مقالات والابداع

خطأ بشرى كان سيؤدى إلى حادثة نووية خطيرة فى كوريا الجنوبية

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

دائما أنظر إلى خطوات دولة كوريا الجنوبية في المجال النووي بعين التقدير والاحترام، فقد بدأت نهضتها في صناعة المحطات النووية بمشاركة تصنيع محلى نسبتها 5%، والآن فقد وصلت نسبة التصنيع المحلى للمحطات النووية لأكثر من 95%. بدأ تشغيل أول محطة نووية في كوريا في 29 أبريل عام 1978، وكانت الوحدة “كورى-1” (نظام تسليم مفتاح). واليوم كوريا تمتلك 25 محطة في الخدمة – تشارك بنسبة 23% في توليد الكهرباء – كما أن هناك عدد 4 محطات نووية تحت الإنشاء.

واليوم نحن بصدد خطأ بشرى وقع في الوحدة النووية “هانبيت-1”. بدأ الإنشاء فى “هانبيت-1” فى 4 يونيو 1981، وبدأ تشغيلها التجارى في 25 أغسطس 1986، وقدرة الوحدة الصافية 959 ميجاوات، والدائرة الابتدائية تتكون من 3 دوائر، وهى تصميم شركة وستنجهاوس الأمريكية.

الوحدة النووية “هانبيت-1″، كانت تخضع للفحص الدوري من 18 أغسطس 2018. خلال هذا الفحص، فقد فحصت هيئة الأمان والأمن النووي الكورية نتيجة 86 اختباراً تم تنفيذها، قبل اختبارات الحروجية، وأكدت أن المفاعل يمكنه الوصول إلى حالة الحروجية بطريقة آمنة، والحروجية تعني تحفيز الانشطار النووي فى الوقود النووي للصعود بقدرة المفاعل النووي حتى يصل إلى قدرته الطبيعية.

يوم الخميس 9 مايو 2019، وافقت هيئة الأمان والأمن النووي الكورية على تشغيل المفاعل والبدء فى اختبارات الحروجية والصعود بقدرة المفاعل.

الساعة 3 صباح يوم الجمعة 10 مايو 2019، بدأ اختبار قياس كفاءة نظام قضبان التحكم (قضبان التحكم تتكون من مواد تمتص النيوترونات، يتم إدخالها في قلب المفاعل أو سحبها من أجل التحكم في طاقة المفاعل أو إيقافه عن العمل)، وحدث موقف غير طبيعي في الساعة 10:30 صباحاً. فقد ارتفع الناتج الحراري للمفاعل ارتفاعاً كبيراً من 0 ٪ إلى 18 ٪ في دقيقة واحدة، مما تسبب في ارتفاع درجة حرارة سائل تبريد المفاعل بسرعة، إلى جانب ارتفاع مستوى مياه مولد البخار.

يوم الجمعة 10 مايو 2019، تلقت هيئة الأمان والأمن النووي الكورية تقريراً مفاده أن مضخة مياه التغذية الإضافية للوحدة النووية “هانبيت-1” قد تم تشغيلها تلقائياً في الساعة 10:30 صباحاً، وأرسلت على الفور فريق تحقيق مكون من خبراء فى الأمان النووي إلى موقع المحطة، والذين وصلوا بعد ظهر ذلك اليوم.

أكد المحققون نتيجة الفحص الذى تم على المحطة، أن الناتج الحراري للمفاعل قد تجاوز الحد المسموح به وهو 5%، حيث وصل إلى 18% في حوالي الساعة 10:30 صباحاً، أثناء اختبار الحروجية.

صدرت الأوامر من هيئة الأمان والأمن النووي الكورية إلى شركة الطاقة المائية والنووية الكورية وهى شركة عامة تدير المفاعلات النووية في كوريا والمسئولة على تشغيل المفاعل، بإغلاق المفاعل يدوياً وفقاً للمواصفات الفنية (وفقاً لقانون الأمان النووي، المادة 27، يمكن لهيئة الأمان والأمن النووي أن تأمر بتعليق تشغيل محطات الطاقة النووية إذا تأكدت أن المرخص له لم يقدم مستوى كافٍ من تدابير الأمان)، حيث تجاوز الناتج الحراري للوحدة النووية “هانبيت-1” مستوى الـ 5٪. وكانت هناك أدلة على أن شركة الطاقة المائية والنووية الكورية، قد اتخذت تدابير أمان غير كافية، وانتهكت قانون الأمان النووي، وربما يتم تحميلها المسؤولية الجنائية.

بدأ الشروع في إجراء تحقيق خاصة لتعليق تشغيل المفاعل وإحالة القضية إلى ضباط الشرطة القضائية الخاصة. وهذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها ضباط الشرطة القضائية الخاصة بالتحقيق في المفاعلات النووية في كوريا الجنوبية، منذ بدء التشغيل التجاري للطاقة النووية في مفاعل “كورى-1” في عام 1978.

يوم الجمعة 10 مايو 2019 وفى تمام الساعة 10:02 مساءاً، ووفقاً لتعليمات هيئة الأمان والأمن النووي الكورية، قامت شركة الطاقة المائية والنووية الكورية بإغلاق المفاعل يدوياً.

بذلك فقد ظل المفاعل يعمل على مستوى ناتج حرارى 18% لمدة 12 ساعة متواصلة، وكان يمكنه الوصول للحد الذى سيقوم فيه التحكم الآلى بإغلاق المفاعل اتوماتيكيا، وهو 25%. يعد ذلك انتهاكاً لدليل التشغيل الفنى، والذي يدعو إلى الإغلاق اليدوي “الفوري” للمفاعل إذا تجاوز الناتج الحراري الحد الأعلى “5%”. باختصار، ظل المفاعل يعمل لمدة 12 ساعة خارج حدود الأمان بعد أن كان من المفترض أن يتم إغلاقه يدوياً.

الأصعب من ذلك أن الشخص الذى كان يقوم باختبارات التشغيل لا يحمل رخصة تشغيل للمفاعل، وهذا فى حد ذاته كارثة.  فقد كانت شهادة خبراء هيئة الأمان والأمن النووي الكورية، هى: “أن الشخص الذي قام بتشغيل قضبان التحكم أثناء اختبار قياس كفاءة نظام قضبان التحكم، لم يكن مرخصاً له كمشغل للمفاعل”. ويعتبر ذلك انتهاكاً للمادة 84 من قانون الأمان النووي والخاص بالتراخيص، والذى ينص على أنه يجب تشغيل المفاعل بواسطة شخص حامل ترخيص أو على الأقل يشرف عليه حامل ترخيص كبير مشغلين “إشرافي”. ويحمل هذا الانتهاك عقوبة تصل إلى سنة سجن أو غرامة تصل إلى 10 ملايين “وون” كورى (8383 دولار أمريكي).

كما وجد خبراء هيئة الأمان والأمن النووي الكورية دليلاً على أن رئيس توليد الطاقة فى المفاعل، والمسؤول عن الإشراف على الاختبار (وهو الشخص المرخص له بتشغيل المفاعل والإشراف علي هذا الشخص) لم يقدم التعليمات المناسبة أو لم يقم بالإشراف المناسب.

قال مسؤول في هيئة الأمان والأمن النووي الكورية :: “نظراً لأن الطاقة الحرارية ارتفعت فجأة، سيتعين علينا أيضاً التحقق من سلامة الوقود النووي. وبعد التأكد من سلامة القضبان النووية والوقود النووي، سنتخذ إجراءات متعلقة بتشريعات الطاقة النووية “.

قالت هيئة الأمان والأمن النووي الكورية، إن مفاعل “هانبيت-1” قد تم تعليق تشغيله حالياً في أمان، وأنه لم يكن هناك أي تسرب للنشاط الإشعاعي سواء داخل أو خارج الوحدة النووية. ولمدة شهرين، وحتى 20 يوليو، تخطط هيئة الأمان والأمن النووي الكورية، التفتيش ليس فقط على معدات المفاعل ولكن أيضاً على ثقافة الأمان فى الشركة المشغلة للمفاعل (شركة الطاقة المائية والنووية الكورية)، وهو مصطلح في صناعة الطاقة النووية الدولية يشير إلى قدرة وموقف الأفراد والمنظمات التي تتعامل مع الطاقة النووية.

وستقوم هيئة الأمان والأمن النووي الكورية بتحليل ومراجعة خطة شركة الطاقة المائية والنووية الكورية لمنع تكرار مثل هذه الأخطاء، لتأكيد التشغيل الآمن للمفاعل، وفى حالة إذا تم ضمان الأمان، ستوافق هيئة الأمان والأمن النووي الكورية على إعادة تشغيل المفاعل.

يصف خبراء محطات الطاقة النووية هذا، “بأنه وضع خطير للغاية، وكان يمكن أن يؤدي بسهولة إلى انفلات حراري، وهو الحدث الذي يمكن أن يسبب حادثة نووية خطيرة”.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق