتعالى { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ}.

محركات دفع الصواريخ الموجودة حتى يومنا هذا هى محركات كيميائية، وهى مزودة بغرفة احتراق للوقود، ومعظم الوقود إما يكون سائلا وإما يكون صلباً. والصاروخ  يعمل على مبدأ الاندفاع عن طريق رد الفعل للانفجارات التى تتم فى غرفة الاحتراق، واحتراق الوقود غير مرتبط بوجود هواء يحيط بالصاروخ، وبذلك فالدفع الصاروخى يعمل أيضا فى الفضاء الخارجى والخالى من الهواء.

عند احتراق الوقود داخل غرفة الاحتراق يتحول إلى غازات مشتعلة ذات درجات عالية (حوالى 4200 درجة مئوية) وضغط عالٍ (يمكن أن يصل إلى 300 بار)، هذه الغازات المشتعلة تخرج من فوة نفاثة، وهذه الفوهة تتسبب فى رفع سرعة الغازات الخارجة منها مع زيادة الضغط فى غرفة الاحتراق فتزداد كفاءة عملية الاحتراق. تندفع الغازات الساخنة من الفوة النفاثة بسرعة عالية وضغط عالٍ وتتسبب فى قوة دفع تقوم بدفع الصاروخ وهو ما يسمى برد الفعل.

فى صواريخ الدفع الكيميائية، يؤدى حرق الوقود فى غرفة الاحتراق إلى رد فعل قوى يخلق طاقة كافية لرفع صاروخ من الأرض إلى الفضاء. ولكن رغم كل قوتها في لحظة الإطلاق، فإن الصواريخ الكيميائية لها حدود عند استخدامها فى رحلات الفضاء المأهولة لاستكشاف الكواكب البعيدة، فهى لا تستطيع حمل الكثير من الوقود والذى يكفى رحلة ذهاب وعودة، كما أنها عرضة للاحتراق.

بعد الحرب العالمية الثانية طُرحت فكرة الطائرة النووية والغواصة النووية. الطائرة النووية لم تنفذ حتى الآن، لكن هى فكرة طائرة تعمل بالطاقة النووية أى بواسطة مفاعل نووى بدلاً من الوقود العادى، للبقاء فى الجو لمدة أطول، وبذلك تستطيع حمل القنابل بسهولة إلى أى مكان فى العالم. وفى ضوء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتى، اعتقد العديد من العلماء أن الدولة التىى ستمتلك طائرة نووية ستمتلك السماء. على العكس نجد أن الغواصة النووية وحاملات الطائرات النووية موجودة، وتهيمن على المحيطات والبحار من خلال البقاء بعيدة عن قواعدها لفترات طويلة.

أمريكا وروسيا تتسابق فى تطوير محركات دفع الصواريخ التى تعمل بالطاقة النووية، لكن المعلومات المتاحة من الجانب الروسى تكاد تكون معدومة، ولكننا نعتقد أنه لن يكون هناك اختلاف كبير فى فلسفة تصميم هذه المحركات بين أمريكا وروسيا.

بالطبع، المفاعل النووى فى محطة طاقة نووية لتوليد الكهرباء ليس هو المفاعل النووى فى محرك دفع الصواريخ النووى، ولكن تحديات العمل مع المواد الخطرة لا تزال قائمة. ومع ذلك، لن تكون هذه المرة الأولى التي حاولت فيها أمريكا تسخير الطاقة النووية للسفر إلى الفضاء. حاول عدد صغير من البرامج تطوير الطاقة النووية لمهمات الفضاء المأهولة في الستينيات، أحدها كان يسمى “نيرفا”.

سرعة خروج العادم من الفوهة النفاثة تحدد كفاءة دفع محرك الصاروخ، فكلما كان غاز العادم أخف، زادت سرعة العادم، وسرعة العادم الأعلى تعنى دفعاً أعلى. فإذا كان عادم المحرك النووى هو الهيدروجين، وهو أخف عنصر، فسيكون دفعه مرتفعاً جداً مقارنة بعادم الصاروخ الكيميائى عند نفس درجة الحرارة، حيث يحتوى عادم الصواريخ الكيميائية على عناصر أثقل وبالتالي لديه قوة دفع أقل.

الصواريخ التى ستعمل بالدفع النووى سوف تحل مشاكل الرحلات فى أعماق الفضاء،لأنه بديل أخف وأكثر كفاءة. فمن خلال إمرار الهيدروجين فى قلب مفاعل نووى صغير يمكن الحصول على طاقة لدفع الصاوخ بواسطة عادم خفيف الوزن.

العادم يخرج من الفوهة النفاثة على شكل نبضات دفع “قوة دافعة”، والنبضة الواحدة لها زمن تواجد، ونبضة العادم الخارج من الفوهة النفاثة تسمى بالدفع النوعى. وبذلك، فالدفع النوعى يقاس بوحدة الزمن (الثوانى)، وهو الزمن الذى يولد فيه رطل واحد من الوقود (الدافع) دفع مقداره واحد رطل قوة. وكلما زادت ثوانى النبضة، كلما كان الصاروخ اقتصادياً وأكثر كفاءةً.

قوة الدفع النوعى فى الصواريخ الكيميائية تتراوح ما بين 300 إلى 450 ثانية. لكن فى المقابل نجد أن محرك الصاروخ النووى والذى يستخدم الهيدروجين لديه دفع نوعى يتراوح ما بين 800 إلى 900 ثانية. وهذا يعنى أن كفاءة الصاروخ النووى ضعف كفاءة الصاروخ الكيميائى. وبذلك فإن زمن الرحلات بين الكواكب سوف يقصُر، ويقصُر معه فى الوقت نفسه فترة تعرض طاقم الرحلة للإشعاع الموجود فى الفضاء، وكذا فترة تواجدهم فى حالة انعدام الجاذبية الأرضية والتى تؤدى إلى ضمور عضلاتهم. لكن التحدى هو قرب الطاقم من المكونات المشعة فى المفاعل النووى. وهناك مشاكل كذلك، وبالتحديد، فإن درجة حرارة التشغيل العالية والتغيرات الشديدة في درجة الحرارة تجعل هناك تحدياً لبناء وتشغيل هذا النوع من المفاعلات.

يتم تخزين الهيدروجين فى حالة سائلة عند درجة حرارة منخفضة جداً  “250 –”  درجة مئوية، ويوضع فوق المحرك. يسخن الهيدروجين قبل دخوله قلب المفاعل ليكون فى حالة غازية. بمرور الهيدروجين داخل قلب المفاعل ترتفع درجة حرارته بواسطة حرارة انشطار اليورانيوم، ويسخن إلى حوالى 2200 درجة. ثم يمر الهيدروجين عبر فوهة العادم النفاثة ويتوسع بعد خروجه من الفوهة، مما ينتج عنه قوة دفع.

إطلاق الصواريخ من القاعدة الأرضية يتم بواسطة محركات دفع كيميائية. عادة صواريخ رحلات الفضاء تتكون من ثلاث مراحل، مرحلتين للعمل داخل الغلاف الجوى، ومرحلة لدفع الصاروخ فى الفضاء بعد خروجة من الغلاف الجوى. الدفع النووى لن يستخدم فى إطلاق الصواريخ من القاعدة الأرضية، لكن سوف يستخدم فى دفع مركبة الفضاء خلال رحلاتها فى الفضاء الخارجى. وفى حالة لو استخدم فى المرحلة الثالثة فى رحلة أبولو إلى القمر بدلا من المرحلة الثالثة الكيميائية، كان من شأنه أن يؤدى إلى هبوط الحمولة بنسبة تتراوح ما بين 40% إلى 75%. وبهذا القدر الكبير من القوة، لكان الوصول إلى كوكب المريخ أمراً سهلاً، حيث يمكن تقليل زمن السفر إلى المريخ بنسبة تصل إلى 25 ٪.

على الرغم من انتهاء البرنامج الأمريكى لتطوير محرك دفع نووى فى عام 1972، إلا أن الأبحاث استمرت في تحسين التصميم الأساسي والمواد والوقود عالى التخصيب المستخدم فى أنظمة الدفع. والآن تعمل وزارة الطاقة الأمريكية مع وكالة ناسا للمساعدة في اختبار وتطوير وتقييم جدوى استخدام أنواع الوقود الجديدة، والتي تتطلب قدراً أقل من تخصيب اليورانيوم لأنظمة الدفع النووى. يتم تصنيع الوقود منخفض التخصيب باستخدام تقنيات تصنيع جديدة ومتطورة، والتى سوف تساعد فى تقليل التكاليف المتعلقة بالأمان.

نظم الدفع النووى هى الخطوة الأولى نحو استخدام الطاقة النووية فى رحلات استكشاف الفضاء، وهى الخيار التكنولوجى الوحيد القابل للتطبيق، لتوسيع نطاق مهام استكشاف الفضاء السحيق، والتى سوف تتيح فرصة كبيرة للبشرية لاستكشاف النظام الشمسى، والوقوف على أدق التفاصيل، وستمكنهم من معرفة قدرة وعظمة خالق هذا الكون سبحانه وتعالى { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }، آية 53 – سورة فصلت.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق